الأربعاء، 1 مايو 2013

دراسة نقدية لكتاب الاحكام السلطنية


   

 الدراسات التي تهتم بالفكر السياسي الإسلامي ظنينة و قليلة و مرد ذلك أن الباحثين في صدر الإسلام لم يهتموا بالبحث في قضايا سياسية كنظام الحكم و حدود سلطة الحاكم و علاقته بالمحكوم فرغم أن ارهاصات البحث في هذه المسائل بدأت و ظهرت في عصر الرسول محمد صلى الله عليه و سلم.
و لعل من الذين اهتموا بالبحث في هذه المبحث و صنفوا فيه الماوردي فكيف نظر لنظام الحكم و ما هي طبيعة الحكم الذي ارتضاه هذه الدراسة تحاول الاجابة عن ذلك.
التصنيف السياسي الفلسفي لدى المسلمين
من كتاب " فقه الأحكام السلطانية "
محاولة نقدية للتأصيل والتطوير
الفصل الأول
تمهيــــــــــــــــــــــــــد
    
بدأ تدوين الفقه السياسي متأخرا جدا عن تدوين كثير من العلوم، كالحديث والتاريخ والتفسير والفقه والأدب. وامتدت فترة التمهيد له مدة طويلة، من أواخر الخلافة الراشدة إلى عصر المأمون العباسي . كما ساهم في تكوين بنيته الفكرية كل العناصر الثقافية المحلية والوافدة جاهلية وإسلاما.
ونظرا لكون الأمة العربية كانت قبل البعثة وصدر الإسلام شفوية الثقافة فقد ظل التفكير السياسي لديها شفويا تتداوله الألسن شعرا وحكمة وأخبارا. ولم تكن الحاجة ماسة إلى تدوينه في فجر الإسلام مثلما كانت بالنسبة للعلوم المتصلة اتصالا واضحا مباشرا بالعقيدة والعبادة. لذلك تأخر التدوين السياسي إلى أوائل القرن الهجري الثاني حيث ظهر ضمن مصنفات أدبية وأخبارية على هيئة مواعظ ونصائح وأساطير مقتبسة من تجارب الإنسان وتقاليد الأمم. ومن ثم انتقل إلى مرحلة ثانية هي مرحلة المصنفات المستقلة الخاصة به، ولكن على غير يد الفقهاء ومن مرجعية غير إسلامية. فقد ظهر أول المصنفات فيه ترديدا للفلسفة الإشراقية هندية وصينية وبابلية وآشورية وفـارسية ويونانية. وكان ذلك على يد الفـارابي( 260  - 339 هـ / 874 - 950 م ) المتأثر بالآراء السياسية لأفلاطون وأرسطور، حيث تناول الفلسفة السياسية في عدة مؤلفات منها: " رسالة تحصيل السعادة "  "السياسة المدنية "  و"رسالة السياسة " و" الفصول المدنية "  و" آراء أهل المدينة الفاضلة  ".
وفي منتصف القرن الهجري الرابع ـ العاشر الميلادي ( 373 هـ / 983 م ) ظهرت الكتابات السياسية لجماعة " إخوان الصفا وخلان الوفا "  متأثرة بنفس المؤثرات. وكانت السياسة لديها تمثل علما مستقلا بذاته، له خمسة أقسام: السياسة النبوية، والسياسة الملوكية، والسياسة العامية، والسياسة الخاصية، والسياسة الذاتية.                                            
     وفي بداية القرن الهجري الخامس ـ الحادي عشر الميلادي ـ  ظهرت المرحلة الثالثة بأول الكتابات السياسية المستقلة عن الفكر الفلسفي، المتأثرة بالفقه والشريعة، على يد الماوردي ( 364 - 450 هـ / 975 – 1058 م ) ومن نهج نهجه ونحا نحوه.
ولقد سار الفقهاء والمتكلمون في هذه المرحلة، على نهج تشريعي لما ينبغي وما يجب وما يجوز وما لا يجوز في نظام الخلافة وتدبير أمر الدولة. واستوفت أبحاثهم نظم الملك والوزارة والإدارة والقضاء، والحسبة والأموال وتنظيم الجيوش والعلاقات مع داري الحرب والمهادنة. كما بذلوا جهودا جبارة من أجل تبرير تصرفات الملوك وإضفاء الشرعية عليها، وإرشادهم إلى ما يحفظ عروشهم ويحببهم إلى الرعية.
ثم تدهور التصنيف في هذه المرحلة إلى مستوى من الإسفاف والمداهنة الخانعة، بأسلوب متودد يحاول حفظ ماء وجه الفقهاء، ولا يزعج الحكام أو يضايقهم، من خلال الإعراض عن ذكر الأحكام الشرعية الخاصة بتصرفات الخليفة، والاقتصار على تقديم النصائح ذات الطابع الأخلاقي والتعليمي التي من شأنها أن تحفظ العروش أطول مدة ممكنة، والتذكير بوصايا من تراث الأمم، ومأثورات الطرائف والأساطير ومختارات الشعر والنثر والحكم والأمثال، وآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية ما صح منها وما لم يصح، مثلما هو حال كتاب " سير الملوك " لنظام الملك ( 408 - 485 هـ / 1018 – 1092 م ) و "سلوان المطاع في عدوان الأتباع " لمحمد بن ظفر الصقلي المكي ( 497 - 565هـ / 1104 - 1169 م ) و" النهج المسلوك " لابن نصر الشيزري (ت 589 هـ ).
ثم بعد ذلك ظل التصنيف السياسي لدى المسلمين متأرجحا بين هذه المراحل، لا يغادرها ولا يتطور لما هو خير منها، إلى عصر النهضة الحديثة التي حاول استنهاض الهمم فيها كل من الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده ومن جاء بعدهم. ولكن محاولاتهم ظلت حبيسة ازدواجية عقيمة، تتخذ مرجعية في فقه الماوردي من جهة، وتحاول تطويرا بالديموقراطية الغربية من جهة أخرى، لذلك لم تثمر تأصيلا حقيقيا لنظام حكم إسلامي متميز في الكتاب والسنة.
ولئن كان من الصواب البدء بدراسة التصنيف الفلسفي نظرا لأسبقية ظهوره، فإن بعضا من الإسلاميين قد لا يوافق على إقحام الآراء السياسية لفلاسفة المسلمين الأوائل في هذه الدراسة، لأسباب عقدية تتعلق بتصورهم الإيماني، أو مبررات أصولية لها علاقة بطرق استنباطهم التي لا تمت إلى منهجية الاستنباط الشرعي بصلة، أو مسوغات فقهية خاصة بمرجعيتهم غير الإسلامية استنادا واستدلالا.
إلا أن ذلك لا ينفي وجوب التزام الموضوعية في دراسة نظم الحكم عند المسلمين بكل اتجاهاتهم، وكشف مختلف المؤثرات والعوامل التي ساهمت في تكوين فكرهم السياسي، كي تتضح رؤيتنا لمسار الدولة الإسلامية نظرا وتطبيقا على مدار التاريخ، ولأوضاعنا المعاصرة بكل مساربها ومتاهاتها، ونقائصها ونواقضها، وذبذباتها المتأرجحة بين عوامل الداخل والخارج، الأصيل والدخيل، سلبا وإيجابا.
ولنتبين مدى قرب الفكر السياسي الحديث لدى المسلمين أو ابتعاده من التشريع الإسلامي في الكتاب والسنة، ونستبين أوجه الانحراف وسبل التقويم، إذ التعلم باكتشاف الخطأ أبلغ في النفس وأشد تأثيرا .
ولا ريب أن منهجنا الذي نلتزم به ونسير على هديه، مرتكز على قاعدة أساسية متينة، هي أن النظام السياسي الإسلامي ما كان منبثقا من مرجعية الكتاب والسنة، عقيدة وأصولا وفروعا. وما عدا ذلك يُحتمل أن يكون متأثرا بالإسلام أو ملتقيا به في بعض جزئياته أو كلياته، إلا أنه لا يمثل النظام السياسي الإسلامي الحق تمثيلا صادقا.  ذلك لأن بوصلة التوجه إلى أي هدف هي التصور الإيماني السليم الواضح. وكل غبش يشاغب على هذا التصور ينعكس سلبا على التصرفات، عقلية كانت أو سلوكية.
وهذا يفرض علينا ألا نغفل ملاحظة اهتزاز عقيدة هؤلاء الفلاسفة، واضطراب مرجعيتهم الفكرية ؛ وإن التقت في بعض جزئياتها بالعقيدة الإسلامية، التقاءً عفويا بسبب انتمائهم إلى المجتمع الإسلامي وثقافته، أو التقاء إراديا بقصد التمويه على انحرافهم  الديني باعتناقهم آراء وثنية لفلاسفة من الفرس والهند واليونان، في نظرتهم إلى عالمي الغيب والشهود، وبدعوتهم إلى نظم للحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية منبثقة عنها.
ولعلنا لا نحيد عن الصواب إن ركزنا في بحثنا هذا على المرجعية الفكرية والفلسفية والدينية التي اتخذها هؤلاء الفلاسفة مستندا ومتكأ. ثم على تصورهم السياسي المنبثق من عقيدتهم وموقفهم الإيماني  وأعرضنا مطلقا عما رُموا به من قبل العامة والخاصة، من انتماء باطني أو صابئي أو أصول يهودية، مما لا يُدفع عنهم بشغب سوفسطائي يثيره أنصار لهم، لأهواء مشتركة أو جذور متقاربة أو نزعات طاغية. علما بأن فكرهم السياسي لم يتبلور قط إلى مستوى صياغة نظام للحكم متكامل، بمنهجه ونظمه للإدارة والمال والتدبير العام، وإنما كان مبثوثا في كتبهم الفلسفية التي التزموا فيها بالنهج الأفلاطوني شكلا ومضمونا، فوردت أفكارهم ضمن رسائل حول قضايا الغيب والشهود، والمادة والروح والطبيعة وما وراءها، والاجتماع البشري والسعادة والشقاوة، مثلما هو حال رسائل إخوان الصفا والفارابي، وما صنفه ابن سينا في القضاء والقدر والفيض الإلهي والمبدأ والمعاد والأخلاق والحكمة.
أما التصنيف السياسي المباشر فقد ظهرت أولى بواكيره على شكل رسائل مستقلة تبحث موضوع " السياسة " بمفهومها الذي هو حسن التدبير والحكمة في التسيير، وكان من أول مؤلفيها تحت عنوان " رسالة في السياسة " كل من الفارابي وأبو القاسم المغربي وابن سينا .
