الأحد، 26 أبريل 2015

هل نحن بحاجة لابن رشد؟

تفاعلا مع ما كتبته عن ابن رشد في مقالاتي السابقة تلقيت على بريدي الإلكتروني هذه الدراسة من الصديق إبراهيم بن عبد الله مشكور أنشرها كما جاءتني.


 مات ابن رشد، لم يمت ابن رشد. حرفان تنازعا تاريخ هذا العَلََمَ العربي المسلم. ولكل حرف قوم: 

-     فالذين رفعوا لواء موت ابن رشد شهد لهم بذلك أن الرجل حفر له قبر بمراكش زاره بضعة شهور قبل أن ينقل مع كتبه، بحضور الشيخ الأكبر، إلى قبر حفر له بقرطبة. كما شهد لهم بذلك أن الرجل تبعته لعنات غوغاء القرن الثاني عشر الميلادي، السادس الهجري، غوغاء لم يستطيعوا أن يدركوا وجود رجل بينهم يشهد معهم بالوحدانية ويولي وجهه شطر المسجد الحرام عند كل أذان، مثلهم، وتأثل له في الدين مجد طارف وتليد، بلغ به عشق رجل من بلاد الإغريق مبلغا أنساه أن ينفق وقته في تدبيج كتب الفقه والكلام والتفسير والتصوف، كما اعتاد على ذلك كبار العلماء، وأمضى حياته في تتبع إشكالات فيلسوف أعجمي من بلاد وثنية، يلخص كتبه ويشرحها على غرار ما شرح المفسرون القرآن الكريم. فجدير برجل مثل هذا أن يموت موتا رمزيا كما مات الموت البيولوجي المحتوم. ولقد عمل خصومه الذين تنادوا بموته أن يقتلوه في حياته قتلة شنيعة عندما أخرجوه من المسجد وابنه محمد ورشقوهما بالحجارة وأشبعوهما إذلالا قبل أن ينفوه إلى مدينة أندلسية عرفت بسكنى اليهود بعد أن أضرموا النار البريئة في ما خطت يراعه من نفيس الكتب وعظيم الآثار.
       والذين أعلنوا أن ابن رشد لم يمت، وأنه سيعود العودة الصغرى، استندوا على خلود العقل الذي نادى به ابن رشد في حياته. فالموت إنما يلحق الأجساد أما العقل فعصي على المنون. وابن رشد وإن كان لم يعش في المجتمع الإسلامي فيلسوفا فقد عاش بنظراته النقدية والشعرية مع المدرسة النقدية المغربية كما عاش فقيها بكتابه في الخلاف العالي الذي وإن لم يحظ بفائق العناية لغلبة التقليد على العقول فقد حظي بجميل الذكر والثناء. لكن ابن رشد سيعيش فيلسوفا في الفضاء العبري واللاتيني. إذا كان ابن رشد قد مات فيلسوفا عند المسلمين، فقد ظل شاخصا في الحلقات العلمية اليهودية وفي حلقات الدرس اللاتيني، يخاطب ويجادل ويحاور، عاش يملأ دنيا الأوروبيين ويشغل عندهم الناس. ماتت كتب دبجها يراع ابن رشد في فضاء المسلمين وعاشت بأقلام اليهود واللاتين، فلو لم تحفظ لنا اللغة العبرية كتاب جوامع سياسة أفلاطون وكتاب تلخيص كتاب الأخلاق لابن رشد لطوى النسيان جانبا طريفا من جوانب فكر أبي الوليد. بل إننا إلى الآن لا نعرف جوانب ذات خطر في المنظومة الفلسفية لفيلسوفنا إلا من خلال حياته الطويلة عند اللاتين. لكن هل نحن المسلمين لازلنا في حاجة لابن رشد؟
   أقام مجتمع علمي في أواخر القرن العشرين ندوة علمية كبرى حول أرسطو جعلوا لها عنوان لنفكر مع أرسطوpenser avec Aristote فهؤلاء القوم، لتواضعهم وشدة يقظة ذاكرتهم العلمية وحسهم الإنساني العميق بالقرابة بالجد الأكبر، لم يجدوا بأسا في أن يجلسوا للمعلم الأول يفكرون معه في قضايا عصرهم علهم يجدون عنده ما يهديهم في خضم العصر المتلاطم الأمواج. إنهم لا ينطلقون من أرسطو، إنهم ينطلقون من عصرهم ويصيخون السمع إلى ما قد يقوله أرسطو مما قد يفيد. لا يجدون غضاضة في أن يستشيروا قدامى مفكريهم ويطرحوا عليهم أسئلة العصر ويستأنسوا بفرضيات إجابات ممكنة. ترى لو نظمنا بدورنا ندوة علمية كبرى حول موضوع "لنفكر مع ابن رشد" وطرحنا على ابن رشد كثير من إشكالاتنا الفكرية المعاصرة وأصخنا السمع إلى ما قد يقدمه من