الخميس، 17 مارس 2022

الدين الإبراهيمي والنظام الجديد


     ليس مجردَ فكرةٍ أو دعوةٍ أو مقاربةٍ أو طرحٍ من الطروحات، ليس -حتى- مجردَ بدعةٍ تأخذ طريقها إلى الانتشار والاشتهار عَبْرَ ممارساتٍ تَتَلَصَّص وتَتَدَسَّس وتَتَوَلَّج المجتمعات، لَمْ يُطرح على أنّه مقترحٌ فكريّ يُلْقِي بنفسه في خضم الجدل والصراع العلمي والأكاديميّ، ولا على أنّه رؤية تصالحية أو تقاربية أو تحاورية تفتح الأجواء لخطوات في التقارب وتمييع العقائد، فكل هذا تَمَّ تجاوزه من زمن بعيد، وإنّما يأتي مشروع (الدين الإبراهيميّ) في سياق سياسيّ تغييريّ كبير، يتم الترتيب له في أروقة الإعداد لاتخاذ القرار في الغرب ولاسيما أمريكا، التي لا تسْأَمُ عشق الإذلال والقهر للمنطقة العربية والإسلامية.

     بدأت الفكرة بالظهور في جامعة هارفارد، لتسارع بعد ذلك بقليل جامعة فلوريدا إلى تبني المشروع، ثم لم تلبث المراكز التابعة لجهاز المخابرات الأمريكية (سي أي أيه) مثل مؤسسة (راند) أنْ دسَّتْ أنْفَها في السياق؛ ليتحرك المشروع من أسر السطور وظلمة الأقبية الأكاديمية إلى فضاء السياسة وأضواء الإعلام، وكأنّ المشروع كان على موعد مع التَّوَّاقين إلى العمل والتنفيذ لكل ما يضاد الحقّ؛ فإذا بعائلة (روكفلر) تتبنى الفكرة وتدعم بالمال، وإذا بوزارة الخارجية الأمريكية تحمل على عاتقها المهمة الدبلوماسية.
     ماذا يعني الدين الإبراهيميّ وما هي فكرته؟ تقوم فكرة الدعوة للدين الإبراهيمي والتخطيط لتنفيذه في المنطقة على بُعْدَين، الأول: البعد الدينيّ، والثاني: البعد السياسيّ، فأمّا البعد الدينيّ فيتكيء على أنّ الأديان السماوية الثلاثة لها جذر تاريخي وعقديّ واحد، هو دين إبراهيم؛ بما يعني لدى المخططين للمشروع إمكان وجدوى العودة بالناس جميعا في المنطقة العربية الشرق أوسطية إلى الأصل القديم، بدلا من التشاكس والتشاحن بسبب الخلاف العقديّ، وأمّا البعد السياسيّ فهو قائم على فكرة كانت قد لاحت لبعض المفكرين السياسيين، وهي مدى إمكان “تَدْيِين السياسة” بتطويع الدين لمصالح السياسة؛ ليؤدي دورا في إحلال السلام وإنهاء حالة الاحتراب، وبالطبع لا يمكن أن يتحقق هذا مع وجود تعددية عقدية. تلك هي الصفحة البادية من المشروع، ومن المعتاد في مثل هذه المشاريع الاستراتيجية الكبرى أن يكون للصفحة وجه آخر، وللصورة ظل مُوَازٍ، فما هو المشروع الحقيقيّ المطويّ وراء هذه الصفحة البادية للدارسين؟
     المشروع الحقيقيّ بدأ منذ فترة ليست بالقصيرة، بدأ يوم أنْ تَحَوَّلَ “النِّظام العربيّ” الذي وُلِدَ من رحم (سايكس بيكو) إلى (النظام الشرق أوسطيّ) الذي تتزعمه إسرائيل، وذلك مع كامب ديفيد ومع انطلاق قطار التطبيع بعد طاولة مدريد، هذا النظام الجديد لا يمكن أن يقوم أو يدوم مع وجود الإسلام الذي يأبى إلا أن يكون هو المهيمن على الدين كله والناسخ لكل ما سبقه من شرائع. وإذا كان القرآن قد تكررت فيه الدعوة لهذه الأمة ولرسولها أن يتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وأن يقتدوا به وبمن معهم من الحنفاء، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: 123) وقوله عزّ وجلّ: ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (الممتحنة: 4)؛ فما الضير في أن يتبع المسلمون دين إبراهيم رأسًا؛ فيلتقوا مع أبناء عمومتهم في الجذر القديم، ويطرحوا جميعًا خلف ظهورهم ذلك العداء الذي أفنى أجيالههم على مدار التاريخ كله؟
     العقد الإبراهيمي هذه جملة فكريّة كافية تماما للبدء في تنفيذ المشروع الكبير، الذي يُعَدُّ إغلاق الدائرة في مشروع صفقة القرن، والذي -لأهميته في إتمام صفقة القرن- أطلق الرئيس السابق لأمريكا دونالد ترمب على معاهدة التطبيع الإسرائيلية الإماراتية (العقد الإبراهيمي)؛ فلتكن البداية مِن هناك مِن الإمارات، وَمَن لها إلا الإمارات؟! هناك يُبْنَى (بيت العائلة الإبراهيمية)، ومن هناك تبدأ الدعوة للمشروع، بمباركة “بِنْ بَيَّة” و”وسيم يوسف”. لكن هل صحيحٌ أنّ الأمّة الإسلامية يَسَعُها أنْ تترك دينها لتدخل في دين يجمعها مع اليهود والنصارى في دين واحد يجمَعُ مع الإسلامِ اليهوديةَ والنصرانية؟ وهل تُعَدُّ الآيات الداعية إلى اتباع ملة إبراهيم والاقتداء به متكأً ومسوغا للخروج من الإسلام والدخول في الإبراهيمية؟