ولئن اختلفت بعض مضامين هذه الرسائل التي تطابقت عناوينها فإنها اتفقت كلها في ثلاث هن:
1 ـ أن السياسة حاجة ملحة لكل البشر رفيعهم ووضيعهم، ولكن الملوك ثم أعوانهم أشد حاجة إليها.
2 ـ لم يعتمدوا في تصانيفهم على الكتاب والسنة مرجعا أو استشهادا.
3 ـ كانت منطلقاتهم الفكرية والفلسفية معتمدة اعتمادا مطلقا على الفكر اليوناني.
ثم بعد ذلك أخذت تظهر مصنفات فلسفية موجهة للملوك فقط، ترشدهم إلى ما ينبغي عمله وإقامته في سياستهم، مثل كتاب " سلوك المالك في تدبير الممالك " لابن أبي الربيع.


الفصل الثاني
المرجعية الفكرية لدى فلاسفة المسلمين
يذهب البعض إلى أن الفلسفة اليونانية عند أفلاطون وسقراط وأرسطوطاليس وغيرهم هي الأساس الذي بُني عليه تفكير فلاسفة المفكرين المسلمين الأوائل. إلا أن في هذه الدعوى تجاوزا كبيرا للحقيقة ؛ لأن الفلسفة اليونانية نفسها ليست إلا امتدادا وخلاصة للأوهام الميتافيزيقية التي كانت منبتا لأديان القارة الآسيوية، وذلك ما نُقل إلى الثقافة العربية في صدر دولة بني العباس وكان مرجعا لأول حركة فلسفية في الإسلام.
إن الإنسان عندما نسي المنهج الرباني الذي أنزل مع آدم عليه السلام ، وفقد الصلة بالله، وارتكس في حمأة الجاهلية والبدائية، ملأت الهواجس والأوهام قلبه وعقله  واستبد به الخوف من الظواهر الطبيعية برقا ورعدا وخسفا وزلازل وعواصف، وأخذ به الرعب والرهبة من الموت والمصير والمجهول كل مأخذ، فأقبل على نفسه ينسج لها استجلابا للطمأنينة، خيالات وتصورات وأساطير وخرافات، عما لا يفهمه وما يرجوه أو ما يرهبه ويخافه. فتراكم بذلك لدى البشرية على مر السنين  تراث ضخم من المعتقدات الضالة المضطربة، التي اتخذت فيما بعد مادة للتفكير والاستقراء، والبحث عن الذات أصلا ومآلا، وعن الكون والطبيعة ماضيا واستقبالا. ثم تحول هذا التراث إلى قاعدة للفكر الديني الوضعي المفضي إلى عبادة الأوثان والطواطم والنجوم والكواكب، واتخاذها آلهة وأربابا.
ثم بعد ذلك اتُخذت هذه المعتقدات الدينية منطلقا ومادة للتفكير الفلسفي الآسيوي الذي نُقل إلى اليونان وتطور فيه. وظل مجردا من أهم أداتين للفهم هما: المعرفة المادية الصحيحة لحقائق الطبيعة بسبب التخلف العلمي آنئذ، والمعرفة الغيبية اليقينية التي لا مصدر لها إلا الوحي.
ولعل الأسطورة التي رواها أفلاطون عن منشأ الفكر السياسي في محاورة "بروتاجوراس"  تقدم لنا خير مثال على ما نذهب إليه من أن الفكر البشري عامة والسياسي خاصة منبثق من الخرافة والأساطير والأوهام [1].
لقد زعم أفلاطون أن الآلهة عندما شكلوا المخلوقات الفانية، أخذوا يوزعون عليها صفاتها الخاصة بها والمحتاجة إليها، فكان من المخلوقات ما سلحوها بوسائل الدفاع، ومنها ما تركوها عزلاء وزودوها بأساليب للمحافظة على البقاء. ولكنهم اكتشفوا في نهاية الأمر أنهم وزعوا جميع الصفات والقدرات على الحيوانات، ونسوا الإنسان الذي تُرك عاري الجسم لا يملك مأوى ولا أسلحة للدفاع  فعمد "برومثيوس" إلى سرقة الفنون الآلية والنار مع طريقة استخدامهما ـ وهما خاصتان بالآلهة ـ من معبد أثينا، وسلمهما للإنسان. وكان ذلك سبب حصوله على قسط من الصفات الإلهية التي علمته الحكمة.
على هذه الأسس نشأ الفكر الفلسفي وتطور، مادة بحثه خيالات البشر وأساطير الخرافة وأوهام سدنة الأوثان وعبادها، مفتقدا أهم وسائل الاستقراء والدراسة والفهم  عاجزا عن تحقيق هدفه في كشف حقيقة الكون وطرق السعادة.
إن هذه المعتقدات هي المنشأ الأول والمبدأ الأساس لكل فلسفات البشر الوضعية في ما قبل اليونان:
ـ في بلاد ما بين النهرين، آشور وبابل ومعتقداتهما الخاصة بعبادة الشمس والنور، وأبناء الطبقة الحاكمة الذين هم " أبناء الشمس ".
ـ وفي الصين حيث الكونفوشيوسية، وعقيدة إحياء وميض الأنوار في الإنسان عن طريق المعرفة  والإنسان الكامل الذي هو الملك أو النبي أو القائد، الذي يجمع في ذاته سائر القوى المادية والروحانية  وعلى قدر كماله تكون سعادة عصره، وهو بمثابة الإمام عند الباطنية أو القطب عند الصوفية.