فرضيات إجابات، ألن يساعدنا ذلك على تبين بعض معالم في الطريق. بالتأكيد نعم. فابن رشد لم يمت. لقد استوعب خلاصات الفكر الإنساني السابق عليه سواء كان إغريقيا أو إسلاميا وعمل فيه بالتفكير من خلال الإشكالات التي كان يطرحها عليه الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي لعصره واستطاع أن يصل إلى نظرات نفاذة تخترق حواجز الأزمان وتتعالى عن ظروف المكان والزمان، شأن كل فكر إنساني أصيل. فلابن رشد نظرات عميقة حول منزلة الفلسفة في المجتمع الإسلامي، وله نظرات نفاذة في التجديد الفقهي، وأقوال عميقة في القول الكلامي وخطره على المدينة. وله آراء في التربية الفكرية والجمالية تتميز بجرأة استثنائية، وله موقف حكيم ومتزن من التصوف في المجتمع الإسلامي. وأكبر مواقف ابن رشد جرأة موقفه من العقل.
    إن الحياة الفلسفية أوسع حياة عند ابن رشد ، وما يؤكد ذلك ما يراه فيلسوفنا من أن الفيلسوف أكمل، وأفضل أصناف الناس عنده هم الفلاسفة، أما أفضل أنواع المدن فهي المدن التي تدبرها الحكمة. فضلا عن ذلك، فالفلسفة توجد في المدينة من جهة الأفضل وما كان من جهة الأفضل فهو أفضل مما هو من جهة الضرورة. إن الفلسفة، كحكمة إنسانية لا تدانيها منزلة صناعة أخرى عند ابن رشد.. 
   إن المشروع العلمي عند ابن رشد هو مباحث في العقل، سواء اتخذ مجاله الفلسفة أو السمع، كان فقها أصغر أو أكبر، فوحدة الاشتغال الرشدي يتأسس على فهم خاص للعقل يعرضه في كتبه التي أنشأها ابتداء. فالعقل هو إدراك الموجودات بأسبابها، وهذا العقل حاضر في قلب الفلسفة ولكنه حاضر أيضا، وبقوة، في قلب معارف أخرى كالفقه والكلام، والتصوف عنده شرط الممارسة العقلية الصحيحة.
    إن أهم موقف يعكس التقدم النظري عند ابن رشد هو الموقف الذي يرى أن المعرفة البيانية الإسلامية لا يحتاج في معرفتها سوى لقدر قليل من المعارف كافيةٍ في الحياة السعيدة لـ"المسلم بالحقيقة"، وهو ما لا يسع المسلم جهله من المعرفة الفقهية وأدواتها الضرورية، وهو ما قدمه في كتبه البيانية والتي لا تتجاوز ثلاثة إلى أربعة كتب ؛ أما المعرفة الفلسفية فهي المعرفة الحقيق بأن يشغل الإنسان بها عمره، ومن هنا فالفلسفة أفضل. وهو
 الموقف الذي لم يفهمه عصر ابن رشد ولعلنا أن نكون نحن اليوم أقرب إلى فهم هذا الموقف الجريئ من مواقف ابن رشد العلمية فلا نضيع طارفا ولا نغمط حق تالد.
***
     وأخيرا، إن النهضة الفلسفية العربية بدأت بابتعاث ابن رشد من مرقده العربي مع الجدل الشهير بين فرح انطون ومحمد عبده، ثم أصبح ابن رشد حجر الزاوية الكبرى في أعمال مفكرين كبار مثل محمود قاسم الذي أبرز القيمة العلمية لابن رشد في الجانب الكلامي على الخصوص ود محمد عابد الجابري الذي اتخذه سلاحا ايديلوجيا في وجه اللاعقلانية العربية وعاطف العراقي الذي سار على خطاه، والرشديين المغربيين المرحوم جمال الدين العلوي ود. محمد المصباحي اللذان نقلا الدراسات الرشدية في المغرب نقلة نوعية فتطرقا لقضايا جديدة في التحقيب الكرونولوجي وفتحا الباب على مصراعيه بتناول موضوعات لم تكن مألوفة في الحقل الرشدي المغربي عموما.
     إن الغرض من هذا القول التأكيد على أن ابن رشد لم يمت، فذكره المتجدد هو عمره الثاني الذي يعيشه بيننا. وبيان أن القول في ابن رشد لم تنقض عجائبه وأنه كلما زدته فهما زادك درسا، وهي دروس نحتاجها في مدارسنا وجامعاتنا إذا كنا ننشد فعلا تحصين ناشئتنا من الأقوال العامية التي تفعل في مجتمعاتنا ما تفعله النار في الهشيم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق