الأحد، 5 أبريل 2015

التأويل بين الغزالي وابن رشد

" فالمذاهب في العالم ليست تتباعد كل التباعد حتى يكفر بعضها ولا يكفر."[1] ابن رشد، فصل المقال
" بين النظار الذين اضطربت عقائدهم المأثورة المروية فينبغي أن يكون بحثهم بقدر الضرورة وتركهم الظاهر بضرورة البرهان القاطع ولا ينبغي أن يكفر بعضهم بعضا بأن يراه غالطا فيما يعتقده برهانا فإن ذلك ليس أمرا هينا سهل المدارك وليكن للبرهان بينهم قانون متفق عليه يعترف كلهم به فإنهم إذا لم يتفقوا في الميزان لم يمكنهم رفع الخلاف بالوزن..."[2] الغزالي، فيصل التفرقة
استفتاح:
ظل التأويل منذ بدايات الفكر البشري مغامرة رهيبة غير محدودة لا تحكمها نقطة نهائية ولا تخضع لأية غاية فالأشياء منكفئة على ذاتها ولا يمكن قياسها بأسبابها والإحالات حرة وعفوية تؤدي إلى إنتاج مدلولات عبثية والأمور الصحيحة هي الأمور التي لا يمكن شرحها, ولانهائية التأويل هي التي تقوده إلى تدمير المبادئ التي يقوم عليها والتشكيك في المصادرات التي ينطلق منها, زد على ذلك أن الاشتغال على التأويل هو تأويل مضاعف ومحاولة لرسم حدوده وهويته وتشخيص لمتاهاته وتأكيد ضرورته وأهميته, لكن هناك من يرى أن التأويل ليس فعلا مطلقا بل محكوما بمرجعيات وقواعد وقوانين وضوابط ذاتية تعمل على رسم خارطة تتحكم فيها الفرضيات الخاصة بالقراءة, من هنا يجوز لنا أن نتحدث عن تاريخية التأويل وتأويل كل طبقات التاريخ التي تشترك فيها جميع الثقافات والأمم دون استثناء وبما أن حضارة العرب مثل غيرها هي حضارة تأويل وتاريخها هو تاريخ صراع حول من يستحوذ على النصوص والروايات والتفاسير والتأويلات فإننا سنعزم على تدبر وتلمس بعض من نظريات التأويل في هذه الحضارة وبالخصوص ما أنتجته الفلسفة العربية في ذلك, بيد أن وضع نظرية التأويل في علومهم هو وضع مقلق ومحرج ومنزلتها هي منزلة غامضة و دقيقة لما تمسه من مناطق محرمة وأمور مقدسة ولما يترتب عنها من تشريعات وأحكام تمس حياة المرء الخاصة وتشمل مختلف العلاقات الاجتماعية, لهذا اهتم به جميع العلماء والمفسرين والفلاسفة من جميع المذاهب والفرق ومن جميع الملل والنحل.
ولما كان تاريخ الأفكار عندنا هو تاريخ مناظرات ومطارحات وردود وردود مضادة فقد سجل لنا هذا التاريخ معركة كلامية فلسفية بين ابن رشد والغزالي اشتهر منها تكفير الغزالي للفلاسفة في كتابه "تهافت الفلاسفة" لخوضهم في مسائل الدين والغيب وبوحهم بها للعامة مما كان من شأنه أن يفسد العقيدة وقابله رد ابن رشد الحازم ودفاعه المستميت على التفلسف بالنسبة للمؤمن في كتابه "تهافت التهافت" لأن ذلك واجب شرعا ولأن الفلسفة والدين هما أختان من الرضاعة متحابتان صديقتان بالطبع " فالحق لا يضاد الحق بل يوافقه و يشهد له". لكن المناظرة الحقيقية التي دارت بين الرجلين؛ والتي أهملها الجميع كانت تتعلق بالأساس حول قضية التأويل : قانونه وشروطه وقواعده وحدوده ومواضعه ومجالاته.
فما هو قانون التأويل عند الغزالي ؟ أين يمكن أن نصنفه ؟ هل ضمن التأويل الفقهي أم الكلامي ؟ هل ضمن التأويل الفلسفي أم الصوفي؟ على ماذا يقوم ؟ ما هي مسلماته الضمنية و فرضياته القبلية ؟ كيف ميز الغزالي بين التأويل الزائف و التأويل الصحيح ؟ لماذا ارتبطت مسألة التأويل بمسألة الكفر و الإيمان ؟ هل يؤدي التخلي عن قٌانون التأويل إلى تكفير كل مخالف في العقيدة ؟ ما الفرق بين قانون التأويل عند الغزالي وقانون التأويل عند ابن رشد ؟ ماذا أضاف ابن رشد للغزالي ؟ فبماذا نقده و لماذا ؟ وهل يمكن أن نعتبر ابن رشد قد وسع من دائرة التأويل أم ضيقها وأفقرها ؟ هل من الضروري أن نتقيد بقانون عندما نتعامل مع تأويل النصوص؟ ما علاقة قانون التأويل بالقياس البرهاني ؟ ألا يمكن أن نعتبر المنطق سياج دغمائي منع ابن رشد من تأسيس نظرية كونية في التأويل ؟ لماذا اشترط حكيم قرطبة الدراية بقوانين اللغة العربية للوصول الى تأويل صحيح ؟ ألم يتأثر في ذلك بالغزالي ويبتعد بعض الشيء عن أرسطو ؟ هل هناك خصومة فكرية تقاطع بعدها الرجلان أم قرابة وتأثير وتأثر ؟
ما نراهن عليه عندما نتصدى لمعالجة هذه الإشكاليات هو معرفة مخزون المدونة العربية من نظريات التأويل واستخراج مدى مساهمتها في المدونة الحديثة , إضافة إلى التمكن من التمييز بين التأويلات المضللة و التأويلات المقبولة بتفكيك الحكم المسبق الذي يجعل من الغزالي أمير ظلام و ينظر إلى ابن رشد دون تمحيص على أنه فانوس تنوير.