ـ وفي الهند لدى البراهمة، وعقيدة اتصال النفس بالمبدأ الروحاني " براهمان "  الذي يحل في جميع مظاهر الوجود. وعقيدة شرائع " مينو " التي تقسم الناس إلى أربع طبقات:
طبقة البراهمة، رجال الدين والنخبة السياسية، الذين خلقوا حسب زعمهم من رأس الإله، وهم أعلى الناس وخلاصة الجنس البشري.
وطبقة الجند، حماة البلاد الذين خلقوا من منكبي "براهما " ويديه، ويحق لهم بعد البراهمة قراءة الكتب المقدسة.
وطبقة التجار والزراع المكلفة بالإنتاج والنشاط الاقتصادي والفلاحيوخلقوا من ركبتي "براهما "
وطبقة الخدم والأسرى المخلوقين من قدمي " براهما " ، وليس لهم إلا خدمة الطبقات التي فوقهم.
ـ وفي بلاد فارس حيث ظهرت الهرمسية والزرادشتية والصابئة والكلدانيون عبدة النجوم، ممن يؤمن بفناء الجسد وخلود النفس في النعيم أو الشقاء، وبالقائد البشري الكامل الذي يعرف حقيقة الوجود.
ـ وفي الفكر المصري الفرعوني ومدرسة الإسكندرية التي التقت فيها تيارات أوروبا وآسيا وإفريقيا، ونشأت بها طقوس نظمت مفهوم الألوهية وعلاقتها بالبشر، ووضعت قواعد الثواب والعقاب، وأنشأت عقيدة ثنائية التركيب البشري وخلود النفس، وأبوة الشمس والنجوم لبعض النخب السياسية.
هذه المعتقدات الهلامية والتصورات الضالة هي التي ورثها اليونان وظهرت فيما كان لديهم من علوم وفنون وآداب وفلسفة.
ظهرت لدى الفيتاغوريين عقيدة تؤمن بثنائية التركيب البشري، وضرورة تطهير النفس بالعلوم الطبيعية والعمليةكالموسيقى والرياضيات وما وراء الطبيعة، كي تتمكن من الصعود إلى عالم الأفلاك، حيث سعادتها الأبدية واتحادها بواجب الوجود.
ولدى الأفلوطينيين في عقيدة الآلهة المتعددة من النجوم والكواكب التي ترى وتسمع وتدبر الكون، وعقيدة المعرفة الحدسية التي يختص بها قادة الشعوب أنبياء وملوكا وفلاسفة، والمعرفة العقلية الجدلية التي هي الطريق العادي لاكتساب العلوم.
على هدي هذه المعتقدات الدينية المتفلسفة والتصورات المضطربة الوثنية ، سار الفكر السياسي وعلى أركانها تأسس:
من مفاهيم الدولة والعدل والحياة السعيدة لدى البابليين والفراعنة والصينيين والهنود، إلى ما طوره من نفس المفاهيم كل من اليونان والرومان، إلى ما نقل إلى اللغة العربية في القرنين الهجريين ، الثالث والرابع، وعمل فلاسفة المسلمين على إعادة صياغته في صباغ إسلامي لم يستطع أن يخفي أصله الوثني.
ومن أفكار كونفوشيوس في" التعليم الأكبر" و"عقيدة الوسط"و" الأغاني"  حول فساد الحكم  ومهام الحكومة وواجبها في توفير حاجات الناس أمنا وطعاما، وشروط الكفاءة في الحاكم وممارساته السياسية والتدبيرية، إلى تصورات الحكماء السبعة في أثينا لنظام الدولة وتشريعاتها الخاصة بقواعد الإدارة وأساليب تحقيق السعادة، إلى نظريات فيتاغورس في العدالة والمساواة، وما يرى الأبيقوريون من وجوب الخضوع للدولة ولو كانت استبدادية ما دامت تحقق الأمن والنظام، وما ذهب إليه أفلاطون في مدينته الفاضلة التي اتخذت مظهرا خياليا قوامه اعتبار السلطة عملا معجزا لا يستطيع القيام به إلا أفراد ملهمون، لهم على بني جنسهم تميز خاص يصلهم بالعقل الفعال ويجعلهم قادرين على تحقيق السعادة لشعوبهم.
إلى ما تطور إليه الفكر السياسي الأرسطي باستحداثه فكرة الدولة الدستورية، التي تبنى علاقات شعبها بالحاكم على أساس الحرية والمساواة والمواطنة المشتركة بين أحرار، مما جعل الدولة مجرد اتحاد أفراد في مجتمع واحد تحت حاكمية القانون الذي حل محل الملك أو الفيلسوف أو النبي. وما سار عليه الفكر السياسي الروماني الذي ميّز بين الدولة والفرد، وجعل لكل منهما حقوقا وواجبات، وبلور فكرة سيادة الدولة ونظرية العقد الحكومي، ونظرية القانون الطبيعي التي وضعها " شيشرون " على أساس أن للكون خالقا واحدا، وأن للدولة قانونا واحدا يجب أن يطبق على الجميع. إلى ما عربه المسلمون في دار الحكمة التي أسسها المأمون العباسي، وجعلوه أساسا لفكرهم السياسي والفلسفي.