     إنّ الإجابة على هذا السؤال من الأمور التي لا يتلعثم مسلم في حسمها؛ فهذا المشروع مرفوض لدى المسلمين جميعا، علمائِهم ودهمائِهم على حدّ سواء؛ فالأمر ليس مجرد مقترح لدين "لا طعم له ولا لون ولا رائحة!" كما وصفه البعض، وإنّما هو مُضادّةٌ صريحة لمحكمات الإسلام وثوابته المعلومةِ من دين الله بالضرورة، بمشروع سياسي ديني تغييريّ له دور كبير في إتمام صفقة القرن، وفي إخضاع المنطقة برمتها للكيان الصهيوني.
     لقد عُلِمَ بالاضطرار وبالنقل المتواتر أنّ أهل الكتاب مخاطَبُون بالإسلام كغيرهم من الناس، وأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام، وجاهدهم عليه، ومن المحكمات الثوابت المجمع عليها والمعلومة من دين الله بالضرورة أنّ الإسلام لا يقبل الامتزاج بغيره من الأديان، وأنّه جاء ناسخًا لها جميعًا ومهيمنا عليها جميعا، وأنّ الإسلام لم ينزل ليكون للعرب وحدهم ولا لقوم دون قوم، وإنّما نزل ليكون دين الناس أجمعين إلى يوم الدين، والطريق الحصريّ الوحيد الذي يُدْخَلُ به على الله تعالى. والمعلوم بالضرورة أقوى ثبوتا من المجمع عليه؛ لأنّه يحظى فوق الإجماع بميزتين: الأولى: النقل المتواتر، والثانية: أنّه يستوي في علمه العلماء والعامّة؛ لذا لا يحتاج إلى سوق أدلة، بل إنّ سوق الأدلة في معرض الحديث عن المعلوم بالضرورة قد يضعف من قوته ولاسيما مع عدم الاستيعاب، لكنّنا رغم ذلك مضطرون إلى سوق بعض النصوص؛ بسبب الغربة التي يعيشها الإسلام والمسلمون، فها هي بعض النصوص الواضحة في دلالتها على ما أسلفنا، ها هي نسوقها دون الخوض في تفسيرها؛ لفرط الظهور في الدلالة على ما نحن بصدده. فَدُونكم هذه نماذج من النصوص القاطعة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: 19).
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 85].
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ (المائدة: 47).
﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة: 15-16).
قال الله نعالى: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (المائد: 19).
قال الله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: 157).
قال الله تعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ (التوبة: 29) ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: 158).
قال الله تعالى: ﴿مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (الأحزاب: 40).
قال صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ” (صحيح مسلم (1/ 134))
وقال صلى الله عليه وسلم: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» (متفق عليه).
     أمّا دعوة القرآن للأمة الإسلامية ولنبيها صلى الله عليه وسلم فليس لأنّ دين إبراهيم يسع المسلمين واليهود والنصارى على حدٍّ سواء، وإنّما لأنّ هذه الأمّة حصريا ورثت دين إبراهيم عليه السلام، فصار موروث إبراهيم من الحنيفية ملكا حصريا لهذه الأمة؛ لسببين، الأول: عموم رسالة الإسلام وهيمنتها، والثاني تحريف أهل الكتاب لدين إبراهيم ولما جاءهم من عند الله تعالى من الكتاب والدين والشريعة الإلهية، ولذلك قال تعالى: ﴿وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (البقرة: 135)، والآيات في سورة آل عمران حاسمة في بيان الحقيقة التي لا يصح أن تلتبس على أحد قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾  (آل عمران: 65-68).
     إنّ هذا المشروع أخطر المشاريع التي رُتِّبت لهذه الأمّة، وإنّه ليستهدف أصل الدين وأساس الملة، لكنّ الله تبارك وتعالى هو الذي تولى حفظ كتابه:﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)، وحفظ الذكر حفظ لما حواه الذكر من الدين، ولسوف يبطل الله سعي كل هؤلاء بحوله وقوته، غير أنّ الله شاء أن نكون نحن المسلمين ستارا لقدرته؛ فاتخِذْ لنفسك سبيلا إلى رضوان الله وجنته، وإلى ثواب الدنيا والآخرة؛ بالثبات على الحق، والسعي في نصرته بما يتيسر لك من السبل والوسائل، ولا حول ولا قوة إلا بالله