1- قانون التأويل عند الغزالي :
قال الله عز و جل : " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات, فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخين في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر الا أولوا الألباب"( آخر الآية7 من سورة آل عمران). مثلت هذه الآيات القاعدة النظرية التي انطلق منها كل العلماء في الحضارة العربية لبناء نظريتهم في التأويل والأساس الأول الذي انتقل منه المفسرون لفهم النصوص المتشابهة والمليئة بالألغاز والمجازات والغزالي لم يشذ عن هذه القاعدة بل كان أكثر قرب من روح هذه الآيات عندما وضع قانونا للتأويل في رسائله وكتبه, فما هي المؤلفات التي تحدث فيها الغزالي عن التأويل ؟ وما هو هذا القانون الذي وضعه ؟
ترك لنا أبو حامد رسالة عنوانها : قانون التأويل طرح فيها أسئلة شائكة عن أمور غيبية لم يقع البت فيها بشكل نهائي بنصوص محكمة وقطعية تتعلق بوجود الشيطان وكيفية تأثيره في البشر و إخباره عن الغيبيات وتتناول بالبحث أيضا استفسارات حول حقيقة البرزخ والملائكة والحوض والجنة والنار والشفاعة وقد اعترف الغزالي بغموض هذه الأسئلة وحساسيتها لأنها تمس جوهر العقيدة وتؤثر على سلامة إيمان الجمهور ووحدة صفهم وأكد حاجة كل مؤول إلى قانون للحكم في مثل هذه الأمور ولضمان عدم الوقوع في الوهم والغلط , وقد صرح في هذا الصدد:" أسئلة أكره الخوض فيها والجواب لأسباب عدة, لكن إذا تكررت المراجعة أذكر قانونا كليا ينتفع به في هذا النمط..." [3]
يرى الغزالي في إطار مقاربته لإشكالية العلاقة بين العقل والنقل ودورها في فهم النصوص أن القائلين بالتأويل لا يخرجون عن أحد الفرق الخمسة التالية :
1- القانعون بظاهر المنقول.
2- المغالون في المعقول.
3- المتوسطون بجعل المعقول أصلا و المنقول تابعا.
4- المتوسطون بجعل المنقول أصلا والمعقول تابعا.
5- المتوسطون الذين يجمعون بين المعقول والمنقول كأصلين مهمين.
ويرى أن الفرقة الأولى تعتمد الفهم الحرفي للنصوص وتقف بمداركها في مستوى الظاهر, تنظر الى كل ما جاء في النص على أنه محل إيمان وتسليم واعتقاد, تمتنع عن التأويل حتى أمام تناقضات واضحة للعيان وهي لهذا فرقة مقصرة طلبا للسلامة من خطر التأويل والبحث فنزلت بساحة الجهل واطمأنت بها. الفرقة الثانية حسب الغزالي لم تكترث بالمنقول وغالت في التفسير العقلي حتى أدى بها الأمر إلى الاستخفاف بما ورد في سماع الشرع و احتاجت لذكر الشيء على خلاف ما هو عليه ولذلك فهي مقصرة. الفرقة الثالثة جحدت الظواهر المخالفة للمعقول بل أنكرتها وكذبت راويها فاعتمدت على التأويل القريب والتواتر فطال بحثهم في المعقول وضعفت عنايتهم بالمنقول ولذلك فهي فرقة مقصرة. الفرقة الرابعة لم تغوص في المعقول بل طالت ممارستها للمنقول بحيث لم يكثر عندها الحديث عن المحالات العقلية فلم تنتبه للحاجة إلى التأويل.
الفرقة الخامسة في رأيه هي الفرقة الناجية صاحبة التأويل الصحيح للنص والتي احترمت قانون التأويل لأنها جمعت بين البحث عن المعقول والمنقول وجعلت كل من العقل و الشرع أصلا وأنكرت التعارض بينها لكونهما حقا وقد ابتعدت عن الجمع والتلفيق واقتربت من التوفيق والتأليف. وقد ترك الغزالي للذين لم يرضهم هذا القانون ويطمئن قلوبهم حول الأمور الغيبية وصايا ثلاث يدعوهم إلى الأخذ بها حتى لا يتيهوا في بيداء الوهم :
1- الوصية الأولى : أن لا يطمع المرء في الإطلاع على جميع الأمور الغيبية.
2- الوصية الثانية : أن لا يكذب برهان العقل أصلا فإن العقل لا يكذب إذ به عرفنا الشرع.
3- الوصية الثالثة : أن يكف عن تعيين التأويل عند تعارض الاحتمالات لأن وجوه الاحتمالات في كلام العرب وطرق التوسع فيها كثير فمتى ينحصر ذلك فالتوقف في التأويل أسلم , فإن الحكم على الغيبيات بالظن والتخمين خطر لأن أكثر ما قيل في التأويلات ظنون وتأويلات, والتخمين والظن جهل.
هذا النص هو على الغاية من الابتكار والجدة ومن لم يصدق فليسترق السمع في ما يقوله الغزالي في رسالته المذكورة : " بين المعقول والمنقول تصادم في أول النظر وظاهر الفكر, والخائضون فيه تحزبوا إلى مفرط بتجريد النظر إلى المنقول, والى مفرط بتجريد النظر إلى المعقول, والى متوسط طمع في الجمع والتلفيق. والمتوسطون انقسموا إلى من جعل المعقول أصلا, والمنقول تابعا, فلم تشتد عنايتهم بالبحث عنه, والى من جعل المنقول أصلا والمعقول تابعا والى من جعل كل واحد أصلا ويسعى في التأليف والتوفيق بينهما."[4]
أما بخصوص الفرقة المحقة فإن الغزالي يحدد ملامحها كما يلي : " هي الفرقة المتوسطة الجامعة بين البحث عن المعقول و المنقول , الجاعلة كل واحد منهما أصلا مهما , المنكرة لتعارض العقل و الشرع وكونه حقا , ومن كذب العقل فقد كذب الشرع , إذ بالعقل عرف صدق الشرع ولولا صدق دليل العقل لما عرفنا الفرق بين النبي والمتنبي والصادق والكاذب , وكيف يكذب العقل بالشرع وما ثبت الشرع إلا بالعقل.وهؤلاء هم الفرقة الحقة, وقد نهجوا منهجا قويما إلا أنهم ارتقوا مرتقي صعبا وطلبوا مطلبا عظيما , وسلكوا سبيلا شاقا , وانتهجوا مسلكا ما أوعره. ولعمري إن ذلك سهل يسير في بعض الأمور ولكن شاق عسير في الأكثر.نعم , من طالت ممارسته للعلوم , وكثر خوضه فيها يقدر على التلفيق بين المعقول والمنقول في الأكثر بتأويلات قريبة , ويبقى لا محالة عليه موضعان: موضع يضطر فيه إلى تأويلات بعيدة تكاد تنبو الأفهام عنها , وموضع آخر لا يتبين له فيه وجه التأويل أصلا , فيكون ذلك مشكلا عليه من جنس الحروف المذكورة في أول السور إذا لم يصح فيها معنى بالنقل. ومن ظن أنه سلم عن هذين الأمرين فهو إما لقصوره في المعقول وتباعده عن معرفة المحالات النظرية فيرى ما لا يعرف استحالته ممكنا , وإما لقصوره عن مطالعة الأخبار ليجتمع له من مفرداتها ما يكثر مباينتها للمعقول..."[5]
وما يلفت للانتباه ويثير الدهشة و الاستغراب أن الغزالي لا ينظر إلى التأويل كنمط معرفة ومنهج للوصول إلى الحقيقة بل كمقام للإنسان في العالم ونمط وجود وهذا في حد ذاته دليل على حداثته وقدراته التجديدية.
فقد جاء في رسالته: فصل التفرقة بين الإسلام والزندقة أن درجات التأويل هي درجات وجود وأن من أراد تخطي ورطة التكفير ويفصل بين الكفر والإيمان لابد أن يعرف حد التكذيب والتصديق وحقيقتهما. يعترف أبو حامد بصعوبة وضع حد للكفر لأن شرح ذلك طويل ومدركه غامض ولكنه يعطينا علامة صحيحة تكفينا عن تكفير المخالفين وتطويل اللسان في أهل الإسلام , إذ يقول في هذا السياق : " الكفر هو تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام في شيء مما جاء به , والإيمان تصديقه في جميع ما جاء به... التصديق إنما يتطرق إلى الخبر بل إلى المخبر, وحقيقة الاعتراف بوجوه ما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن وجوده إلا أن للوجود خمس مراتب ولأجل الغفلة عنهما نسبت كل فرقة مخالفها إلى التكذيب فإن الوجود ذاتي وحسي وخيالي وعقلي وشبهي فمن اعترف بوجود ما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام عن وجوده بوجه من هذه الوجوه الخمسة فليس مكذب على الإطلاق..."[6]
1- الوجود الذاتي هو المعروف الذي يجري على الظاهر فلا يحتاج إلى مثال ولا يتأول وهو الوجود المطلق الحقيقي أي الوجود الثابت خارج الحس والعقل.
2- الوجود الحسي يكون موجودا في الحس ويختص به الحاس ولا يشاركه غيره وأمثلته في التأويلات كثيرة مثل تشبيه الموت بالكبش الأملح وتشبيه اتساع عرض الجنة بعرض الحائط.
4الوجود العقلي فهو أن يكون للشيء روح وحقيقة ومعنى فيتلقى العقل مجرد معناه دون أن يثبت صورته في خيال أو حس أو خارج ومثالاتها كثيرة نذكر منها يد الله وهي يد عقلية لها معنى هو حقيقتها هو قدرتها على البطش.
5- الوجود الشبهي " فهو أن لا يكون نفس الشيء موجودا لا بصورته و لا بحقيقته لا في الخارج و لا في الحس و لا في الخيال و لا في العقل و لكن يكون الموجود شيئا آخر يشبهه في خاصة من خواصه و صفة من صفاته... ومثاله - الوجود الخيالي هو صورة المحسوسات إذا غابت عن الحس فتوجد بكمال صورتها في الدماغ لا في الخارج والغرض من هذا النمط من الوجود هو التفهيم بالمثال.
الغضب والشوق والفرح والصبر وغير ذلك مما ورد في حق الله تعالى"[7].
ويربط الغزالي بين قانون التأويل ودرجات الوجود الخمسة فمن لزم هذه الدرجات فهو مصدق ولا ينبغي تكفيره بقوله في نفس الرسالة : "إن كل من نزل قولا من أقوال صاحب الشرع على درجة من هذه الدرجات فهو من المصدقين و إنما التكذيب أن ينفي جميع هذه المعاني و يزعم أن ما قاله لا معنى له و إنما هو كذب محض و غرضه فيما قاله التلبيس أو مصلحة الدنيا و ذلك هو الكفر المحض و الزندقة".[8]
ويمكن أن نخلص إلى النتائج التالية :
  لا يلزم الكفر بالتأويل ولا ينبغي تكفير المؤولين ماداموا يلزمون القانون المطلوب.
  ما من فريق من أهل الإسلام إلا وهو مضطر إلى التأويل.
  من الناس من يبادر إلى التأويل بغلبات الظنون من غير برهان قاطع.
  رجوع الناس في التأويل إلى محض القريحة والطبع دون الوزن بميزان والاحتكام إلى قانون.
  موقع الغلط في التأويل هو التباس قضايا الوهم بقضايا العقل والكلمات المشهورة المحمودة بالضروريات والأوليات.
  اتفقت الفرق على أن القانون هو هذه الدرجات الخمس من التأويل.
  أبعد التأويلات عن الحقيقة وأغربها أن تجعل الكلام مجازا أو استعارة هو الوجود العقلي والوجود الشبهي.
  ان لم يمس المؤول أصول العقائد فلا ينبغي تكفيره .
يقول الغزالي : "فاسمع الآن قانون التأويل فقد علمت اتفاق الفرق على هذه الدرجات الخمس في التأويل وأن شيئا من ذلك من حيز التكذيب واتفقوا أيضا على أن جواز ذلك موقوف على قيام البرهان على استحالة الظاهر والظاهر الأول هو الوجود الذاتي فإن إذا ثبت تضمن الجمع . فإن تعذر فالوجود الحسي فإنه إن ثبت تضمن ما بعده.فإن تعذر فالوجود الخيالي أو العقلي. وان تعذر فالوجود الشبهي المجازي ولا رخصة للعدول عن درجة الى ما دونها الا بضرورة البرهان فيرجع الاختلاف على التحقيق الى البراهين."[9] بيد أن نظرية الغزالي في التأويل ظلت محل خلاف وموضع نظر وذلك لصعوبة تصنيفها اذ ارتاب البعض حول اعتبارها نظرية ظاهرية في التأويل بينما ذهب البعض الآخر الى ادراجها ضمن التأويل الباطني. فكيف تلقى الفلاسفة التابعون هذا القانون في التأويل ؟ وماهو موقف حكيم قرطبة أبو الوليد ابن رشد منه ؟ وهل كانت علاقته بالإمام الغزالي على جهة القطيعة و التخاصم أم على جهة الاتصال والتكميل والاستثمار ؟
2- الفلسفة والتأويل عند ابن رشد :
ربما الفرضية الأكثر وضوحا في هذه المقاربة تتمثل في أن الخصومة المشهورة بين الغزالي وابن رشد حول الفلسفة وخوضها في القضايا الغيبية وخاصة في مسألة قدم العالم والعلم الإلهي وحقيقة البعث لا علاقة لها بالواقع وليس لها محل للإعراب في مستوى إشكالية التأويل لأن حكيم قرطبة ذهب نفس المنحى الذي ذهبه أبو حامد في كتابه" فصل التفرقة" باعترافه هو على ذلك : "وأما الأشياء التي لخفائها لا تعلم إلا بالبرهان فقد تلطف الله فيها لعباده الذين لا سبيل لهم إلى البرهان إما من قبل فطرهم وإما من قبل عاداتهم وإما من قبل عدمهم أسباب التعلم بأن ضرب لهم أمثالها وأشباهها ودعاهم إلى التصديق بتلك الأمثال إذ كانت تلك الأمثال يمكن أن يقع التصديق بها بالأدلة المشتركة للجميع , أعني الجدلية والخطابية. وهذا هو السبب في أن انقسم الشرع الى ظاهر وباطن. فإن الظاهر هو تلك الأمثال المضروبة لتلك المعاني والباطن هو تلك المعاني التي لا تنجلي الا لأهل البرهان. وهذه هي أصناف تلك الموجودات الأربعة أو الخمسة التي ذكرها أبو حامد في كتاب التفرقة."[10]
لكن كيف نفهم نقد ابن رشد للغزالي و حمله عليه و تهفيت اعتراضاته على الفلاسفة في كتابه "تهافت التهافت" ؟
أليس هو القائل : "جاء أبو حامد فطم الوادي على القرى وذلك أنه صرح بالحكمة كلها للجمهور وبآراء الحكماء على ما أداه اليه فهمه وذلك في كتابه الذي سماه بالمقاصد فزعم أنه انما ألف هذا الكتاب للرد عليهم ثم وضع كتابه المعروف بتهافت الفلاسفة فكفرهم فيه في مسائل ثلاثة من جهة خرقهم فيها للإجماع كما زعم وبدعهم في مسائل وأتى فيه بحجج مشككة وشبه محيرة أضلت كثيرا من الناس عن الحكمة وعن الشريعة.