إلا أن مما يثير الاستغراب أن العرب لم يقتبسوا من هذا التراث السياسي الذي عكفوا على تعريبه، إلا ما تعلق منه بالاتجاه الاستبدادي، وهو الفكر الأفلاطوني الخاص بالقائد الملهم، المتصل بالعقل الفعال المحتكر للمعرفة، القادر وحده على إسعاد الشعب. أما النظرية الأرسطية الخاصة بفكرة الدستور، الذي يضمن العدالة والمساواة والمواطنة الحرة المشتركة، ويلغي حاكمية الفرد لصالح حاكمية القانون، وما ورد في الفكر الروماني عن نظرية العقد الحكومي وسيادة القانون وحقوق الدولة والفرد وواجباتهما، فإن النقل العربي قد أهمله وأغفله، ولم نجد له أثرا في فكرهم وتراثهم. ولعل ذلك راجع إلى أسباب سياسية متعلقة بكون حركة التعريب والترجمة، تمت على يد المؤسسة الرسمية الحاكمة وبإشرافها. وكانت هذه المؤسسة ذات نمط في الحكم فردي استبدادي، لا يوافق على نقل التراث الأرسطي والروماني أو نشره والتبشير به .
هذه خلاصة المرجعية الفكرية والسياسية التي نُقلت إلى اللغة العربية، وصادفت ظروفا بيئية مناسبة للغراس فنمت وأثمرت.
ولقد التقى العرب المسلمون قبل هذه الفترة بهذه المعتقدات الدينية والفلسفية عدة مرات فاستعلوا عليها ولم تؤثر فيهم.
التقوا بها وهم رسل للنبوة الخاتمة بدعوة الحق لدى ملوك الفرس والروم والقبط، يملأ قلوبهم نور العقيدة واستعلاء الإيمان، والحرص الصادق الأمين على إخراج الناس من عبادة العباد إلى رحابة عبادة رب العباد، فاحتقروا تلك المعتقدات وترفعوا حتى عن اعتبارها فكرا أو فلسفة أو مجرد عقل سوي.
ثم التقوا بها بعد أن استعصى أهلها على الرشد، مجاهدين وغزاة وفاتحين، فحطموا  الأوثان ونشروا رسالة التوحيد والإيمان.
والتقوا بها مرة أخرى حين وقع الانقلاب على الخلافة الراشدة، وتحول أمر المسلمين إلى الاستبداد  وفر الصادقون من الأمة مضطهدين ومهاجرين شرقا وغربا؛ فنشروا دين الحق وقوضوا أركان الشرك والكفر.
ثم لما كان عهد بني العباس ذو النـزعة الأعجمية فرسا وتركا، وانفرط عقد الوحدة العقدية بتمزق الأمة مللا ونحلا ومذاهب، وضعف الالتزام بالدين بين الحاكمين والمحكومين، وتمكن العسف والاضطهاد والاستبداد من رقاب العباد، أُرسلت عاصفة المترجمات الفلسفية اليونانية والسريانية والقبطية والفارسية، فتلقفتها النخبة المقربة من أصحاب النفوذ، وأصبحت الرطانة بمصطلحات اليونان والإغريق ميزة الصفوة وبدعة ذوي المقامات.
وإذ أخذ الفقهاء والعلماء الصادقون يضجون من موجة الانحراف هذه، ويوضحون خطرها على الأمة وعظا وكتابة وحوارا وجدلا، أُثيرت للتغطية والتمويه وصرف الأنظار، معركة كلامية حول ما دُعي علاقة بين العقل والنقل، تقديما وتأخيرا، حاكما ومحكوما. وبذلك أسبغت على الصراع بين الإسلام وبين الوثنيات الفلسفية صفة الجدل العلمي الرصين، على رغم ما في ذلك من خلط وتلبيس وتدليس. ذلك أن هذه التيارات التي زعمت أنها تحكم العقل في النص ليس لها ما يؤيد دعواها، لأن العقل السليم المجرد السوي، المتحرر من الخرافة والأوهام، المدجج بالمعارف المادية الصحيحة والتصورات الغيبية اليقينية ذات المصدر الرباني، ليس له إلا أن يسخر من هذه الفلسفات ذات الجذور الخرافية الأسطورية.
إن هذه التيارات التي تزعم تحكيم العقل في النص، لم تحكم في واقع الأمر إلا عقلا وثنيا مضللا، لأقوام عبدوا الأصنام والكواكب والنجوم والأشباح، واتخذوا لعباداتهم هذه أرضية من أوهام سموها فلسفة. وإذْ صارت هذه التصورات الفاسدة هي المتحكمة في النص فلا بد من الضلال.   
الفصل الثالث
التصـور السيـاســــي لنظــــــــام الحكـم
لــــدى فلاسفة المسلمين
     التصور الإيماني والموقف من قضايا الغيب والألوهية والربوبية هو أساس الأفكار والتصرفات لدى الإنسان، لذلك فالنظرية السياسية لفلاسفة المسلمين منبثقة من تصورهم لهذه القضايا وموقفهم منها. ولئن كان التوحيد الإسلامي الحق ينبني على ثلاث قواعد هي: توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، فإن نظرية هؤلاء الفلاسفة لا تنبني على أي قاعدة من هذه القواعد. فهم يسمون الله تعالى " واجب الوجود "  ويتصورون علاقته بالكون والخلق على غير حقيقتها، ولا أصل في الإسلام لهذا الإسم ولا لهذا التصور. وعقيدتهم التي انبثق منها فكرهم السياسي هي ما ابتدعه فلاسفة اليونان وأطلقوا عليه مصطلح  "الفيض".