د. عطية عدلان 

الجمعة، 8 يناير 2021

دخول المعتزلة المغرب العربي وأثرهم السياسي والاقتصادي والثقافي


 

                                                                            الدكتور علي الصولي[1]

      عرف المغرب – قبل استقرار المذهب الأشعري فيه – مجموعة من الفرق العقدية والمذاهب الكلامية، فقد كانت الفرق والمذاهب تبث وتنشر أفكارها ومعتقداتها عن طريق البعثات التي كانت تقوم بإرسالها إلى مختلِف البلدان سواء في المشرق أو في المغرب

     وهذا ما فعلهُ المعتزلةُ أيضاً، فإن النصوص التاريخية تؤكد لنا أن الفكر الاعتزالي انتشر مبكراً في بلاد المغرب، وأن مجموعة من القبائل المغربية كانت تتبنى فكر المعتزلة وعقيدتهم. وبالرغم من دخول هذه الفرقة إلى المغرب في وقت مبكرٍ، إلا أنه مع ذلك، لا نكاد نجد دراسات خاصة وشاملة لهذه الفرقة -مقارنة بباقي المذاهب الأخرى- اللهم بعض الشذرات المنثورة هنا وهناك في بطون كتب التاريخ، وفي بعض البحوث الحديثة.

     فمتى وكيف انتشر الفكر الاعتزالي بالمغرب؟ وما هي أهم الآثار الناتجة عنه من الناحية السياسية والاقتصادية والثقافية؟ هذا ما سنحاولُ أن نجيبَ عنهُ عبرَ مبحثين:

          المبحث الأول: دخول الفكر الاعتزالي إلى بلاد المغرب.

     من المعلوم أن واصل بن عطاء (ت 131هـ) مؤسس المذهب الاعتزالي، أرسل أتباعهُ إلى شتى بقاع الأرض، لتبليغ دعوته[2] وكان ممن أرسله إلى المغرب، عبد الله بن الحارث المعتزلي، فتلقى الناس دعوتهُ بالقَبول، وفي ذلك يقول أبو القاسم البلخي (ت 327هـ) : "وفرَّق رسله في الآفاق يدعون إلى دين الله، فأنفذ إلى المغرب عبد الله بن الحارث، فأجابه الخلق[3]، ولما انتشر المذهب الاعتزالي بالمغرب الأقصى أُعجب بذلك معتزلة المشرق، فقال شاعرهم صفوان الأنصاري:

له خلف شعب الصين في كــل ثغرة إلى سوسها الأقصى وخلف البراب

رجـال دعــاة لا يَفُـــلّ عـــــزيمَهـــم تهكـــــم جبـار ولا كيــــــد ماكر[4]

     ومن مظاهر إجابة دعوة رسول واصل بن عطاء إلى المغرب، أن عدداً من المدن والقبائل كانت تتبنى المذهب الاعتزالي، على رأسها قبيلة أوْربة: وهي في ذلك الوقت أعظم قبائل بلاد المغرب، وكانت هذه القبيلة على مذهب وفيها مدن كثيرة[5]، وكانت هذه القبيلة على مذهب المعتزلة، ومما يؤيد ذلك أن زعيمهم عبد الحميد الأوربي كان معتزلياً، وعندما فرَّ المولى إدريس الأول من المشرق، نزل عندهُ، وتذكر كتب التاريخ أنه وافقهُ وتابعه على مذهبه سنة 172هـ[6]

 بلدة طنجة: وعن انتشار المعتزلة فيها يقول ابن الفقيه الهمدني:"قالوا: وبلاد طنجة مدينتها – أي عاصمتها -وليلة، والغالب عليها المعتزلة، وعميدهم اليوم إسحاق بن محمّد بن عبد الحميد، وهو صاحب إدريس بن إدريس، وإدريس موافق له[7].

      بلدة البيضاء: وقد ذكر البلخي أن فيها مائة ألف يحملون السلاح، يقال لهم الواصلية[8]، ويؤكد ذلك القاضي عبد الجبار (ت 415 هـ) بقوله: "… وبالمغرب الآن منهم شرذمة قليلة، في بلد إدريس بن عبد اللّه الحسيني، الذي خرج بالمغرب في أيام أبي جعفر المنصور، ويقال لهم الواصلية"[9]
قبيلتي زناتة ومزابة: وهما قبيلتان عظيمتان بالمغرب، الغالب عليهم الاعتزال من أصحاب واصل بن عطاء كما أشار إلى ذلك ابن حوقل (ت367 هـ) في صورة الأرض[10]

     مدينة أيزرج: وهي مدينة تلي تاهرت، وقد كانت تحت ملك إبراهيم بن محمّد البربرىّ المعتزلي[11]
وبهذا يتضحُ أن الفكر الاعتزالي قد دخل إلى المغرب الأقصى في وقت مبكر، وأن هذا الدخول يعودُ إلى بداية القرن الثاني الهجري، مع أولى البعثات التي أرسلها واصل بن عطاء، والملاحظُ أيضاً أن المعتزلة كانت لهم اليد العليا في تأسيس دولة الأدارسة، فإن محمد بن إسحاق، أمر قبيلتهُ بطاعة إدريس الأول وتعظيمه[12]، ولعل من أبرز المحفزات التي جعلت المعتزلة يقبلون دعوة إدريس الأول، أنهم كانوا يعدون عبد الله بن الحسن إدريس الأكبر من رجال الطبقة الثالثة من طبقاتهم[13]، وهذا بشكل عام أسهم في انتشار المعتزلة وتوسعهم في المغرب الأقصى، حتى سمي بلد "المعتزلة" كما أشار إلى ذلك ابن خرداذبة (ت280 هـ) بقوله: "ووراء تاهرت مسيرة اربعة وعشرين يوما بلد المعتزلة وعليهم رئيس عادل وعدلهم فائض وسيرتهم حميدة ودارهم طنجة ونواحيها[14]، وقد بلغ عدد الواصلية بالمغرب فيما بعدُ حسب ابن خلدون (ت808هـ)، ثلاثين ألفا ظواعن ساكنين بالخيام، سنة 176هـ[15]
ولم تقتصر حركة المعتزلة على المغرب الأقصى فقط، بل نجد تحركاتٍ مماثلة لها في المغرب الأوسط، والمغرب الأدنى أيضاً.

     ففي المغرب الأوسط نجدُ في فترات من تاريخه، وقائع الخلاف والتقارب بين المعتزلة، وبين الإباضية الرستمية، ومن الموضوعات التي شارك فيها الإباضية رأي المعتزلة، موضوعات خلق القرآن، وتأويل آياته.[16]

والشيء نفسه في المغرب الأدنى في القيروان، فقد وفدت إليه مجموعة من المذاهب، يعنينا الآن منهما مذهبان: مذهب الإمام مالك، ومذهب المعتزلة، وقد جرى بين هذين الاثنين مناقشات حادة، ومناظرات جادة، لاسيما في قضية خلق القرآن، وتذكر المراجعُ أن الغلبةَ كانت يؤمئذٍ للمالكية، وأن المعتزلة لم يقووا على مجاراتهم[17]!!. والحقيقةُ أن هذه الغلبة كانت مقرونةً بالسلطة، وهذا الذي يظهرُ من خلالِ الوقوف على تراجم مناظري المعتزلة من المالكية بإفريقية، فقد كان جلهم من القضاة[18].

     إلا أن هذا الانتشار والحضور المكثف للمعتزلة بالمغرب، في نظر أحد الباحثين لم يعمر طويلاً؛ لأننا لا نعثر في الفترات التالية إلا على أخبار تتعلق بأفراد رجعوا من المشرق، وقد استهوتهم آراء المعتزلة، فاعتنقوها، وحاولوا الدعوة إليها، وظلت تكتسي الصبغة الفردية دون أن تؤول إلى تيارٍ عامٍّ[19].
     ويرى د. حسن محمود أن للمالكية دوراً هاماً في أفول نجمهم بالمغرب الأدنى، يقول: "فلما امتحن أهل المغرب بمحنة خلق القرآن، وتفشت آراء المعتزلة والقدرية، كان المالكيون أشد الناس لهم حرباً، وأكثرهم عنفاً في مقاومتهم…، حتى كتب الله لهم الظفر وأعز الله بهم الإسلام، ورفع كتابه وسنة نبيه، وهزمت المعتزلة، حتى لم يبق لها بالقيروان رأي ولا أتباعٌ، ولم يجد الأمراء مفرا من النزول على رأي المالكية[20]

          المبحث الثاني: أثر المعتزلة في المغرب سياسيا واقتصاديا وثقافيا.

     كان للمعتزلة مشاركات هامة في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية بالمغرب، خصوصاً وأنهم كانوا يشكلون شريحة عريضة من المجتمع المغربي آنذاك، وسنحاول في هذا المبحث رصد أهم الآثار التي تركها المعتزلة في بلاد المغرب عبر الحديث عن كل ناحية من النواحي الثلاث على حدة.
أ. من الناحية السياسية:

1-    مساعدتهم على قيام وتأسيس الدولة الإدريسية بالمغرب الأقصى، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك، إذ إن عبد الحميد الأوربي كان معتزلياً، واستقبل إدريس الأول الذي كان زيديا، ودعا الناس إلى مبايعته سنة 172هـ.[21] ويرجعُ د. محمود إسماعيل هذا التوافق والانسجام الذي حصل بين الطرفين إلى أن عبد الحميد الأوربي كان يعلم سلفاً بقدوم إدريس لتولي حكم هذه الدولة؛ ولذا كانت قبيلة أوربة تعدُّ الجند والسلاح، حيث أن البيضاء وحدها كانت تحتوي على مائة ألف معتزلي يحملون السلاح، أضف إلى ذلك، أن هنالك قواسم مشتركة بين كل من الزيدية والمعتزلة، فقد تعرضا معاً للاضطهاد من قبل بني العباس[22].

2-     استطاع المعتزلة أن يكونوا جيشاً لايستهان به في المغرب، وقد سبق ذكر أن البيضاء وحدها كانت تحوي مائة ألف من الواصلية يحملون السلاح[23]، وهو الأمر الذي لانكاد نجده عند معتزلة المشرق، هذا إضافةً إلى عملية التجييش التي قام بها إدريس الأول – عندما تولى الحكم – والتي ضاعفت من جيش المعتزلة، فإن قبيلتي أوربة وزناتة كانتا من أبرز القبائل التي جيّشها إدريس واعتمد عليها في حروبه[24]

3-    تقلد المعتزلةُ في ظل الدولة الإدريسية مجموعة من المناصب السياسية والدينية، وشاركوا في إدارة شؤون دولة المغرب الأقصى، فقد اتخذ إدريس الأول وزرائه، وقادته العسكريين من قبيلة أوربة الاعتزالية[25]، والشيء نفسه نجده في المغرب الأدنى في عهد الأغالبة، فقد تولى بعض المعتزلة القضاء، لتبعية الأغالبة للدولة العباسية سياسيا ومذهبيا، فانقلبت الدائرة على خصومهم من المالكية

     ويتضح أن الدور السياسي للمعتزلة بالمغرب عموما فيه نوع من الغموض والتعتيم، مع شح في المادة العلمية، – اللهم تلك الشذرات التي ذكرناها آنفاً – ولعل هذا هو السر الذي جعل أحد الباحثين يشير إلى أنه: "بالرغم من الدور السياسي الذي اضطلعت به المعتزلة بالمغرب، إلا أنه تم التعتيم على أخبارها، واقتصر جل اهتمام الدراسات على إبراز دورها الفلسفي، فضلاً عن إظهارها بصورة المتزندق الخارج عن الدين، مع إغفال إسهاماتها ودورها السياسي".

ب- من الناحية الاقتصادية:

     لم يقتصر نشاط المعتزلة بالمغرب على الجانب السياسي فقط، بل إننا نجد أيضاً نشاطاً اقتصاديا مزدهراً عرفته المناطق والقبائل التي كان المعتزلة يقطنون فيها، وهو ما يمكن أن نستدل به على أن المعتزلة كانت لهم إسهامات في مختلِف المجالات في بلاد المغرب.

     وبالعودة إلى الجانب الاقتصادي في المغرب، يصف صاحب صورة الأرض بلاد إفريقية إلى آخر أعمال طنجة، بأنها بلاد مسكونة ومدن متّصلة الرساتيق والمزارع والضياع والمياه..، وكانت طنجة بلاد الزرع والحنطة والشعير والحبوب والمياه، وأكثر أموال أهلها من ذلك…، وأما زناتة، فيشير ابن حوقل إلى أنها قريةٌ كبيرة كثيرة الزرع والمياه[26]، وكان لمزاتة المعتزلية غَلات من القطن والحنطة والشعير، وتكثر عندهم المواشي من الدوابّ والأنعام والبقر[27].

     والملاحظ أن المناطق التي كان فيها المعتزلة، غنيةٌ بالمنتوجات الفلاحية والزراعية بشكلٍ عام.
وقد ازدهرت الصناعة أيضاً في بعض مدن المغرب، خاصة في عهد الأدارسة؛ إذ استغلوا ثروات المناجم، سواء مناجم الفضة أو مناجم النحاس، كما كانت بعض المنتوجات تصدّر إلى خارج المغرب، كالجلد الفاسي الذي كان يُصدر إلى بلاد السودان، وتصدير الأدوات الخشبية التي تنتجتها بلاد الريف إلى الأندلس.

     إن هذا الازدهار الفلاحي والصناعي في المغرب بطبيعة الحال، أدى إلى ظهور حركة تجارية نشطة، ولاسيما في مناطق المعتزلة، فقد كانوا مسيطرين على أهم الخطوط التجارية، كتلمسان والقيروان وغيرهما.

     وكانت تلمسان تعد قاعدة المغرب الأوسط، لها أسواق ومساجد ومسجد جامع، وأشجار وأنهار، وهي دار مملكة زناته – المعتزلية -، وموسطة قبائل البربر، ومقصِدٌ لتجّار الآفاق، وأما القيروان فكانت أعظم مدينة بالمغرب، وأكثرها تجارةً وأموالا وأحسنها منازل وأسواقا[28]، ولا يخفى أن القيروان غلبَ عليها الاعتزالُ في عهد الأغالبة.