ثم قال في كتابه المعروف بجواهر القرآن : إن الذي أثبته في كتاب التهافت هي أقاويل جدلية وأن الحق إنما أثبته في المضنون به على غير أهله, ثم جاء في كتابه المعروف بمشكاة الأنوار فذكر فيه مراتب العارفين بالله فقال : إن سائرهم محجوبون إلا الذين اعتقدوا أن الله سبحانه غير محرك السماء الأولى وهو الذي صدر عنه هذا المحرك وهذا تصريح منه باعتقاد مذاهب الحكماء في العلوم الإلهية. وقد قال في غير ما موضع : إن علومهم الإلهية هي تخمينات بخلاف الأمر في سائر علومهم.
وأما في كتابه الذي سماه المنقذ من الضلال فأنحى فيه على الحكماء وأشار إلى أن العلم إنما يحصل بالخلوة والفكرة , وأن هذه المرتبة هي من جنس مراتب الأنبياء في العلم وكذلك صرح بذلك بعينه في كتابه الذي سماه بكيمياء السعادة فصار الناس بسبب هذا التشويش والتخليط فرقتين فرقة انتدبت لذم الحكماء والحكمة وفرقة انتدبت لتأويل الشرع وروم صرفه إلى الحكمة. وهذا كله خطأ بل ينبغي أن يقرر الشرع على ظاهره ولا يصرح للجمهور بالجمع بينه وبين الحكمة."[11]
ألا يفيد هذا النص أن ابن رشد قد اعتبر الغزالي من الذين أضروا بالحكمة وبالشريعة معا؟
في الواقع إن "قانون التأويل" عند حكيم قرطبة لا يختلف كثيرا عن" قانون التأويل" عند أبو حامد بل نجد إشادة وثناء من طرف الأول على فضل الثاني عليه وينبغي التقليل من هذا النص ذائع الصيت لأنه موجود في كتاب جدلي هو "الكشف عن مناهج الأدلة" ولأن هناك نصوص أخرى تنسخه وتثبت عكسه.
فقد ذكر في" تهافت التهافت" ما يلي : " والذين شكوا في في هذه الأشياء وتعرضوا لذلك و أفصحوا به انما هم الذين يقصدون ابطال الشرائع و ابطال الفضائل وهم الزنادقة الذين يرون أن لا غاية للإنسان إلا التمتع باللذات . هذا مما لا يشك أحد فيه . ومن قدر عليه من هؤلاء فلا يشك أن أصحاب الشرائع و الحكماء بأجمعهم يقتلونه . ومن لم يقدر عليه فإن أتم الأقاويل التي يحتج بها عليه هي الدلائل التي تضمنها الكتاب العزيز. وما قاله هذا الرجل في معاندتهم هو جيد . ولابد في معاندتهم أن توضع النفس غير مائتة كما دلت عليه الدلائل العقلية والشرعية .وأن يوضع أن التي تعود هي أمثال هذه الأجسام التي كانت في هذه الدار لا بعينها لأن المعدوم لا يعود بالشخص وانما يعود الموجود لمثل ما عدم لا لعين ما عدم كما بين أبو حامد."[12]
والآن ماهو قانون التأويل عند حكيم الفردوس المفقود ؟ وماهي المبادىء التي أخذها عن الغزالي ؟
يقاوم ابن رشد ما وقع في عقائد الملة بحسب التأويل من الشبه المزيغة والبدع المضلة ومن الاضطراب والابتداع في فهم الشريعة مما سهل ميلاد الفرقة والتطاحن فيما بينها, ويحدد مقصده كما يلي :
  التفرد بالبحث عن الحكمة.
  مطابقة الحكمة للشرع وأمر الشريعة بها.
  فهم مقاصد الشريعة بالاعتصام بقانون للتأويل.
  اتباع السنة و تقليد رسالة النبي لملته.
  الاطلاع على مكنونات العلم الالهي .
  معرفة مفهوم الوحي بالبقاء على ظاهر النصوص ورفض مغالاة الباطنية .
  تفادي زيغ الزائغين و تحريف المبطلين.
  اعتماد القياس البرهاني في النظر الى الموجودات.
وقد انكشف لإبن رشد أن من التأويلات التي خاضت فيها الفرق : الأشعرية والمعتزلة والباطنية والحشوية ما لم يأذن به الله ورسوله. هذه التأويلات المبتدعة هي أقاويل محدثة صرفت كثيرا من ألفاظ الشرع عن ظاهرها اذا تؤملت جميعها ظهر أنها تتفق تماما مع المبادىء المذهبية لهذه الفرق – الأصول الخمسة عند المعتزلة مثلا. يقول ابن رشد : " إن الشريعة قسمان ظاهر ومؤول وإن الظاهر منها فرض الجمهور وإن المؤول هو فرض العلماء. وأما الجمهور ففرضهم فيه حمله على ظاهره وترك تأويله وأنه لا يحل للعلماء أن يفصحوا بتأويله للجمهور كما قال علي رضي الله عنه : حدثوا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله ورسوله."[13] التأويل ضرورة لا مناص منها بالنسبة لإبن رشد ليس لفهم المتشابه من النص الديني وتجاوز التناقض بين المنقول والمعقول بل لأنه الوسيلة المثلى للمحافظة على شمولية الوحي وانفتاحه على جميع الناس مهما كانت فطرهم وملكاتهم المعرفية .
يعرف ابن رشد التأويل على النحو التالي : " ومعنى التأويل هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية الى الدلالة المجازية من غير أن يخل ذلك بعادة لسان العرب في التجوز من تسمية الشيء بشبيهه أو بسببه أو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء التي عدت في تعريف أصناف الكلام المجازي . واذا كان الفقيه انما عنده قياس ظني والعارف عنده قياس يقيني ونحن نقطع قطعا أن كل ما أدى اليه البرهان وخالفه الشرع , أن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي, وهذه القضية لا يشك فيها مسلم ولا يرتاب فيها مؤمن وما أعظم ازدياد اليقين بها عند من زاول هذا المعنى وجربه, وقصد هذا القصد من الجمع بين المعقول والمنقول."[14]
فهل يميز فيلسوف قرطبة في هذا النص بين الفلسفة الاغريقية والتأويل العربي تماما مثل تمييزه بين القياس اليقيني والقياس الظني أم أن الأمر أبعد من ذلك ؟
اذا تأملنا هذا النص بعيون هرمنوطيقية معاصرة تبين لنا أن مرجعية التأويل ثنائية:
1- الحصول على صناعة البرهان بالوصول الى الحقائق اليقينية عن طريق القياس العلمي ومعرفة الأقاويل المضللة الأخرى مثل الأقاويل الجدلية والخطابية والشعرية والسفسطائية .
2- فهم قوانين اللغة العربية وامعان النظر في علم الصرف والنحو والبيان والاعراب والبلاغة والتمكن من جميع النواحي الفلولوجية التي من شأنها تسريع النظر في كيفية اصابة المعنى واسناد الأسماء للأشياء.
من هنا فإن التقيد باللسان العربي يفيد احترام الأسس التالية :
  ان السان العربي لا يحتوي على خاصية الترادف بل بالعكس اللفظة الواحدة يمكن أن يكون لها أكثر من معنى مثل فعل أمر.
  العلاقة بين الألفاظ والمعاني هي علاقة شائكة اذ نجد تارة الألفاظ هي خدم للمعاني والمعاني هي المالكة سياساتها اذا حصلوها تساهلوا في العبارة عنها وطورا المعاني تابعة للألفاظ وتتغير بتغير بنيتها .
  الأخذ بعين الاعتبار أصالة اللسان العربي من حيث أفعال الأضداد في المعاني مثل فعل عبد وخفي وأفعال المعاني والأصوات مثل علق- قلع وكتب- بتك وضاف- فاض, أي ضرورة معرفة فقه اللغة العربية.
  معرفة قانون التأويل العربي هو معرفة أصناف الكلام المجازي وعادة العرب في التجوز و طرق اسناد الأسماء الى الأشياء من تشبيه وسبب وقرين وملحق.
من المعلوم أن ابن رشد ترجم كتب أرسطو المنطقية واطلع على الرابطة المنطقية بين الأشياء والألفاظ والمعاني اذ جاء في تلخيص كتاب العبارة ما يلي :
"ان الألفاظ التي ينطق بها هي دالة أولا على المعاني التي في النفس والحروف التي تكتب هي دالة أولا على هذه الألفاظ. وكما أن الحروف المكتوبة – أعنى الخط- ليس هو واحدا بعينه لجميع الأمم كذلك الألفاظ التي يعبر بها عن المعاني ليست واحدة بعينها عند جميع الأمم. ولذلك كانت دلالة هذين بتواطؤ لا بالطبع. وأما المعاني التي في النفس فهي واحدة بعينها للجميع كما أن الموجودات التي المعاني التي في النفس أمثلة لها ودالة عليها هي واحدة وموجودة بالطبع للجميع"[15]
هنا يطرح ابن رشد نظريته في الدلالة مأخوذة من أرسطو ويشير الى عالمية التأويل وكونية قانونه بما أن المعاني هي واحدة وموجودة بالطبع للجميع. ويجعل من التأويل العروة الوثقى والصلة الرابطة بين الحكمة الفلسفية وعقائد الملة وبين البرهان والشريعة خرصا منه على وحدة العقل ونسقية المعرفة وانتظام الجماعة ولكنه يترك الباب مفتوحا لحق الاختلاف وتعددية المناهج المؤدية الى الفهم والافهام. وهذا الاختلاف واضح للعيان في مستوى مراتب الادراك ومناهج التصديق ومجالات التأويل.
يقسم ابن رشد الناس على عادة الفلاسفة الى ثلاثة طبقا لللآية الكريمة:
" وادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن ".[16] 1- الجمهور وهم طائفة لا علاقة لهم بالتأويل أصلا لا يمارسونه ولا يجب أن يصرح لهم به بل يتلقنون الدين تلقينا ويعملون بالظاهر ولا يدركون المعقولات الا متخيلا أو ممثلا ومحسوسا. يقول في هذا السياق : " الشيء الذي تتوقف عليه سعادتهم يقدمه لهم في صورة مثال من الشاهد حتى يتمكنوا من تصوره ".
2- أهل الجدل و هم طائفة من المتكلمين الذين أولوا النصوص تبريرا لمواقفهم الايديولوجية ومصالحهم الضيقة وحاكوا أفكار الفلاسفة دون الوصول الى حقائقهم وابتدعوا في الشرع أمورا لايتحملها. وقد نقد ابن رشد الجانب الكلامي من فكر الغزالي بقوله : " هذا الرجل أوقع هذا الخيال في هذا العالم العظيم وأبطل على الناس الوصول الى سعادتهم بالأعمال الفاضلة..."
3- أهل البرهان وهم من أصحاب اليقين الفلاسفة الذين توصلوا الى فك رموز الكون وفهموا على قدر المستطاع أسرار الطبيعة ومقاصد الشارع وهم الذين عناهم الله في قرآنه بالراسخين في العلم والذين ارتقوا الى مرتبة الايمان عن طريق التأويل الصحيح للشريعة .
أما مناهج التصديق فهي ثلاثة : البرهانية ( الحكمة ) والجدلية ( الموعظة الحسنة) والخطابية( جادلهم بالتي هي أحسن).
هنا يقدم ابن رشد الشريعة على الفلسفة لأن الفلسفة لا تشجع الا على منهج البرهان في التصديق فيما تبكت الجدل والخطابة أما الدين فإنه يشجع مناهج التصديق الثلاث لحاجتنا اليها من أجل افهام العامة والخاصة وخاصة الخاصة نظرا لأنه لكل مقام مقال ولضرورة مخاطبة الناس على قدر مستوى ادراكهم. ويميز ابن رشد بين درجات التأويل ( مستوى الذهاب من اللفظ الى المعنى ومن الظاهر الى الباطن ) وأصناف المدركين ( قوة الادراك والاستعدادات الذهنية لدى الناس).
ويقسم الشريعة الى ثلاثة أصناف :
*     نصوص محكمة قطعية لا يجوز تأويلها وينبغي البقاء في الظاهر.
*      نصوص متشابهة يمكن( يجوز) تأويلها دون اخراجها عن سياقها اللغوي.
*       نصوص متشابهة وعويصة يجب( ينبغي) تأويلها لحل التناقض بينها وبين المنطق والعقل والواقع.
يقول ابن رشد متحدثا عن قانون التأويل : " إن المعاني الموجودة في الشرع توجد على خمسة أصناف وذلك أنها تنقسم أولا الى صنفين , صنف غير منقسم, وينقسم الآخر منهما الى أربعة أصناف . فالصنف الأول الغير منقسم هو أن يكون المعنى الذي صرح به هو بعينه المعنى الموجود بنفسه. والصنف الثاني المنقسم هوأن لا يكون المعنى المصرح به في الشرع هو المعنى الموجود وانما أخذ بدله على جهة التمثيل. وقد انقسم هذا الصنف الى أربعة أقسام :
أولها أن يكون المعنى الذي صرح بمثاله لا يعلم وجوده الا بمقاييس بعيدة مركبة تتعلم في زمان طويل وصنائع جمة وليس يمكن أن تتقبلها الا الفطر الفائقة ولا يعلم أن المثال الذي صرح به فيه هو غيرالممثل الا بمثل هذا البعد الذي وصفناه. والثاني مقابل هذا وهو أن يكون يعلم بعلم قريب منه الأمران جميعا , أعني : كون ما صرح به أنه مثال ولماذا هو مثال. والثالث أن يكون يعلم بعلم قريب أنه مثال لشيء و يعلم لماذا هو مثال بعلم بعيد.
والرابع عكس هذا وهو أن يعلم بعلم قريب لماذا هو مثال و يعلم بعلم بعيد أنه مثال. فأما الصنف الأول من الصنفين الأولين فتأويله خطأ بلا شك. وأما الصنف الأول من الثاني وهو البعيد في الأمرين جميعا فتأويله خاص بالراسخين في العلم ولا يجوز التصريح به لغير الراسخين. وأما المقابل لهذا وهو القريبفي الأمرين فتأويله هو المقصود منه والتصريح به واجب.
وأما الصنف الثالث ففي تأويله نظر: لأن هذا الصنف لم يأت فيه التمثيل من أجل بعده على أفهام الجمهور وانما أتى فيه التمثيل لتحريك النفوس اليه. وهذا مثل قوله عليه السلام : " الحجر الأسود يمين الله في الأرض", وغيره مما أشبه هذا مما يعلم بنفسه أو بعلم قريب أنه مثال , ويعلم بعلم بعيد لماذا هو مثال. فإن الواجب في هذا ألا يتأوله الا الخواص من العلماء. ويقال للذين شعروا أنه مثال, ولم يكونوا من أهل العلم لماذا هو مثال: اما أنه من المتشابه الذي يعلمه العلماء الراسخون. واما أن ينقل التمثيل فيه لهم الى أقرب من معارفهم أنه مثال.وهذا كأنه أولي من جهة ازالة الشبهة التي في النفس من ذلك...
وأما الصنف الرابع وهو المقابل لهذا وهو أن يكون كونه مثالا معلوما بعلم بعيد إلا أنه اذا سلم أنه مثال ظهر عن قرب لماذا هو مثال ففي تأويل هذا نظر : أعني عند الصنف الذين يدركون أنه مثال الا بشبهة وأمر مقنع , اذ ليسوا من العلماء الراسخين في العلم. فيحتمل أن يقال ان الأحفظ بالشرع ألا تتأول هذه وتبطل عند هؤلاء الأمور التي ظنوا من قبلها أن ذلك القول مثال, وهوالأولى. ويحتمل أيضا أن يطلق لهم التأويل لقوة الشبه الذي بين ذلك الشيء وذلك الممثل به. الا أن هذين الصنفين متى أبيح التأويل فيهما تولدت منها اعتقادات غريبة وبعيدة منظاهر الشريعة وربما فشت فأنكرها الجمهور. وهذا هو الذي عرض على الصوفية ولمن سلك من العلماء هذا المسلك."[17 ] لو قمنا بتفكيك هذا القانون وخلخلة أبنيته الضمنية لتوصلنا الى ما يلي :
المدلولات الباطنية (المعاني خمسة(:
1- المعنى المصرح به من خلال ظاهر اللفظ هو المعنى الموجود بنفسه ولا يحتاج الى تأويل أو لا يجوز تأويله.
2- المعنى المبحوث عنه هو غير المعنى المصرح به وانما موجود في اللفظ على جهة التمثيل. والجدير بالملاحظة أن النص في هذا الصنف الثاني لا يفهم في ظاهره بل معناه مختفي ولابد من اظهاره والبحث عنه بالانتقال من الحقيقة الى المجاز ومن الظاهر الى الباطن ومن اللفظ الى المعنى.
ويستوجب قانون التأويل هنا معرفة أمرين :
  تصيد المثال( المتشابه/ الرمز/ المجاز/ الاستعارة) لتحديد صورة الخطاب.
  قنص معنى المثال على عادة اللسان العربي.
وينقسم هذا الصنف الى أربعة :
1- معنى المثال شديد الغموض وعويص لبعد العلاقة بين صورة الخطاب ومضمونه, وهذا المعنى لا يصل إليه إلا الراسخون في العلم ولا يجوز إطلاع العامة عليه.
2- معنى المثال في المتناول يعلم بيسر وسهولة لقرب المسافة بينه وبين صورة الخطاب وهذا النوع من المعاني يعلمه الكل ومن المباح اطلاع العامة عليه.
3- معرفة صورة الخطاب على أنه مثال بسهولة ولكن معناه لا يتوصل اليه الا بمشقة والمقصود بهذا النوع تحريك العقول وحفز الهمم حتى تقبل على التدبر والاعتبار والنظر والتفكر والتعقل وهو خاص بالقلة من أصحاب الفطر الفائقة.
4- معرفة صورة الخطاب على أنه مثال هو أمر على غاية من الصعوبة ولكن ادراك معناه سهل المنال اذا ظهر مثاله طهر معناه. التأويل الصحيح عند فيلسوف قرطبة هو البرهان وهو" الأمانة التي حملها الانسان فأبى أن يحملها وأشفق منها جميع الموجودات." ومن حرف الشريعة بتأويل فاسد لا يكون ظاهرا بنفسه أو أظهر منها للجميع فقد أوقع الناس في البدع والتباغض والتكفير والحروب ومزق الشرع وعطل أركانه.