فما هي هذه العقيدة ؟ وما جذورها ؟ وكيف انبثق منها تصورهم السياسي؟
ينبغي أولا أن نبين أن مصطلح "الفيض " هذا، لا يخفي خلفه أي معنى معقد أو فكرة راقية أو تصور مثير، فالفيض لغة من "فاض"  ويدل على جريان شيء سائل بسهولة ويسر، ومنه: فاض الإناء بعد أن امتلأ، وفاض الدمع من العين إذا خرج، وفاضت الروح من الجسد: إذا غادرته، وفاض السر من صدر المرء: إذا عجز عن كتمه، فباح به.
والفيض عند الفلاسفة يعنون به أن الله تعالى ـ واجب الوجود كما يسمونه ـ لا يخلق الموجودات، ولكنها تفيض عنه وتنبثق منه بدون إرادته، أي تصدر منه وتتولد عنه بطريق الفيض  بدون وعي منه أو إرادة. وهذا الفيض أو الصدور أو الخروج، في عقيدتهم، دائم وضروري وواجب. وكما تخرج الشجرة الثمرة ليس لها إلا ذلك والدجاجة البيض ليس لها إلا ذلك، كذلك يصدر الوجود عن الله ـ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ـ .
تُنسب هذه العقيدة إلى أفلوطين (205 - 270 م ) ولكنها في أصلها مزيج وتلفيق لهلوسات أفلوطين وفيلون والمعتقدات الوثنية والمجوسية. وعندهم أن الموجود الأول " الذي يعنون به الله تعالى" واحد، ولذلك لا يفيض عنه إلا واحد هو العقل الكلي، أو العقل الأول، أو العقل الفعال، تختلف التسميات والمقصود واحد. ومن هذا العقل الكلي تفيض النفس الكلية، وعن النفس الكلية تفيض الأشياء المادية. وكلما فاض شيء من شيء تعلق الفائض بمصدره وامتلأ منه نورا. فالعقل تعلق بالموجود الأول وتلقى منه النور، والنفس تعلقت بالعقل وتلقت منه النور، والموجودات المادية كذلك تعلقت بالنفس. والإنسان الذي يتلقى الفلسفة، يتحول إلى عقل متصل بالموجود الأول، يتلقى منه النور والحقيقة، ولذلك له حق التحكم فيمن سواه من البشر لأنه هو الوحيد الذي يستطيع أن يبلغهم إلى السعادة، وهو الملْهَمُ القادر، نبيا كان أو فيلسوفا أو ملكا.
ولئن كانت هذه المعتقدات قد ظهرت لدى الكندي بصورة خافتة ، بأن جعل الحركة مفعولة لله، ولكنها تخضع مباشرة للفلك الأقصى الحيّ العاقل المميز الفاعل، الذي هو أول فائض عن واجب الوجود ومنفعل به، وهو نائبه في تحريك الكون وتسييره، فإن هذه التصورات الضالة قد ظهرت بعد ذلك بصورة صارخة لدى الفارابي وابن سينا ومن سار على نهجهما.
يرى الفارابي أن العقل الأول صدر عن الله فيضا واجبا لا دخل للإرادة والوعي فيه، ومن هذا العقل الأول صدر عقل ثان وفلك أعلى، واستمر الفيض والصدور على هذه الوتيرة، من كل عقل عقلٌ وفلك إلى تتمة عشرة عقول، آخرها العقل الفعال الذي فاضت عنه النفس، ومن النفس فاضت المادة بعناصرها الأربعة، النار والهواء والماء والتراب. فبالفيض في نظره صدرت الموجودات تباعا عن واجب الوجود حتما ولزوما، دون تعقل منه أو إرادة، إلى أن ظهر الإنسان. وكل فائض يتلقى النور والسعادة بالتعلق بمصدره والشوق إليه. كذلك الإنسان سعادته القصوى أن يشتاق إلى مصدره الأول " الموجود الأول "  ويتلقى منه النور ويتحد به. وطريقه إلى ذلك السعي إلى الكمال وتحصيل الخيرات والفضائل، وهذا سبيل السعادة التي لا يمكن الوصول إليها إلا بالفضائل النظرية والفضائل الفكرية والفضائل الخلقية والصناعات العملية.
وبما أن كل موجود ـ في عقيدتهم ـ تكوَّن ليبلغ كماله الأقصى الذي له أن يبلغه بحسب رتبته في الوجود، فإن سعادة الإنسان القصوى هي الاتحاد بالموجود الأول. إلا أن هذه الرتبة ليست لأي إنسان، فالفضائل العظمى نظرية كانت أو فكرية أو خلقية أو عملية تُجعل فيمن أُعِدَّ لها بطبيعته. ومَنْ أُعد لها بالطبع، وبأعلى الدرجات  هو القادر على إيجادها في الأمم والمدن. والملوك تبعا لذلك ليسوا ملوكا بالإرادة فحسب، ولكنهم ملوك بالطبيعة أيضا لأنهم خُلقوا ملوكا. ولا ينقص من قدرهم أنهم يصلون إلى الحكم أو لا يصلون. والملك أو الفيلسوف أو النبي أو الإمام عند الفارابي  هو الوحيد القادر على تأديب الأمم وتعليمها، مثلما هو حال رب المنـزل في تأديبه أهل بيته، أو القيِّم على الصبيان والأحداث.
والنبي واضع النواميس والملك والفيلسوف والإمام والرئيس الأول عندالـفارابي بمعنى واحد يدل على الاقتدار والتسلط المطلق على من تحت يده. واقتداره ليس بقوة خارجة عنه فقط، بل بما يكون في ذاته من عظم المقدرة. كل هذه الألفاظ تعني الشخص الذي اجتمعت فيه صفات القدرة المطلقة لصلته بالعقل الفعال، سواء انتفع به غيره أم لم ينتفع ، إذ ليس عدم الانتفاع به من قِبل ذاته، ولكن من جهة مَنْ لا يصغي إليه. وسواء وُجد مَن يقبل منه أو لم يوجد فهو دائما الفيلسوف والنبي والملك والرئيس الأول والإمام. وكما أن الطبيب طبيب بمهنته وقدرته على علاج المرضى وجد مرضى أم لم يجد، وجد آلة يستعملها في فعله أم لم يجد، كان ذا يسار أو فقر، إذ ليس يزيل طبه ألا يكون له شيء من ذلك. كذلك لا يزيل إمامة الإمام والفيلسوف والملك والنبي ألا تكون له آلات يستعملها في أفعاله، ولا ناس يستخدمهم في بلوغ هدفه.
وأهل المدينة الفاضلة الذين يؤدبهم الملك طبقتان خاصة وعامة ، والخاصة هم الذين لهم رئاسة ما  مدنية أو صناعية، يرصدون بها لرئاسة ما مدنية. ولا يقتصرون في معلوماتهم على ما يوجبه بادي الرأي المشترك. أما العامة فمن ليس لهم رئاسة ما، مدنية أو صناعية، يرشحون بها لرئاسة ما مدنية  ويقتصرون في علمهم على ما يوجبه بادي الرأي المشترك.
هكذا وظف الفارابي الفلسفة اليونانية سياسيا ليبشر بفكرة الإمام الغائب المنتظر، أو الإمـام الموجود الذي لا يستمع له الناس ولا يقبلون منه، أو الإمـام المتمكن المستبد الذي يفعل ما يشاء وله العصمة من الخطأ، لأنه على اتصال بالموجود الأول.
وما ذهب إليه ابن سينا يكاد يكون نفس ما لدى الفارابي ، ولا غرابة في ذلك فمرجع الرجلين واحد ، هو كتاب " أتولوجيا " المقتبس من " تاسوعات" أفلوطين التي جمعها الإسكندر الأفروديسي. وذلك لأن عقيدة الفيض عند ابن سينا تستند إلى ثلاثة مبادئ  هي:
1 - القول بأن الوجود ينقسم إلى واجب بذاته هو الله تعالى، وإلى ممكن، أي واجب بغيره هو العالم.
2 - الزعم بأن الواحد من حيث هو واحد لا يصدر عنه إلا واحد ، والله واحد فيجب ألا يصدر عنه إلا واحد ـ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ـ.
3 - الزعم بأن تعقل الموجود الأول هو علة للوجود على ما يعقله، فإذا عقل شيئا وُجد ذلك الشيء على الصورة التي عقله بها.
ثم سار ابن سينا بعد ذلك على نهج رواد الفلسفة الإشراقية، بالتشريع والتنظير لنظم الاستبداد السياسي في شخص الرئيس الأول، الذي هو الفيلسوف والنبي والملك والإمام  الذي يحتكر المعرفة، ويفعل في شعبه ما يشاء، ويختص بالاتصال بالله تعالى. ثم تدثرت هذه المعتقدات لديه من أجل تقريبها إلى العامة، بفكرة الإمام المعصوم أو الغائب المنتظر.
نفس المسار العقدي والفكري تقريبا سارت عليه جماعة "إخوان الصفا وخلان الوفا"، ومحور فكرهم السياسي أن العقل خليفة الله الباطن ورئيس الفضلاء. والإمام عندهم هو وحده المتصل بالفلك الأقصى أو العقل الفعال أو واجب الوجود، وهو صورة الصور وخليفة الله الظاهر في الأرض، والمتحكم في الجن والإنس والحيوان والنبات والمعادن والخيرات، وهو المعصوم من الخطأ، كلامه وحي وأعماله سنة، وله أن يفسر النصوص  قرءاناً وسنةً، فيخصص عامها ويقيد مطلقها ويؤول معانيها وينسخ بعض أحكامها، ويضيف إلى شريعتها. كما أن من معتقداتهم الباطنية التي لا يبوحون بها لغيرهم أن الإمام بمنزلة العقل الفعال أو الموجود الأول، في حالة عدم وجود الناطق الذي هو النبي، لأنه يحل محله في رتبته. وفي حالة وجود النبي يحمل الإمام عندهم مرتبة النفس الزكية، وهو لديهم في عالم الدين والصنعة النبوية الرئيس الروحي الأعلى، ووجوده ضروري في كل زمان ، ليكون حجة الله في أرضه والضامن لعباده التسرمد والخلود.
هكذا نشأت في صدر الدولة العباسية فكرة الحكم المطلق لدى فلاسفة المسلمين كافة، ولئن كان الحكم الفردي المطلق قائما قبل ذلك منذ سقوط الخلافة الراشدة، فإنهم قد سبقوا إلى تبريره فكريا وفلسفيا والتشريع له عقديا ودينيا. وكانوا يستطيعون أن يلتزموا الموضوعية والتوازن فلا يكتفوا بعرض آراء مدرسة الاستبداد الأفلاطوني، بل يعرضون بجانبها آراء المدرستين الأرسطية الدستورية والرومانية القانونية. ولو فعلوا لكسروا على الأقل الحلقة المفرغة التي حاصرت المسلمين بين نظامين استبداديين، نظام الملكية الوراثية الجبرية عند أهل السنة، ونظام الإمامة الاستبدادية الوراثية عند الشيعة والباطنية، ولاقتربوا بذلك شيئا ما، من المفهوم الإسلامي للحكم الذي يرى أن المجتمع مجموعة أفراد أحرار متساوين في الحقوق والواجبات، تحكمهم شريعة واضحة في الكتاب والسنة، بمنهج شوروي عام شامل، يتيح لهم التسلط على أمرهم كله، قرارا وتنفيذا ومراقبة ومحاسبة.
من هذا العرض المختصر، يمكن أن نوجز التصور السياسي العقدي، للرعيل الأول من فلاسفة المسلمين عامة، في سبعة أسس قام عليها هي:
1 - استنادهم إلى نظرية الفيض وهي كفر صريح.
2 - الفلك الأقصى حيّ عاقل مميز، يسير الموجودات ويحركها نيابة عن الله، وهذا أيضا تصور لا علاقة له بالإسلام.
3 - الحاكم والفيلسوف والملك والنبي والإمام والرئيس الأول ألفاظ مترادفة، تعني الاتصال المباشر بواجب الوجود، والعصمة التامة، والقدرة المطلقة على إصلاح الخلائق الذين هم مجرد أدوات لأفعالهم. وهذا التصور أيضا بعيد كل البعد عن العقيدة الإسلامية.
4 - الحاكم والفيلسوف والملك والنبي والإمام، يستمد النور من العقل الفعال الذي يستمد بدوره النور من الموجود الأول، ولذلك لا يصدر منه إلا الحسن. وهذا أساس الفكر السياسي لدى المعتزلة، ورئيسهم إبراهيم بن سيار النظام صاحب نظرية "الأصلح"  بمعنى أن الله تعالى لا يفعل إلا الصلاح وليس له إلا ذلك، لأنه لا يستطيع إلا فعل الخير، فهو جواد كريم كالنبع الذي لا يصدر عنه جفاف، والشمس التي لا يصدر عنها ظلام ، وفعل الخير واجب عليه. وهذه النظرية بلا شك تعبير مراوغ عن نظرية "الفيض" الوثنية .
5 - الحاكم أو الفيلسوف أو الملك أو النبي أو الإمام، لا يلتزم بالفضائل لأنها أوامر إلهية نزل بها الوحي قرءانا وسنة، ولكن لأنه مجبول على ذلك بالفطرة بسبب اتصاله بمصدر النور، فهو المعصوم ومرتبته فوق الخاصة والعامة.
6 - السعادة القصوى في الدنيا هي بلوغ كل فرد قمة كماله المـؤهـل لـه بالفطرة، إنْ ملكا أو خاصة أو عامة. أما الحياة الأخروية فقد جحدها كل هؤلاء الفلاسفة، إذ أنكروا المعاد الجسماني والبعث، وأولوا ما ورد في الشرع من نصوص حول اليوم الآخر والبعث والنشور والعرض والحساب والثواب والعقاب والجنة والنار، بأنه مجرد تمثيل بالمحسوسات لتقريب المعاني إلى أذهان العامة، وأن التسليم بالمعاد الجسماني وحياة الآخرة مجرد وسيلة للمحافظة على الأخلاق .
7 - البشر ثلاث طبقات، الأرفعون والخاصة والأوضعون، ولكل طبقة سماتها وفطرتها ودورها. وهم تبعا لذلك ثلاثة أصناف، حكام وأدوات حكم ومحكومون. وجذور هذه العقيدة تجد تربتها لدى البراهمة.
هذه زبدة التصور السياسي الفلسفي، وهو كما يتضح بجلاء يتعارض تعارضا مطلقا مع التصور الإسلامي، عقيدة وسلوكا ونظام حكم واجتماع.
ولئن حاولوا التمويه على هذا التعارض بتأويل بعض النصوص الإسلامية تأويلا يخدم هدفهم، وتأويل بعض الآراء اليونانية الوثنية بما يجعل بينها وبين الإسلام شبهة علاقة ووشيجة، فإن مثل هذه المحاولات البائسة ليست بجديدة في هذا الميدان. لقد سبقهم إليها فيلون الإسكندري (ت 50 م ) فحاول تأويل الشريعة الموسوية بما يقربها من المعتقدات اليونانية، ومن الكنيسة المسيحية حاول ذلك أوريجنس (ت 254 م) والراهب أوغستينوس (ت430 م) ثم تداولها بعد ذلك من المسلمين، الكندي (185-250 هـ / 801 - 871 م) الذي رأى في رسائله، أن صدق المعارف الدينية يُعرف بالمقاييس العقلية معرفة لا ينكرها إلا جاهل، ثم تبعه في ذلك من تلاه ممن سار على نهجه.         








[1] - محاورة لأفلاطون ، ترجمة محمد كمال الدين علي يوسف ، سلسلة مذاهب وشخصيات ص 55 وما بعدها .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جدلية العقل والنقل في الفكر الإسلامي

بسم الله الرحمن الرحيم                                                                                           د.عثمان علي حسن مقد...