     وبالتالي: يمكن القول أن المعتزلة تمكنوا مِن القيام بدور ملحوظ في النشاط التجاري، مِن خلال المناطِق التي تركَّزوا فيها، فاتَّخذت المعتزلة مِن العمل بالتجارة وسيلةً لنشر مذهبِها، وتمكَّنت مِن استمالة عدد مِن القبائل إليها

ج- من الناحية الثقافية:

أما الأثر الثقافي الذي تركه المعتزلة في بلاد المغرب، فيتجلي في الحركة الفكرية التي قاموا بها، والتي اتسمت بطابع الجدال والنقاش من خلال عقد المناظرات مع بقية الفرق الأخرى.
ويحكي لنا صاحب طبقات مشايخ المغرب عن المناظرات التي حصلت بين فرقتي الواصلية، والرستمية الإباضية، وأبرزها: المناظرة التي جرت بين عبد الوهاب بن رستم وبين أحد الواصلية، وكانت الغلبةُ يؤمئذ للواصلي المعتزلي، الأمر الذي جعل عبد الوهاب يطلب من أهل نفوسة أن يمِدوه بأربعة رجال، يكونُ أحدهم عالماً بالمناظرة وبالرد على المخالفين[29].

     وكان الواصلية لا يأبون سوى المناصبة، ويطلبون المناظرة؛ ولذا جرتٌ مناظرةٌ أخرى – على مرآى ومسمع من الناس- بين الواصلي المعتزلي، وبين مبعوث نفوسة: مهدي الويغوي، وكانت من أقوى المناظرات التي عرفها الفريقين، يقول الدرجيني واصفاً إياها: "… ثم تناظرا، فجرت بينهما وجوهٌ من المناظرة، والناس يعلمون ما يقولون، فلم يظفر أحد بصاحبه، ثم دخلا في مناظرات لم يفقهها أحدٌ غير الإمام، ثم دخلاً في وجوهٍ لم يفقهها أحدٌ ولا الإمام[30].

     فمثل هذه المناظرات ذات المستوى العالي، لابد وأن يكون لهُ أثر على بقية الأفراد، ولاسيما على النخبة المثقفة بالذاتِ؛ ولذا تأثرت الإباضية ببعض آراء المعتزلة كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
ولما تبنى بعض الحكام الأغالبة المذهب الاعتزالي، تفشت قضية “خلق القرآن” في إفريقية وتناظرت المذاهب فيها، وكان النقاشُ محتدماً بين المالكية والمعتزلة، إلا أن هذا النقاش اقترنَ بشيءٍ من الاضطهاد وممارسة السلطة، من كلا الطرفين، إذ كان للحاكم زيادة الله الأغلبي قاضيان، أحدهما مالكي، والآخر معتزلي، وكلُّ قاضٍ منهما مارس السلطةَ في فرضِ عقيدته ومذهبه[31].

     وعموماً، فقد أثر معتزلة المغرب على بقية الفرق الأخرى فكريا وثقافيا، وهذا التأثيرُ إما تأثيرٌ مباشرٌ عن طريق الاشتراك في بعض معتقدات المعتزلة، كما هو الحال بالنسبة للإباضية، وإما تأثيرٌ غير مباشرٍ عن طريقِ إكساب الفرق الأخرى طابع الجدل والمناظرة، كما حصل الأمر مع المالكية.

خاتمة:
     من خلال هذه الدراسة الموجزة، يمكن التوصلُ إلى النتائج التالية:

1)    يعود انتشار الفكر الاعتزالي بالمغرب إلى بداية القرن الثاني الهجري.

2)    نفوذ المعتزلة كان في المغرب الأقصى على وجه الخصوص.

3)    لم يعمل المعتزلة بالمغرب على بناء دولة مستقلة خاصة بهم، بالرغم من نفوذهم وقوتهم.

4)    ذهب أُفول معتزلة المغرب قبل معتزلة المشرق

5)    شارك المعتزلة في الحياة السياسية بشكل عام في بلاد المغرب، ويظهر هذا جليا مع دولة الأدارسة.

6)    عرفت مناطق المعتزلة بالمغرب ازدهاراً اقتصادياً، بمختلف مكوناته: الفلاحية، والصناعية، والتجارية.

7)    أثَّر معتزلة المغرب في ثقافة الفرق الأخرى، عن طريق إكسابها روح الجدل، وطابع المناظرة.

اهتم معتزلة المغرب بما هو سياسي واقتصادي، أكثر مما هو فلسفي أو كلامي، مقارنة بمعتزلة المشرق.



[1] أستاذ تعليم عال بمعهد العالي لأصول الدين جامعة الزيتونة.

[2]

[3]

[4]

[5]

[6]

[7]

[8]

[9]