لكن كيف ميز ابن رشد بين تأويلات صحيحة وتأويلات فاسدة ؟ يتبنى ابن رشد التصور العام الذي يطرح العالم بكل مكوناته بوصفه دلالات وعلامات على حكمة الصانع وقدرة الخالق وعلمه ويردم الفجوة بين الحكمة والشريعة ويسند للفلسفة مهمة فك رموز هذا العالم بالبرهان, فالمعرفة الفلسفية هي تأمل آيات العالم بالبرهان وهي طريق الايمان اليقيني الذي لا يحصل عليه الا الراسخون في العلم. وواضح أن أهل التأويل هم أهل الحكمة وأن التأويل هو البرهان الفلسفي ومهمته التعرف على مقصد الشرع , لذلك يقول حكيم الفردوس المفقود :
" وينبغي أن تعلم أن مقصود الشرع انما هو تعليم العلم الحق والعمل الحق . والعلم الحق هو معرفة الله تبارك وتعالى وسائر الموجودات على ماهي عليه وبخاصة الشريفة منها ومعرفة السعادة الأخروية والشقاء الأخروي . والعمل الحق هو امتثال الأفعال التي تفيد السعادة وتجنب الأفعال التي تفيد الشقاء والمعرفة بهذه الأفعال هي التي تسمى العلم العملي."[18] ولا يعتبر ابن رشد التأويلات الجمهورية تأويلات فاسدة بل يراها مناسبة للملكات الادراكية للعامة بينما الخاصة ينبغي عليهم أن يدركوا الحقائق بالبرهان, اذ يصرح في هذا السياق :
" وبالجملة فكل ما يتطرق له من هذه تأويل لا يدرك الا بالبرهان ففرض الخواص فيه هو ذلك التأويل وفرض الجمهور هو حملها على ظاهرها في الوجهين معا أعني في التصور والتصديق اذ كان ليس في طباعهم أكثر من ذلك ..."[19]
و يربط ابن رشد التأويل بفضيلة العدل في التطبيق لأن أي اخلال بشروط التأويل يؤدي الى الكفر و الصد عن الشرع, اذ يقول : " و أما من كان من غير أهل العلم فالواجب عليه حملها على ظاهرها و تأويلها في حقه كفر لأنه يؤدي الى الكفر. ولذلك نرى أن من كان الناس فرضه الايمان بالظاهر فالتأويل في حقه كفر لأنه يؤدي الى الكفر, فمن أفشاه له من أهل التأويل فقد دعاه الى الكفر والداعي الى الكفر كافر..."[20]
ويقسم ابن رشد الناس الى ثلاث :
  قوم تطرقوا الى ثلب الحكمة وهم الجاحدون من الفقهاء.
  قوم تطرقوا الى ثلب الشريعة وهم المارقون من الدهريين.
  قوم جمعوا بين الحكمة والشريعة وهو منهم وهم الفلاسفة المؤمنون على الحقيقة.
ويرى وجود ثلاث احتمالات عندما يتأول البرهان الشرع :
  احتمال أول هو أن يصل البرهان الى حقائق سكت عنها الشرع وهنا ليس ثمة مشكلة باعتبار أن البرهان يكمل الشرع في المجالات التي لم يتطرق اليها.
  احتمال ثاني هو أن يصل البرهان الى نفس الحقائق التي كان الشرع قد دعا اليها وهنا ليس ثمة مشكلة باعتبار أنهما متطابقان متفقان.
  احتمال ثالث هو أن يتناقض ما يتوصل إليه البرهان مع ما دل عليه الشرع في بادئ الرأي وهنا مشكل لابد من مواجهته والحل هو ضرورة التأويل لإزالة التناقض بين ظاهر الشرع وحقائق البرهان وذلك تصديقا لمبدأ " عدم مخالفة الحق للحق" وعدم مخالفة قوانين اللغة العربية في إفادة المعنى وبناء الدلالة. ويعترف ابن رشد باختلاف التأويلات وبإمكانية وقوع المؤول المجتهد في الخطأ ويرى ضرورة التساهل معه لكونه بذل جهدا وحاول الابتعاد قدر الإمكان عن الوقوع في الزلل,ويقول في هذه النقطة : " و يشبه أن يكون المخطىء في هذه المسألة من العلماء معذورا و المصيب مشكورا أو مأجورا..."[21]
غير أن المتن الرشدي حول هذه القضية بقي محل خلاف وتأويلاته حول قانون التأويل ظلت موضع جدل:
  اذ يرى البعض أن التأويل يجب أن يكون من المجاز الى الحقيقة وليس من الحقيقة الى المجاز باعتبار أن البرهان هو رحلة من المعلوم (اللفظ الظاهر) الى المجهول( المعنى الباطن)
  يرى البعض الآخر أن الواو التي توجد في آيات آل عمران بين الله والراسخين في العلم لا تعني واو عطف بل واو استئناف وبالتالي يصبح معنى الآيات أن الحقائق لا يعلمها أحد غير الله وأن مهمة الراسخين في العلم هي التسليم والايمان بهذا العلم الالهي الكامل وارادته المطلقة.
  هناك عدم تناغم بين ابن رشد الفقيه في كتابه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" وابن رشد الفيلسوف في شروحه وتفاسيره لكتب المعلم الأول أرسطو.
  التأويل عند ابن رشد لم يبرز الا عند جداله مع المتكلمين ومحاولاته للرد على أطروحاتهم فكأن آرائه التأويلية لم تكن نتيجة ايمان عميق بحاجة النسق الفلسفي الى قانون في التأويل بل كانت اضطرارا ولمنفعة مؤقتة ان لم نقل تقية حتى يتفادى التصادم مع المقدس الديني ولا يشهر به الفقهاء.
  لم يتفطن ابن رشد الى أهمية كتاب العبارة ولم يحاول استخراج حد للتأويل من هذا الكتاب بل ظل يتعامل مع الأقاويل الشعرية والسفسطائية والجدلية على أنها دون القول العلمي ولا ينبغي أن يعتد بها في مستوى التمييزبين الجيد والردىء خصوصا أمام توفر شروط القياس البرهاني.
  ظل ابن رشد سجين التصور الأرسطي للكون وخصوصا فكرة الكوسموس المغلق وايمانه بالظاهرية في مستوى الاشتغال على النصوص ووضعه قيود على المتفكرين في القضايا الغيبية تندرج في هذا السياق وليس لمجرد وعي ابن رشد بضرورة وضع حدود للعقل حتى لا يتيه في عالم من الأوهام .
فكيف نفهم مثل هذا التصريح في تهافت التهافت :"وما قاله هذا الرجل (أبو حامد الغزالي) في معاندتهم جيد.ولابد في معاندتهم أن توضع النفس غير مائتة كما دلت عليه الدلائل العقلية والشرعية".[22]
اختتام :
غني عن البيان أن الحجة الدامغة على علاقة القرابة وجسور التواصل ونقاط الاستمرارية بين الغزالي وابن رشد حول قانون التأويل هو نص ابن رشد نفسه في الكشف عن مناهج الأدلة عندما قال :
" والقانون وهو أقرب الي في هذا النظر هو ما سلكه أبو حامد في كتاب التفرقة وذلك بأن يعرف هذا الصنف من الناس أن الشيء الواحد بعينه له وجودات خمس : الوجود الذي يسميه أبو حامد: الذاتي والحسي والخيالي والعقلي والشبهي. فإذا وقعت المسألة نظر أي هذه الوجودات الأربع هي أقنع عند هذا الصنف الذي استحال عندهم أن يكون الذي عني به هو الوجود الذاتي, أعني الذي هو خارج , فينزل لهم هذا التمثيل على ذلك الوجود الأغلب على ظنهم امكان وجوده... فيجب في هذا أن ينزل للصنف الذين شعروا بهذا من الناس على أقرب تلك الوجودات الأربع شبها. فهذا النحو من التأويل اذا استعمل في هذا المواضع وعلى هذا الوجه ساغ في الشريعة . وأما اذا استعمل في غير هذه المواضع فهو خطأ ..."[23] ومن الواضح اذن أن ابن رشد ينهض لإكمال المشروع الذي كان قد بدأه الغزالي في بناء قانون للتأويل فكأن نص الغزالي لم يجد وضوحه النظري ولم تحل نقاط غموضه الا مع نص ابن رشد وهذا بين وجلي. اذ يقول فيلسوف قرطبة في هذا السياق:
" وأبو حامد لم يفصل الأمر في ذلك مثل أن يكون الموضع يعرف منه الأمران جميعا بعلم بعيد أعني كونه مثالا ولماذا هو مثال فيكون هناك شبهة توهم في بادىء الرأي أنه مثال وتلك الشبهة باطلة. فإن الواجب في هذا أن تبطل تلك الشبهة ولا يعرض للتأويل كما عرفناك في هذا الكتاب في مواضع كثيرة عرض فيها هذا الأمر للمتكلمين أعني الأشعرية والمعتزلة..."[24]
يمكن أن نحدد نقاط التقارب الأخرى بين الرجلين:
  الاشادة بالفلسفة والعقل و دورهما في فهم الشرع و الكون.
  الاشادة بالشريعة ومنافع المقاصد التي أنزلت من أجلها.
  التوفيق بين الحكمة والشريعة و بين النقل و العقل.
  الحمل على علم الكلام و تبكيت أهل الجدل لما سببه من أزمة في الدين والعقل.
  الايمان بضرورة التأويل لنقل المعاني العقلية الى الناس و تفهيمهم اياها بالمثال..
  الاعتقاد أن الاجماع في الأمور النظرية غير ممكن على خلاف الأمور العملية.
  انحياز الى التعددية و حق الاختلاف في مراتب الفهم ودرجات التأويل.
  القول بظنية الاجماع في الفقه و الدعوة الى الاحياء والتجديد واعادة تأصيل الأصول.
غير أن الاشكال الذي لا ينذر بالوصول الى حل يتمثل في أن ابن رشد يعتبر من أهل الظاهر بينما أبو حامد الغزالي يعد من رواد أهل الباطن وبالتالي ان حديثنا عن وجود قرابة هو كالحديث عن الجمع بين المتناقضات.
ما هو إشكالي بالنسبة للرجلين أيضا أنهما ينتميان الى التأولية القديمة التي تؤمن بوجود معنى قديم مبثوث في الألفاظ أو الأشياء ويجب اكتشافه ولا تعطي بالتالي للذات المؤولة أي دور في انتاجه أو تجديده بيد أنهما يشتركان في النظر الى التأويل لا كمجرد منهج في المعرفة بل كمقام في الوجود وهذا ما بشرت به التأويلية الحديثة ويمثل في حد ذاته موطن الغرابة ,الأمر الذي يدعونا الى البحث عند الفيلسوفين عن مفاهيم مبتكرة في التأويلية مثل الوضعية التأويلية والدائرة الهرمينوطيقية وعالمية التأويل خصوصا عند الغزالي وهو ما يخرجه من دائرة الموازنة القديمة للتأويل. فالى أي مدى تصح هذه الاستفسارات أم أنها مجرد تخمينات و فرضيات لا أساس لها من الصحة ؟

 **************************************** 
مراجع البحث :
1- مجموعة رسائل الإمام الغزالي، نسخة منقحة مصححة باشراف مكتب البحوث و الدراسات، دار الفكر للطباعة و النشر و التوزيع. بيروت 2000 .
2- ابن رشد،الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، شروح الدكتور محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية.بيروت 2001
3- ابن رشد تهافت التهافت، منشورات محمد علي بيضون،دار الكتب العلمية. بيروت، لبنان 2001
4- ابن رشد،فصل المقال في ما بين الحكمة و الشريعة من الاتصال، تصدير الأستاذ محمد علي الحلواني، سيراس للنشر. تونس 1994
5- ابن رشد،تلخيص كتاب العبارة، حققه الدكتور محمود قاسم، الهيئة المصرية العامة للكتاب. 1981
الهوامش:
[1] ابن رشد، فصل المقال في ما بين الحكمة و الشريعة من الاتصال، تصدير الأستاذ محمد علي الحلواني، سيراس للنشر. تونس 1994
[2] مجموعة رسائل الإمام الغزالي، ص245
[3] أبو حامد الغزالي مجموعة رسائل، تنقيح و تصحيح مكتب البحوث و الدراسات، دار الفكر للطباعة و النشر و التوزيع.بيروت 2000 ص580
[4] نفس المرجع المذكور، ص 580
[5]نفس المرجع المذكور، ص582
[6]نفس المرجع المذكور، ص 240
[7] نفس المرجع المذكور، ص 243
[8] نفس المرجع المذكور، ص 243
[9]نفس المرجع المذكور، ص244
[10] ابن رشد فصل المقال في ما بين الحكمة و الشريعة من الاتصال، سيراس للنشر. تونس .1994 .ص39
[11] ابن رشد الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة مركز دراسات الوحدة العربية،ص 150
[12]ابن رشد تهافت التهافت، دار الكتب العلمية. بيروت 2001 ،ص396
[13] ابن رشد الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، مرجع مذكور. ص99
[14]ابن رشد فصل المقال في ما بين الحكمة و الشريعة من الاتصال، ص28
[15] ابن رشد تلخيص كتاب العبارة، ص57
[16]“سورة النحل،125
[17]ابن رشد الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، ص205
[18] ابن رشد فصل المقال في ما بين الحكمة و الشريعة من الاتصال، ص44
[19] نفس المرجع المذكور، ص47
[20] نفس المرجع المذكور، ص42
[21]المرجع المذكور، ص42
[22]ابن رشد تهافت التهافت ص396
[23]ابن رشد الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، ص206
[24]نفس المرجع المذكور، ص207


هناك تعليق واحد: