مــقــدمــة الــبــحــث
أولاً:
التمهيد والمسوغ الحضاري للبحث
يُعدّ مفهوما الاستخلاف والعمران من
المفاهيم المركزية في الرؤية القرآنية للإنسان والكون والحياة، إذ يرتبط الاستخلاف
بوظيفة الإنسان في الوجود ومسؤوليته في تحقيق مراد الله تعالى في الأرض، بينما
يمثل العمران المجال العملي الذي تتجلى فيه آثار هذه المسؤولية من خلال بناء
الحياة وتنظيم شؤونها وفق القيم والمقاصد التي جاء بها الوحي. ومن ثمّ فإن العلاقة
بين المفهومين ليست علاقة انفصال أو تجاوز، بل علاقة تلازم وتكامل، حيث يغدو
العمران ثمرةً للاستخلاف وتجسيداً لمقتضياته في الواقع الإنساني.
وقد شهد الفكر الإسلامي المعاصر اهتماماً
متزايداً بإعادة بناء المفاهيم القرآنية ذات البعد الحضاري، ولا سيما في ظل
التحولات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية التي عرفها العالم الحديث، وما صاحبها
من تساؤلات حول طبيعة التقدم الإنساني وحدود النمو المادي وعلاقته بالقيم
الأخلاقية والروحية. وفي هذا السياق برزت جهود عدد من المصلحين والمجددين الذين
سعوا إلى استئناف النظر في القرآن الكريم باعتباره مصدراً لبناء رؤية حضارية
متكاملة، وكان من أبرزهم العلامة النحرير الشيخ بديع الزمان سعيد النورسي (1294هـ-1877م/1380هـ-1960م)،
الذي مثّلت رسائل النور مشروعه الفكري والإصلاحي الرامي إلى بيان حقائق الإيمان
وربطها بقضايا الإنسان والمجتمع والعمران.
وتنبع أهمية المشروع النورسي من كونه لم
يقتصر على معالجة القضايا العقدية والتربوية، بل قدّم منظومة فكرية متكاملة سعت
إلى تجاوز الثنائية التي نشأت في بعض البيئات الحديثة بين علوم الوحي وعلوم الكون،
من خلال تأسيس رؤية توحيدية تجعل المعرفة والإنسان والكون أجزاءً متكاملة ضمن نظام
دلالي واحد. وقد انعكس هذا التصور على فهم النورسي لمعنى الاستخلاف ودوره في توجيه
النشاط الإنساني، وعلى نظرته إلى العمران بوصفه فعلاً أخلاقياً وتعبدياً يتجاوز
البعد المادي إلى تحقيق مقاصد الاستخلاف في الأرض.
ورغم تعدد الدراسات التي تناولت الفكر
الإصلاحي عند النورسي، أو اهتمت بمفاهيم العمران والحضارة في الفكر الإسلامي
المعاصر، فإن العلاقة التكاملية بين مفهومي الاستخلاف والعمران في ضوء التفسير
النورسي للقرآن الكريم لم تحظ بدراسة مستقلة تسعى إلى الكشف عن أسسها المعرفية
وأبعادها الحضارية وآثارها العملية في بناء الرؤية العمرانية الإسلامية. ومن هنا
تتحدد الفجوة العلمية التي يسعى هذا البحث إلى معالجتها.
مشكلة
البحث
ينطلق البحث من ملاحظة وهي أن كثيراً من
المعالجات المعاصرة لقضايا التنمية والعمران تركز على الأبعاد المادية والمؤسسية،
في حين تؤكد الرؤية القرآنية مركزية البعد القيمي والأخلاقي في توجيه النشاط
الإنساني. وفي هذا الإطار يبرز التساؤل الرئيس الآتي:
كيف
تتحدد العلاقة بين الاستخلاف والعمران في القرآن الكريم كما عرضتها رسائل النور
لبديع الزمان سعيد النورسي، وما أثر هذه العلاقة في بناء رؤية حضارية للإنسان
والمجتمع؟
ويتفرع عن هذا السؤال الرئيس عدد من الأسئلة
الفرعية:
1. ما الأسس المفاهيمية للعلاقة بين الاستخلاف
والعمران في القرآن الكريم؟
2. ما المرتكزات المعرفية التي اعتمدها النورسي في
بناء تصوره للاستخلاف والعمران؟
3. كيف تتجلى القيم الأخلاقية والإنسانية في توجيه
الفعل العمراني في رسائل النور؟
4.
ما
الإمكانات التفسيرية والتطبيقية التي يتيحها التصور النورسي في قراءة بعض التحديات
الحضارية المعاصرة؟
أهمية
البحث
تتجلى أهمية هذه الدراسة في جانبين رئيسين:
أولاً:
الأهمية العلمية النظرية
الإسهام في الكشف عن البنية المفاهيمية
للعلاقة بين الاستخلاف والعمران في القرآن الكريم. إبراز الأبعاد الحضارية في فكر
سعيد النورسي من خلال دراسة نصوص رسائل النور دراسة تحليلية.
إثراء الدراسات النورسية والقرآنية ببحث
يركز على أحد المفاهيم المؤسسة للرؤية الحضارية الإسلامية.
ثانياً:
الأهمية التطبيقية
الإفادة من التصور النورسي في تعزيز الوعي
بالمسؤولية الأخلاقية في المجال العمراني والاجتماعي.
إبراز إمكانات الرؤية القرآنية في معالجة
بعض الإشكالات الفكرية والحضارية المعاصرة المرتبطة بالعلاقة بين القيم والتنمية.
أهداف
البحث
يسعى
البحث إلى تحقيق الأهداف الآتية:
1. بيان الأساس القرآني لمفهومي الاستخلاف والعمران
والكشف عن طبيعة العلاقة بينهما.
2. تحليل التصور النورسي للاستخلاف والعمران من خلال
نصوص رسائل النور.
3. استكشاف المرتكزات المعرفية والقيمية التي يقوم
عليها الفعل العمراني في الفكر النورسي.
4.
تقويم
الإسهام الحضاري للتصور النورسي وبيان إمكاناته في قراءة بعض القضايا المعاصرة.
فرضيات
البحث
ينطلق
البحث من الفرضية الرئيسة الآتية:
تقوم الرؤية النورسية للعمران على أساس
استخلافي مستمد من التصور القرآني للإنسان، بحيث لا ينفصل البناء المادي للمجتمع
عن المسؤولية الأخلاقية والإيمانية.
ويتفرع
عنها ما يأتي:
1. يرتبط مفهوم العمران في رسائل النور ارتباطاً
وثيقاً بمبدأ التوحيد والاستخلاف.
2. أسهمت المرتكزات المعرفية التي اعتمدها النورسي،
ولا سيما ثنائية المعنى الحرفي والمعنى الاسمي، في بناء تصور متكامل للعلاقة بين
الإنسان والكون.
3.
تشكل
المنظومة الأخلاقية في رسائل النور إطاراً موجهاً للفعل العمراني ومساهماً في
ترشيد السلوك الفردي والاجتماعي.
منهج
البحث
يعتمد البحث المنهج الوصفي التحليلي في تتبع
المفاهيم المتعلقة بالاستخلاف والعمران وتحليلها، كما يستفيد من المنهج الاستقرائي
في جمع النصوص ذات الصلة من القرآن الكريم ورسائل النور، ومن المنهج النقدي في
تقويم الدلالات الحضارية المستخلصة منها ومناقشة حدودها وإمكاناتها التفسيرية.
وتقتصر الدراسة على النصوص الواردة في كليات
رسائل النور، ولا سيما الكلمات والمكتوبات واللمعات والشعاعات، بوصفها المصادر
الأساسية المعبرة عن رؤية النورسي في موضوع الدراسة.
المحور الأوّل:
التأصيل المفاهيمي للاستخلاف والعمران في القرآن الكريم
1. مفهوم الاستخلاف في القرآن الكريم وأبعاده
يُعدّ
مفهوم الاستخلاف من المفاهيم المركزية في الرؤية القرآنية للإنسان والكون، إذ
تتحدد من خلاله طبيعة الوظيفة التي أُنيطت بالإنسان وموقعه ضمن النظام الوجودي
الذي أوجده الله تعالى. ويدل أصل المادة اللغوية (خلف) على النيابة والتعاقب
والقيام مقام الغير[1]، غير أن الدلالة القرآنية تتجاوز هذا المعنى اللغوي إلى معنى تكليفي
يجعل الإنسان مسؤولاً عن تدبير شؤون الأرض وفق مقتضيات الهداية الإلهية[2]. وقد جاء التأسيس القرآني لهذا المفهوم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ
رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[3]، وهي آية تؤسس لموقع الإنسان بوصفه كائناً مكلّفاً بحمل الأمانة وتحقيق
مقتضياتها في الواقع. وقد ذهب ابن عاشور إلى أن الخلافة الواردة في الآية لا تفيد
مجرد التعاقب البشري في الأرض، وإنما تشير إلى وظيفة إصلاحية يتولى الإنسان من
خلالها عمارة الأرض وفق منهج الله تعالى[4]. ويتجلى مفهوم الاستخلاف في القرآن الكريم من خلال ثلاثة أبعاد
متكاملة:
1.
البعد
الوجودي
يقوم هذا البعد على تحديد طبيعة العلاقة بين
الإنسان والكون؛ فالإنسان ليس مالكاً مطلقاً لما في الأرض، وإنما هو مستخلف فيها،
يمارس سلطته ضمن حدود الأمانة والتكليف، بينما تبقى الملكية الحقيقية لله تعالى
وحده[5].
2.
البعد
التكليفي
يرتبط
الاستخلاف بمفهوم الأمانة والمسؤولية، حيث خُصّ الإنسان بالقدرة على الاختيار
وتحمل تبعاته، الأمر الذي يجعل جميع أفعاله خاضعة للمحاسبة الأخلاقية والشرعية.
ومن ثمّ فإن الاستخلاف لا يعني التمكين المجرد، بل التمكين المقترن بالمسؤولية[6].
3.
البعد
الحضاري
لا يقف الاستخلاف عند حدود العلاقة الفردية
بين الإنسان وربه، بل يمتد إلى المجال الحضاري، إذ يتحول إلى أساس لإقامة العمران
وتحقيق الإصلاح في الأرض. ومن ثمّ فإن بناء المجتمعات وتطوير مؤسساتها واستثمار
مواردها يدخل في صميم الوظيفة الاستخلافية التي حمّلها القرآن للإنسان[7].
ثانياً:
مفهوم العمران وصلته بعمارة الأرض
إذا كان الاستخلاف يمثل الأساس المرجعي للحركة
الإنسانية في العالم، فإن العمران يمثل مظهرها العملي وتجليها التاريخي. ويدل
العمران في اللغة على البناء والإصلاح والإحياء، وهو نقيض الخراب والفساد[8]. وقد عبّر القرآن عن هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ
الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾[9]، حيث يفيد لفظ "استعمركم" معنى طلب العمارة والتكليف بها.
ويرى الزمخشري أن الآية تتضمن دعوة الإنسان إلى إصلاح الأرض والانتفاع بخيراتها
ضمن الحدود التي رسمتها الحكمة الإلهية[10]. ولا يقتصر العمران في المنظور القرآني على الجانب المادي المتمثل في
البناء أو الإنتاج، بل يشمل مختلف صور الإصلاح التي تحقق مصلحة الإنسان وتحفظ
التوازن بينه وبين محيطه. ولذلك فإن العمران يتجسد في مستويين متكاملين:
1.
تسخير
السنن الكونية
تقتضي عمارة الأرض اكتشاف السنن التي أودعها
الله في الكون وتسخيرها لتحقيق مصالح الإنسان، وهو ما يجعل العلم والعمل والإنتاج
جزءاً من مقتضيات الاستخلاف ووسائل تحقيقه[11].
2.
مكافحة
الفساد
في مقابل العمران، يبرز الفساد بوصفه نقيضاً
مباشراً لمقصد الاستخلاف. وفي امتداد هذا التصور، لا يُفهم العمران في الرؤية
القرآنية بوصفه فعلاً إنتاجياً محايداً أو نشاطاً تقنياً منفصلاً عن المرجعية
القيمية، بل باعتباره ممارسة محكومة بمنظومة معيارية تضبط اتجاه الفعل الإنساني في
العالم. ومن هنا يقيم القرآن ثنائية الإصلاح والفساد معياراً لتقويم الفعل
الحضاري، كما في قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا
كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾[12]. ومن ثمّ فإن كل ممارسة تؤدي إلى الإضرار بالإنسان أو البيئة أو النظام
الاجتماعي تخرج عن حقيقة العمران الذي أراده القرآن[13]. وبذلك يتضح أن العمران ليس مجرد تنمية مادية أو تراكم إنتاجي، بل هو
مشروع إصلاحي شامل يهدف إلى تحقيق التوازن بين الإنسان والكون وفق الهداية
الإلهية.
ثالثاً:
العلاقة التكاملية بين الاستخلاف والعمران
لا يمكن فهم العمران في التصور القرآني بمعزل عن الاستخلاف، كما لا يمكن
إدراك حقيقة الاستخلاف بعيداً عن العمران؛ فالعلاقة بينهما علاقة تلازم بنيوي تجعل
أحدهما مكملاً للآخر.
فمن جهة أولى، يمنح الاستخلاف للعمران معناه
ووجهته، إذ يحدد الغاية التي ينبغي أن يتجه إليها النشاط الإنساني في الأرض، ويحول
دون انزلاقه إلى مجرد تحقيق للمصالح المادية المجردة[14].
ومن جهة ثانية، لا يتحقق الاستخلاف إلا من
خلال فعل عمراني ملموس، يتمثل في بناء الحياة الإنسانية وتنظيمها وإقامة مؤسساتها
وتحقيق مقاصد الإصلاح فيها. ولذلك فإن العمران يمثل المجال التاريخي الذي تتجسد
فيه القيم الاستخلافية وتتحول إلى واقع معاش[15].
وبهذا المعنى، يغدو الاستخلاف مرجعية
العمران، بينما يغدو العمران المظهر العملي للاستخلاف، الأمر الذي يجعل الفصل
بينهما مؤدياً إلى اختلال الرؤية القرآنية للإنسان ووظيفته في العالم.
رابعاً:
الأبعاد العقدية والأخلاقية للاستخلاف والعمران
يقوم مفهوما الاستخلاف والعمران على أساس
عقدي يتمثل في التوحيد، إذ إن الإقرار بأن الله تعالى هو المالك الحقيقي للكون
يجعل الإنسان يتعامل مع ما تحت يده بوصفه أمانة لا ملكية مطلقة[16]. كما يرتبط هذا الأساس العقدي بالإيمان بالحساب والجزاء، وهو ما يضفي
على النشاط العمراني بعداً أخلاقياً ومسؤولية دائمة.
ومن ثمّ فإن العمران في التصور القرآني لا
يقوم على المنفعة المجردة، وإنما تحكمه منظومة من القيم الأخلاقية، في مقدمتها
العدل والرحمة والتكافل والقناعة واحترام حقوق الإنسان والبيئة. ولذلك فإن نجاح أي
مشروع عمراني لا يقاس بحجم منجزاته المادية فحسب، بل بمدى التزامه بهذه القيم التي
تحفظ التوازن بين الإنسان والكون والمجتمع[17].
وخلاصة
الأمر أن القرآن الكريم يقدم تصوراً متكاملاً يجعل الاستخلاف أساساً نظرياً
للعمران، ويجعل العمران تجسيداً عملياً للاستخلاف، ضمن إطار عقدي وأخلاقي يضمن
توجيه الفعل الإنساني نحو الإصلاح وتحقيق مقاصد الوجود.
المحور الثاني:
الأسس الفكرية لفهم الاستخلاف والعمران
عند بديع الزمان سعيد النورسي
أولاً: المرجعية القرآنية بوصفها
الإطار المؤسس للفكر النورسي
يقوم المشروع الفكري لبديع الزمان سعيد
النورسي على مركزية القرآن الكريم بوصفه المرجعية العليا في فهم الإنسان والكون والحياة.
فالقرآن عند النورسي ليس مجرد مصدر للأحكام التعبدية أو المواعظ الأخلاقية، وإنما
هو «المفسر الأزلي للكون» والمرشد إلى حقائق الوجود ووظائف الموجودات[18]. ومن هذا المنطلق، نظر النورسي إلى الأزمة الحضارية التي عرفها العالم
الحديث بوصفها نتيجة مباشرة لانفصال المعرفة الإنسانية عن هداية الوحي، وهيمنة
الرؤية المادية التي حصرت الإنسان في بعده الحسي وأقصت الأبعاد الغيبية والروحية
من تفسير الوجود[19].
ولذلك جاءت رسائل النور محاولة لإعادة بناء
العلاقة بين الوحي والعقل، وبين الدين والعلم، من خلال استمداد رؤيتها الكونية
مباشرة من القرآن الكريم. فالإنسان في التصور النورسي لا يكتسب قيمته من قدرته
التقنية أو من موقعه في البناء الاجتماعي فحسب، وإنما من كونه مخاطباً بالوحي
ومكلّفاً بتحقيق مقتضيات العبودية والاستخلاف في الأرض[20].
ومن ثمّ، فإن فهم النورسي للاستخلاف والعمران
لا ينفصل عن هذه المرجعية القرآنية؛ إذ تتحول حركة الإنسان في الكون إلى فعل ذي
معنى، وتكتسب عمارة الأرض مشروعيتها من ارتباطها بالمقصد الإلهي الذي يكشف عنه
القرآن الكريم[21].
ثانياً:
مركزية الإيمان في بناء الفعل العمراني
إذا كان القرآن يمثل المرجعية المؤسسة في
فكر النورسي، فإن الإيمان يمثل القوة المحركة التي تمنح الفعل الإنساني معناه
الحضاري. فالنورسي لا ينظر إلى العمران بوصفه نتاجاً لتراكم الثروة أو التقدم
التقني فحسب، بل يراه ثمرة لرؤية إيمانية صحيحة تجعل الإنسان قادراً على توظيف
الإمكانات المادية في إطار المقاصد الأخلاقية والروحية[22].
وفي
هذا السياق يميز النورسي بين نمطين من النظر إلى الوجود:
1.
النظر
بالمعنى الحرفي
ويقصد به النظر إلى الموجودات باعتبارها
دالة على خالقها ومظهرة لأسمائه وصفاته، بحيث تصبح الكائنات رسائل إلهية تقود
الإنسان إلى معرفة الله تعالى[23]. ووفق هذا المنظور، يتحول العلم والعمل والإنتاج إلى وسائل للتعرف إلى
الحكمة الإلهية الكامنة في الكون، فتغدو عمارة الأرض جزءاً من مقتضيات العبودية.
2.
النظر
بالمعنى الاسمي
أما النظر بالمعنى الاسمي فيتمثل في النظر
إلى الأشياء باعتبارها قائمة بذاتها ومستقلة عن خالقها، وهو المنهج الذي يرى
النورسي أنه شكّل الأساس الفلسفي للنزعة المادية الحديثة[24]. ونتيجة لذلك يفقد العمران غايته الأخلاقية ويتحول إلى مشروع مادي محض،
تحكمه المصالح والهيمنة بدل أن تحكمه قيم الإصلاح والتزكية.
وبهذا المعنى، لا يصبح الإيمان عند النورسي
شأناً فردياً معزولاً، بل يتحول إلى أساس معرفي وأخلاقي يوجّه النشاط الحضاري
ويمنحه بعده الإنساني والرسالي[25].
ثالثاً:
الإنسان بين العبودية والاستخلاف
يحتل الإنسان موقعاً محورياً في المشروع
الفكري للنورسي، إذ يمثل نقطة الالتقاء بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وبين
التكليف الإلهي والفعل التاريخي. وقد خصص النورسي في «رسالة الأنا» تحليلاً معمقاً
لطبيعة الذات الإنسانية ووظيفتها الوجودية، معتبراً أن «الأنا» لم تُمنح للإنسان
بغرض الاستقلال أو الاستغناء، وإنما لتكون مقياساً يُدرك من خلاله صفات الله تعالى
وأسماءه الحسنى[26].
وانطلاقاً من هذا الفهم، يرى النورسي أن
الاستخلاف لا يتحقق إلا عبر العبودية؛ فكلما ازداد الإنسان إدراكاً لعجزه وفقره،
ازداد وعياً بحاجته إلى الله تعالى، وازدادت قدرته على أداء وظيفته الاستخلافية
على الوجه الصحيح[27].
وتقوم
هذه الرؤية على ركيزتين أساسيتين:
1.
العجز
ويمثل إدراك الإنسان محدودية قدراته أمام
عظمة الكون وسنن الوجود، وهو إدراك يقوده إلى التواضع والتوكل بدلاً من الغرور
والاستعلاء[28].
2.
الفقر
ويعني شعور الإنسان بافتقاره الدائم إلى
الله تعالى في وجوده وبقائه ورزقه، مما يجعله يتعامل مع النعم والموارد باعتبارها
أمانات لا ممتلكات مطلقة[29].
ومن خلال الجمع بين العجز والفقر، يعيد
النورسي صياغة مفهوم الاستخلاف بوصفه ممارسة أخلاقية قائمة على العبودية، لا مشروعاً
للهيمنة أو السيطرة على الكون.
رابعاً:
نقد النزعة المادية وآثارها على العمران الإنساني
يُعدّ نقد الفلسفة المادية من أبرز المحاور
التي شغلت فكر النورسي، ولا سيما في «رسالة الطبيعة»، حيث سعى إلى تفكيك الأسس
المعرفية التي قامت عليها الرؤية الطبيعية الحديثة، مبيناً أنها تؤدي إلى إقصاء
البعد الغيبي وتفسير الوجود تفسيراً مادياً مغلقاً[30].
ويرى النورسي أن الخلل الجوهري في الحضارة
المادية لا يكمن في منجزاتها العلمية أو التقنية، وإنما في المرجعية الفكرية التي
توجه هذه المنجزات. فحين ينفصل العلم عن الإيمان، ويتحرر العمران من الضوابط
الأخلاقية، يتحول التقدم إلى أداة لإنتاج الصراع والاستغلال والتفاوت الاجتماعي[31].
ومن ثمّ فإن الأزمة الحضارية المعاصرة، في
نظر النورسي، ليست أزمة وسائل أو موارد، بل أزمة معنى وغاية. ولهذا يدعو إلى إعادة
بناء العمران الإنساني على أساس التوحيد والإيمان، بحيث تصبح المعرفة وسيلة للإصلاح،
ويصبح التقدم المادي خادماً للكرامة الإنسانية لا متسلطاً عليها[32].
المحور الثالث:
تجليات العلاقة بين الاستخلاف والعمران في رسائل النور
إذا كان الاستخلاف في الرؤية القرآنية يمثل
الوظيفة الوجودية التي من أجلها خُلق الإنسان، فإن العمران يمثل المجال العملي
الذي تتجسد فيه هذه الوظيفة وتتحول من مستوى التكليف النظري إلى مستوى الشهود
الحضاري. ومن هنا تكتسب معالجة بديع الزمان سعيد النورسي أهميتها؛ إذ لم يتناول
الاستخلاف بوصفه مفهوماً عقدياً مجرداً، وإنما باعتباره مبدأً موجهاً للفعل
الإنساني ومؤسساً لحركة العمران في التاريخ. فالمشروع النورسي في جوهره محاولة
لإعادة وصل الإنسان بمصدر هدايته القرآنية، وإعادة بناء العلاقة بين الإيمان
والحياة بعد أن أفرزت الحداثة المادية حالة من الانفصال بين التقدم التقني والقيم
الأخلاقية، وبين القوة المادية والغاية الوجودية.
أولاً:
التكامل بين البعد الروحي والبعد المادي
يقوم التصور النورسي للعمران على تجاوز
الثنائيات الحادة التي عرفها الفكر الإنساني بين الروح والمادة، أو بين الدين
والحياة. فالإنسان عند النورسي ليس كائناً روحياً مجرداً يعيش خارج مقتضيات
الواقع، كما أنه ليس موجوداً مادياً محضاً تحكمه حاجاته البيولوجية والاقتصادية؛
بل هو كائن جامع بين العالمين، تتحدد قيمته بقدر ما ينجح في تحقيق التوازن بين
متطلبات الجسد ومقتضيات الروح[33].
ومن هذا المنطلق لا يُنظر إلى النشاط
العمراني في رسائل النور باعتباره مجالاً منفصلاً عن التدين، بل يعدّ امتداداً
مباشراً للعبودية لله تعالى. فالزراعة والصناعة والتجارة والعلم والعمل ليست أنشطة
محايدة من الناحية القيمية، وإنما تتحول إلى أعمال ذات دلالة تعبدية متى انتظمت
ضمن المقصد الاستخلافي الذي رسمه الوحي[34]. ولهذا يرفض النورسي النموذج الرهباني الذي ينسحب من حركة التاريخ
بدعوى التفرغ للعبادة، كما يرفض في المقابل النموذج المادي الذي يختزل الإنسان في
بعده الاقتصادي ويجعل التقدم غاية قائمة بذاتها.
وتنبع أهمية هذا التصور من كونه يعيد تعريف
الحضارة ذاتها؛ فالحضارة في المنظور النورسي ليست مجرد تراكم في الثروة أو توسع في
أدوات الإنتاج، بل هي ثمرة التفاعل المتوازن بين الإيمان والعلم، وبين القيم
والأدوات، وبين الغاية والوسيلة[35]. ومن ثمّ فإن العمران الحقيقي لا يتحقق بمجرد السيطرة على الطبيعة أو
تسخير مواردها، وإنما يتحقق عندما يُوظَّف ذلك كله في خدمة الإنسان وإعانته على
أداء وظيفته الاستخلافية.
ويبدو أثر هذا التصور بوضوح في قراءة
النورسي للعلوم الكونية؛ إذ لا يعدّها منافسة للوحي أو بديلاً عنه، بل يرى فيها
وسيلة لاكتشاف سنن الله في الكون وفهم مظاهر الحكمة والإتقان في الخلق. وهكذا
يتحول العلم من أداة للهيمنة إلى وسيلة للتعرف إلى الخالق، ويتحول العمران من
مشروع للسيطرة إلى مشروع للشهادة على معاني التوحيد في الواقع.
ثانياً:
الإيمان أساس العمران المتوازن
يحتل الإيمان موقعاً محورياً في البناء
الفكري للنورسي، لأنه يمثل الأساس الذي تنبثق منه جميع أبعاد العمران الأخرى.
فالإيمان ليس مجرد تصديق قلبي أو تجربة روحية خاصة، بل هو رؤية شاملة للوجود تحدد
علاقة الإنسان بنفسه وبالكون وبالتاريخ. ولذلك فإن أثره يمتد إلى المجال الحضاري
بأسره[36].
ويرى النورسي أن الأزمة العميقة للحضارة
الحديثة لا تكمن في التقدم العلمي ذاته، وإنما في انفصال هذا التقدم عن الإيمان؛
إذ أدى ذلك إلى تضخم القدرة المادية مقابل تراجع الضوابط الأخلاقية. وعندما يفقد
الإنسان وعيه بأنه مستخلف ومحاسب على أفعاله، يتحول العمران إلى وسيلة للهيمنة
والاستغلال بدل أن يكون وسيلة للإصلاح والبناء[37].
وفي هذا السياق يربط النورسي بين الإيمان
وبين نشوء المسؤولية الحضارية؛ فالمؤمن لا يتعامل مع الكون بوصفه ملكية مطلقة،
وإنما بوصفه أمانة مودعة بين يديه. كما لا ينظر إلى الموارد الطبيعية باعتبارها
مجالاً مفتوحاً للاستنزاف غير المحدود، بل باعتبارها نعماً إلهية تستوجب الشكر
وحسن التدبير. ومن هنا يصبح الإيمان عاملاً ضابطاً للسلوك الاقتصادي والاجتماعي
والسياسي، لأنه يربط الحرية بالمسؤولية، والقدرة بالمحاسبة، والعمل بالجزاء.
ومن جهة أخرى، يمنح الإيمان للإنسان معنى
يتجاوز حدود المنفعة العاجلة؛ إذ يحرره من أسر الأنانية والعدمية ويجعله قادراً
على التضحية والعمل طويل المدى. ولذلك يرى النورسي أن العمران المستند إلى الإيمان
أكثر قدرة على الاستمرار من العمران القائم على المصالح المادية وحدها، لأن الأول
يستمد قوته من منظومة قيمية ثابتة، بينما يبقى الثاني عرضة للتفكك عند أول تعارض
للمصالح.
ثالثاً:
الأخلاق بوصفها الضابط الداخلي للحركة الحضارية
إذا كان الإيمان يمثل الأساس المعرفي
للعمران، فإن الأخلاق تمثل آلية ضبطه الداخلية. ولهذا لا يتعامل النورسي مع
الأخلاق باعتبارها فضائل فردية معزولة، بل يعدّها بنية تأسيسية تقوم عليها الحياة
الاجتماعية والحضارية[38].
فالإنسان في التصور النورسي لا يعيش منعزلاً
عن غيره، وإنما يتحرك داخل شبكة واسعة من العلاقات والمصالح. وهذه العلاقات لا
يمكن أن تستقيم بالقانون وحده، بل تحتاج إلى منظومة قيمية تجعل التعاون مقدماً على
الصراع، والتكافل مقدماً على الاستغلال، والرحمة مقدمة على الأنانية. ومن هنا يفسر
النورسي كثيراً من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية بوصفها نتائج مباشرة لتراجع
القيم الأخلاقية وسيادة النزعة الفردية.
ويبرز هذا المعنى في نقده للحضارة المادية
التي قامت –في نظره– على تغليب المنفعة والقوة والمنافسة غير المنضبطة، مما أدى
إلى تعميق الفوارق الاجتماعية وتغذية الصراعات الاقتصادية[39]. وفي مقابل ذلك يقترح النموذج القرآني القائم على التساند والتكافل
والإيثار، باعتبارها قيماً قادرة على تحويل العمران من ساحة للتدافع المدمر إلى
مجال للتعاون المنتج.
وعلى هذا الأساس تصبح الأخلاق شرطاً من شروط
استدامة العمران؛ إذ إن البناء المادي مهما بلغ من القوة يبقى معرضاً للانهيار إذا
افتقد الأسس القيمية التي تحفظ تماسك المجتمع وتضمن عدالة توزيع الحقوق والواجبات.
رابعاً:
مسؤولية الإنسان في حفظ التوازن الكوني والاجتماعي
ينطلق النورسي من رؤية توحيدية تعتبر أن
الكون قائم على نظام دقيق يعكس تجليات أسماء الله الحسنى، ولا سيما أسماء العدل
والحكيم والقدوس[40]. وهذا النظام ليس مجرد حقيقة كونية، بل يحمل في ذاته دلالة أخلاقية
واستخلافية؛ إذ يقتضي من الإنسان أن يتعامل مع العالم بروح المسؤولية لا بروح
الاستبداد.
وفي ضوء هذا الفهم يقرأ النورسي ظاهرة
الفساد باعتبارها نتيجة مباشرة لانحراف الإنسان عن مقتضيات الاستخلاف. فالفساد لا
يقتصر على التخريب المادي، بل يشمل كل سلوك يؤدي إلى اختلال التوازن الذي أودعه
الله في الكون. وهذا المعنى ينسجم مع قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ
وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾[41]، حيث يربط القرآن بين أفعال الإنسان وبين ما يطرأ على العالم من اضطراب
واختلال.
وتتجلى هذه الرؤية بصورة خاصة في «رسالة
الاقتصاد والقناعة»، إذ يؤكد النورسي أن الإسراف ليس مجرد انحراف أخلاقي فردي، بل
يمثل خللاً في وظيفة الاستخلاف ذاتها؛ لأنه يؤدي إلى استنزاف الموارد وتعميق
الفوارق الاجتماعية وإضعاف روح التضامن بين أفراد المجتمع[42]. ومن ثمّ تصبح القناعة والاعتدال والاقتصاد قيماً حضارية تسهم في حفظ
التوازن الاجتماعي والاقتصادي والبيئي.
وتكشف هذه المعالجة عن بعد استشرافي لافت في
فكر النورسي؛ إذ تتيح قراءة كثير من الإشكالات المعاصرة، كالأزمات البيئية
والاستهلاك المفرط والتنمية غير المستدامة، في ضوء العلاقة العضوية بين الاستخلاف
والعمران. فكلما ازداد وعي الإنسان بمسؤوليته الاستخلافية ازداد التزامه بحماية
التوازن الكوني، وكلما غاب هذا الوعي اتسعت دوائر الفساد والاختلال.
المحور الرابع:
الآفاق الحضارية
والحدود التطبيقية
للتصور النورسي للاستخلاف والعمران
يمثل المشروع الفكري لبديع الزمان سعيد
النورسي إحدى أبرز المحاولات الإصلاحية التي سعت إلى إعادة بناء العلاقة بين
الإيمان والحياة في العصر الحديث. غير أن قيمة أي مشروع فكري لا تقاس فقط بمتانته
النظرية، وإنما كذلك بقدرته على تقديم إجابات عملية للتحديات التاريخية المتجددة.
ومن هذا المنطلق تبرز الحاجة إلى تقويم التصور النورسي للاستخلاف والعمران من خلال
استكشاف إمكاناته الحضارية من جهة، والكشف عن حدوده التطبيقية من جهة أخرى.
أولا:
الآفاق الحضارية والحدود التطبيقية للتصور النورسي للاستخلاف والعمران
تكمن إحدى أهم نقاط القوة في المشروع
النورسي في قدرته على تجاوز الانقسام الذي فرضته الحداثة بين المجال الديني
والمجال المدني؛ إذ يقدم رؤية توحيدية تجعل الإيمان محركاً للفعل الحضاري لا
عائقاً أمامه[43]. ولذلك يمكن الإفادة من هذا التصور في معالجة عدد من الأزمات المعاصرة
التي نتجت عن الفصل بين التقدم التقني والقيم الأخلاقية.
ففي المجال التربوي، يؤكد النورسي ضرورة
الجمع بين العلوم الدينية والعلوم الكونية، بما يسهم في تكوين شخصية متوازنة قادرة
على استيعاب مقتضيات العصر دون فقدان مرجعيتها القيمية[44]. كما أن دعوته إلى بناء الإنسان قبل بناء المؤسسات تمنح مشروعه بعداً
إصلاحياً عميقاً يقوم على تغيير البنية الفكرية والأخلاقية للمجتمع باعتبارها المدخل
الحقيقي لأي نهضة مستدامة[45].
ومن جهة أخرى، يتيح التصور النورسي إمكان
بناء نموذج تنموي بديل يتجاوز الاختزال الاقتصادي للإنسان، ويعيد إدماج البعد
الأخلاقي والروحي في عملية التنمية، وهو ما ينسجم مع كثير من النقاشات المعاصرة
حول التنمية الإنسانية والتنمية المستدامة.
ثانياً:
الاقتصاد والقناعة في مواجهة النزعة الاستهلاكية المعاصرة
يحتل مفهوم الاقتصاد والقناعة مكانة مركزية
في معالجة النورسي لقضية العمران؛ إذ يرى أن كثيراً من الأزمات الاجتماعية
والاقتصادية ترجع إلى تضخم النزعة الاستهلاكية وسيطرة ثقافة الإسراف والتنافس
المادي[46].
ولا ينظر النورسي إلى الاقتصاد باعتباره
مجرد تدبير مالي، بل يعدّه قيمة أخلاقية واستخلافية تحفظ التوازن بين الإنسان
والموارد التي سخرها الله له. فالقناعة عنده ليست دعوة إلى السلبية أو تعطيل
الإنتاج، وإنما وسيلة لتحرير الإنسان من الاستعباد للشهوات والرغبات المتزايدة[47].
وتكتسب هذه الرؤية أهمية متجددة في ظل
التحولات الاقتصادية المعاصرة التي أفرزت أنماطاً واسعة من الاستهلاك المفرط
واستنزاف الموارد الطبيعية. ومن ثمّ يمكن اعتبار أطروحة النورسي في الاقتصاد
والقناعة مساهمة فكرية في بناء أخلاقيات تنموية أكثر انسجاماً مع مبدأ الاستخلاف
والمسؤولية تجاه الأجيال القادمة[48].
ثالثاً:
القيمة الحضارية للمشروع النورسي
تكمن القيمة الحضارية للمشروع النورسي في
كونه لا يقتصر على معالجة قضايا التدين الفردي، وإنما يقدم رؤية شاملة للإنسان
والكون والمجتمع. وقد نجح في إعادة توجيه النقاش من سؤال السلطة السياسية إلى سؤال
بناء الإنسان، ومن الصراع الأيديولوجي إلى تجديد الإيمان وترسيخ الوعي الحضاري[49].
كما يتميز المشروع بقدرته على استثمار
المفاهيم القرآنية الكبرى، وفي مقدمتها التوحيد والاستخلاف والعبودية، في بناء
رؤية حضارية متكاملة تتجاوز حدود الزمان والمكان. ولهذا ظلت رسائل النور مؤثرة في
بيئات ثقافية متعددة، لأنها خاطبت الأسئلة الوجودية العميقة للإنسان الحديث
وربطتها بالمنظور القرآني.
ومن الجوانب المهمة كذلك أن النورسي قدم
نموذجاً إصلاحياً سلمياً يقوم على التربية والإقناع والتغيير التدريجي، وهو ما
أكسب مشروعه قدرة على الاستمرار والتأثير في ظروف سياسية واجتماعية معقدة[50].
رابعاً:
الحدود والإشكالات التطبيقية في التصور النورسي
على الرغم من الأهمية الفكرية للمشروع
النورسي، فإن القراءة النقدية تقتضي الإشارة إلى بعض الحدود التي تكتنفه عند
تنزيله على الواقع المؤسسي المعاصر.
فقد ركز النورسي بصورة كبيرة على إصلاح
الفرد وبناء الوعي الإيماني، في حين لم يقدم تصوراً تفصيلياً لمؤسسات الدولة
الحديثة أو للسياسات الاقتصادية والإدارية القادرة على تحويل المبادئ الأخلاقية
إلى برامج تنفيذية شاملة[51]. ولذلك بقي جانب من مشروعه أقرب إلى الإطار التربوي والقيمي منه إلى
النموذج المؤسسي المتكامل.
كما
أن كثيراً من المعالجات التي قدمها جاءت استجابة للسياق التركي في مرحلة تاريخية
معينة، وهو ما يستدعي إعادة قراءة أفكاره في ضوء التحولات العالمية الراهنة
المرتبطة بالعولمة والاقتصاد الرقمي والتحديات البيئية الجديدة[52].
غير أن هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة
المعرفية للمشروع، بقدر ما تؤكد الحاجة إلى تطويره واستثمار مبادئه الكلية في
إنتاج نماذج مؤسسية معاصرة قادرة على تجسيد الرؤية الاستخلافية في الواقع.
يتبين من خلال هذا المحور أن التصور النورسي
للاستخلاف والعمران يمتلك طاقة تفسيرية وحضارية معتبرة تمكنه من الإسهام في معالجة
عدد من الإشكالات المعاصرة، خاصة ما يتعلق بأزمة المعنى، واختلال العلاقة بين
الإنسان والطبيعة، وهيمنة النزعة الاستهلاكية. غير أن فاعلية هذا التصور تظل رهينة
بقدرته على الانتقال من المستوى التربوي والأخلاقي إلى المستوى المؤسسي والتنظيمي،
بما يسمح بتحويل المبادئ القرآنية الكلية إلى آليات عملية تستجيب لتعقيدات الواقع
المعاصر.
خــاتــمــة الــبــحــث
بعد استكمال معالجة إشكالية البحث المتعلقة
بجدلية الاستخلاف والعمران في القرآن الكريم من خلال قراءة تحليلية في رسائل النور
لبديع الزمان سعيد النورسي، يتبين أن هذه الجدلية تمثل أحد المفاتيح المركزية لفهم
الرؤية القرآنية للإنسان ووظيفته الحضارية في الوجود. وقد سعى البحث إلى استجلاء
الأسس المفهومية والفكرية التي تقوم عليها العلاقة بين الاستخلاف والعمران، وإبراز
كيفية تجليها في المشروع الإصلاحي النورسي، مع تقويم إمكاناتها الحضارية وحدودها
التطبيقية في السياق المعاصر.
وقد
انتهت الدراسة إلى جملة من النتائج يمكن إجمالها فيما يأتي:
أولاً: أثبتت الدراسة أن العلاقة بين
الاستخلاف والعمران في القرآن الكريم ليست علاقة اقتران عرضي بين مفهومين مستقلين،
وإنما هي علاقة بنيوية عضوية؛ إذ يمثل الاستخلاف الأساس العقدي والغاية الوجودية
التي تمنح الفعل الإنساني مشروعيته ومعناه، بينما يمثل العمران المجال العملي الذي
تتجسد فيه مقتضيات الاستخلاف ومسؤولياته التاريخية. ومن ثم فإن عمارة الأرض في
التصور القرآني ليست نشاطاً مادياً محضاً، بل هي فعل تعبدي وأخلاقي يستمد قيمته من
ارتباطه بالتوحيد والعبودية لله تعالى.
ثانياً: كشفت الدراسة أن بديع الزمان سعيد
النورسي قد أعاد بناء مفهوم العمران على أساس إيماني ومعرفي متين، من خلال رؤيته
للكون بوصفه كتاباً مفتوحاً تتجلى فيه أسماء الله الحسنى، ومن خلال تمييزه المنهجي
بين النظر إلى الموجودات بالمعنى الحرفي والنظر إليها بالمعنى الاسمي. وقد أتاح له
هذا التصور تجاوز الثنائية التي كرستها الفلسفات المادية الحديثة بين الدين
والعلم، أو بين الروح والمادة، ليؤسس فهماً توحيدياً يجعل الإيمان محركاً للفعل
الحضاري وموجهاً له.
ثالثاً: بينت الدراسة أن مركزية الإيمان في
المشروع النورسي لا تقتصر على المجال العقدي الفردي، وإنما تمتد إلى المجال
الحضاري والاجتماعي؛ فالإيمان في نظر النورسي يمثل القوة الداخلية التي تضبط
السلوك الإنساني وتمنع تحوله إلى أداة للهيمنة أو الإفساد. ولذلك فإن العمران الذي
ينفصل عن القيم الإيمانية والأخلاقية يفقد توازنه، ويتحول إلى مصدر للأزمات
الاجتماعية والاقتصادية والبيئية مهما بلغت درجة تقدمه المادي.
رابعاً: أوضحت الدراسة أن المنظومة
الأخلاقية تحتل موقعاً محورياً في تحقيق العمران المنشود عند النورسي؛ إذ ترتبط
قيم العدل والقناعة والرحمة والتعاون ارتباطاً مباشراً بوظيفة الإنسان
الاستخلافية. ومن ثم فإن الاختلالات التي يشهدها العالم المعاصر لا تعود – في جانب
مهم منها – إلى قصور الوسائل التقنية أو محدودية الموارد، بقدر ما تعود إلى أزمة
في الرؤية القيمية والأخلاقية الحاكمة لحركة الإنسان في الكون.
خامساً: أكدت الدراسة صحة الفرضية الرئيسة
التي انطلقت منها، ومفادها أن العمران لا يحقق غايته الإنسانية والحضارية إلا إذا
تأسس على وعي استخلافي يربط الإنسان بخالقه، ويضبط علاقته بذاته وبالآخرين
وبالعالم من حوله. وقد أظهرت القراءة التحليلية لرسائل النور أن النورسي قدم
نموذجاً تفسيرياً متماسكاً لهذه العلاقة، وجعل من التوحيد والعبودية أساساً لإعادة
بناء الفعل الحضاري في مختلف مجالات الحياة.
وعلى مستوى التقويم العلمي، يتبين أن
المشروع النورسي يمتلك قيمة معرفية وحضارية كبيرة؛ إذ نجح في إعادة الاعتبار للبعد
الروحي في زمن هيمنت فيه النزعات المادية، كما أسهم في بلورة رؤية قرآنية متكاملة
للإنسان والكون والتاريخ. غير أن هذا المشروع، على الرغم من ثرائه الفكري وعمقه
التربوي، ظل يركز بصورة أساسية على بناء الإنسان وإصلاح الوعي، ولم يمنح الجانب
المؤسسي والتفصيلي القدر نفسه من العناية، الأمر الذي يجعل كثيراً من مبادئه
الحضارية في حاجة إلى مزيد من الاجتهاد والتنزيل العملي ضمن الأطر الاقتصادية
والاجتماعية والسياسية المعاصرة.
وفي ضوء ما توصلت إليه الدراسة، يظل فكر
النورسي مجالاً خصباً للبحث العلمي، خاصة في القضايا المتعلقة بأخلاقيات التنمية،
والاقتصاد الإسلامي، والوعي البيئي، وفلسفة العلوم، وإصلاح المناهج التعليمية، وهي
مجالات لا تزال تحتمل مزيداً من الدراسة والتحليل، بما يسهم في استثمار الإمكانات
الحضارية الكامنة في رسائل النور، وربطها بالتحديات الفكرية والإنسانية التي
يواجهها العالم المعاصر.
وختاماً، فإن القرآن الكريم – كما تكشف عنه
قراءة النورسي – لا يقدم للإنسان تصوراً عقدياً مجرداً عن الوجود، بل يضعه في قلب
مشروع حضاري متكامل يقوم على الاستخلاف المسؤول والعمران الراشد، ويجعل من بناء
الإنسان أخلاقياً وإيمانياً المدخل الضروري لبناء الحضارة واستمرارها. ومن هنا تظل
جدلية الاستخلاف والعمران إحدى القضايا المركزية القادرة على الإسهام في تجديد
الفكر الإسلامي المعاصر وإعادة توجيه مساره نحو تحقيق الشهود الحضاري الذي أراده
الله تعالى للإنسان في الأرض.
هشام بالرّايس
قائمة المصادر والمراجع
القرآن
الكريم
أولاً:
المصادر الأصلية (كليات رسائل النور)
1. النورسي، بديع الزمان سعيد، كليات رسائل النور:
الخُطَب وملاحقها، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط4، القاهرة: شركة سوزلر للنشر،
2004م.
2. النورسي، بديع الزمان سعيد، كليات رسائل النور:
السيرة الذاتية، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط4، القاهرة: شركة سوزلر للنشر،
2004م.
3. النورسي، بديع الزمان سعيد، كليات رسائل النور:
الصيقل البدعي (ملحق المحاكمات)، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط3، القاهرة: شركة
سوزلر للنشر، 2002م.
4. النورسي، بديع الزمان سعيد، كليات رسائل النور:
اللمعات، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط4، القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2004م.
5. النورسي، بديع الزمان سعيد، كليات رسائل النور:
المثنوي العربي النوري، تحقيق: إحسان قاسم الصالحي، ط3، القاهرة: شركة سوزلر
للنشر، 2002م.
6. النورسي، بديع الزمان سعيد، كليات رسائل النور:
المكتوبات، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط4، القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2004م.
7. النورسي، بديع الزمان سعيد، كليات رسائل النور:
الكلمات، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط4، القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2004م.
8. النورسي، بديع الزمان سعيد، كليات رسائل النور:
الشعاعات، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط4، القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2004م.
ثانياً:
المراجع الثانوية (الدراسات والبحوث المساعدة)
1. ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، ديوان المبتدأ
والخبر في تاريخ العرب والبربر (المقدمة)، تحقيق: خليل شحادة، ط2، بيروت: دار
الفكر، 1408هـ.
2. ابن عاشور، محمد
الطاهر، تفسير التحرير والتنوير، تونس: الدار التونسية للنشر، 1984م.
3. ابن منظور، محمد
بن مكرم، لسان العرب، ط3، بيروت: دار صادر، 1414هـ.
4. أديب، عبد الله،
خطاب الهوية والتجديد عند سعيد النورسي: قراءة في المنهج والسياق، ط1، الدار
البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2014م.
5. الأصفهاني،
الراغب، الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن، تحقيق: صفوان داوودي، ط1، دمشق:
دار القلم، 1412هـ.
6. الجبوري، خالد
خليل، البُعد البيئي في المنظور الإسلامي: رسائل النور نموذجاً، ط1، بغداد: دار
الشؤون الثقافية، 2015م.
7. جبه جي،
إبراهيم، الإنسان ووظيفته الوجودية في فكر النورسي، ط1، عمان: دار عمار، 2007م.
8. رشوان، أحمد
علي، الفكر الاجتماعي والاقتصادي في رسائل النور: دراسة تحليلية نقدية، ط1،
القاهرة: دار الفكر العربي، 2010م.
9. الزمخشري، محمود
بن عمر، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ط1، بيروت: دار الكتاب العربي، 1407هـ.
10. زكي، محمد
مصطفى، من سعيد القديم إلى سعيد الجديد: جدلية الفكر والسياسة عند النورسي، ط1،
بيروت: دار المدار الإسلامي، 2009م.
11. سعيد، عدنان،
الفلسفة التجديدية عند سعيد النورسي: دراسة في آليات التغيير الاجتماعي، ط2، عمان:
دار الفكر، 2012م.
12. الصالحي، إحسان
قاسم، بديع الزمان سعيد النورسي: نظرة عامة عن حياته وآثاره، ط2، إسطنبول: شركة
سوزلر، 1992م.
13. الصالحي، إحسان
قاسم، الفكر الإصلاحي عند بديع الزمان النورسي، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية،
2001م.
14. طه جابر
العلواني، الاستخلاف والعمران: أبعاد الرؤية الكونية القرآنية، ط1، القاهرة: دار
السلام، 2011م.
15. عمر، محمد عبد
الحليم، الاقتصاد الإسلامي بين التنظير الأخلاقي والتطبيق المؤسسي، ط1، القاهرة:
دار النشر للجامعات، 2008م. الفاسي، علال، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، ط5،
بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1993م.
16. الفيروز آبادي،
مجد الدين، القاموس المحيط، ط8، بيروت: مؤسسة الرسالة، 2005م.
17. القرضاوي، يوسف،
رعاية البيئة في شريعة الإسلام، ط1، القاهرة: دار الشروق، 2001م.
18. قطب، سيد، في
ظلال القرآن، ط32، القاهرة: دار الشروق، 1402هـ.
19. الماوردي، علي
بن محمد، أدب الدنيا والدين، تحقيق: محمد المصباحي، ط1، بيروت: دار اقرأ، 1405هـ.
20. نجار، عبد
المجيد، خلافة الإنسان بين الوحي والعقل: بحث في جدلية الاستخلاف والعمران، ط2،
بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1993م.
[1] ابن منظور، محمد بن
مكرم، لسان العرب، ط3، بيروت: دار صادر، 1414هـ، مادة (خلف)، ج9، ص82.
[2] الراغب الأصفهاني،
الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن، تحقيق: صفوان داوودي، ط1، دمشق: دار
القلم، 1412هـ، ص295.
[3] سورة البقرة، جزء من الآية 30.
[4] ابن عاشور، محمد الطاهر، تفسير التحرير والتنوير، تونس: الدار التونسية للنشر، 1984م، ج1، ص412-414.
[5] المرجع نفسه، ص414.
[6] العلواني، طه جابر، الاستخلاف والعمران: أبعاد الرؤية الكونية القرآنية، ط1، القاهرة: دار السلام، 2011م، ص45-47.
[7] المرجع نفسه، ص 47.
[8] الفيروز آبادي، مجد الدين، القاموس المحيط، ط8، بيروت: مؤسسة الرسالة، 2005م، مادة (عمر)، ص462.
[9] سورة هود، جزء من الآية 61.
[10] الزمخشري، محمود بن
عمر، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ط1، بيروت: دار الكتاب العربي، 1407هـ، ج2،
ص401.
[11] الماوردي، علي بن
محمد، أدب الدنيا والدين، تحقيق: محمد المصباحي، ط1، بيروت: دار اقرأ، 1405هـ،
ص125.
[12] سورة الروم، جزء من
الآية 41.
[13] القرضاوي، يوسف،
رعاية البيئة في شريعة الإسلام، ط1، القاهرة: دار الشروق، 2001م، ص32-35.
[14] نجار، عبد المجيد،
خلافة الإنسان بين الوحي والعقل: بحث في جدلية الاستخلاف والعمران، ط2، بيروت: دار
الغرب الإسلامي، 1993م، ص74-76.
[15] ابن خلدون، عبد
الرحمن بن محمد، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر (المقدمة)، تحقيق:
خليل شحادة، ط2، بيروت: دار الفكر، 1408هـ، ج1، ص53-55.
[16] ابن عاشور، طاهر،
التحرير والتنوير، ص 412-414.
[17] الفاسي، علال، مقاصد
الشريعة الإسلامية ومكارمها، ط5، بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1993م، ص118.
[18] النورسي، بديع
الزمان سعيد، كليات رسائل النور: الكلمات، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط4،
القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2004م، ص411.
[19] النورسي، بديع
الزمان سعيد، كليات رسائل النور: المكتوبات، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط4،
القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2004م، ص518.
[20] الصالحي، إحسان
قاسم، بديع الزمان سعيد النورسي: نظرة عامة عن حياته وآثاره، ط1، بغداد: دار
الأنبار، 1989م، ص84-86.
[21] النورسي، الكلمات، ص
411.
[22] النورسي، الكلمات، مصدر
سابق، (الكلمة الثانية والعشرون)، ص285-288.
[23] النورسي، بديع الزمان سعيد، كليات رسائل النور: المثنوي العربي النوري، تحقيق: إحسان قاسم الصالحي، ط3، القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2002م، ص63.
[24] النورسي، المثنوي العربي النوري، المصدر نفسه، ص64.
[25] النورسي، الكلمات،
مصدر سابق، (الكلمة الثانية والعشرون)، ص285-288.
[26] النورسي، الكلمات،
مصدر سابق، (الكلمة الثلاثون: رسالة الأنا)، ص645-647.
[27] المصدر نفسه، ص
645-647.
[28] النورسي، بديع
الزمان سعيد، كليات رسائل النور: اللمعات، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط4،
القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2004م. (اللمعة الحادية عشرة)، ص115-118.
[29] جبه جي، إبراهيم،
الإنسان ووظيفته الوجودية في فكر النورسي، ط1، عمان: دار عمار، 2007م، ص142.
[30] النورسي، اللمعات،
مصدر سابق، (اللمعة الثالثة والعشرون: رسالة الطبيعة)، ص231-236.
[31] النورسي، بديع الزمان سعيد، كليات رسائل النور: الشعاعات، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط4، القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2004م، (الشعاع الخامس عشر)، ص672-675.
[32] المرجع نفسه، ص 672-675.
[33] النورسي، بديع
الزمان سعيد، كليات رسائل النور: الكلمات، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط4،
القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2004م، (الكلمة السابعة عشرة)، ص212-215.
[34] النورسي، بديع الزمان سعيد، كليات رسائل النور: الصيقل البدعي
(ملحق المحاكمات)، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط3، القاهرة: شركة سوزلر للنشر،
2002م، ص94-96.
[35] النورسي، الكلمات، مصدر سابق، (الكلمة الخامسة والعشرون:
إعجاز القرآن)، ص440-443.
[36] النورسي، الكلمات،
مصدر سابق، (الكلمة الثانية والعشرون)، ص295-301.
[37] النورسي، بديع
الزمان سعيد، كليات رسائل النور: المكتوبات، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط4،
القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2004م، (المكتوب الـسادس والعشرون)، ص384.
[38] النورسي، بديع
الزمان سعيد، كليات رسائل النور: اللمعات، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط4،
القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2004م، (اللمعة الثانية والعشرون)، ص248-251.
[39] النورسي، بديع
الزمان سعيد، كليات رسائل النور: السيرة الذاتية، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط4،
القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2004م، ص315-318.
[40] النورسي، اللمعات،
المصدر نفسه، (اللمعة الثلاثون: اسم القدوس واسم العدل)، ص392-398.
[41] سورة الروم جزء من الآية 41.
[42] النورسي، اللمعات، المصدر نفسه، (اللمعة التاسعة عشرة: رسالة الاقتصاد والقناعة)، ص195-202.
[43] النورسي، بديع
الزمان سعيد، كليات رسائل النور: المكتوبات، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط4،
القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2004م، (المكتوب التاسع والعشرون)، ص490-493.
[44] النورسي، بديع
الزمان سعيد، كليات رسائل النور: صيقل الإسلام (المحاكمات)، ترجمة: إحسان قاسم
الصالحي، ط3، القاهرة: شركة سوزلر للنشر Eras،
2002م، ص148-152.
[45] سعيد، عدنان،
الفلسفة التجديدية عند سعيد النورسي: دراسة في آليات التغيير الاجتماعي، ط2، عمان:
دار الفكر، 2012م، ص104.
[46] النورسي، اللمعات،
مصدر سابق، (اللمعة التاسعة عشرة: رسالة الاقتصاد والقناعة)، ص196-199.
[47] النورسي، بديع الزمان سعيد، كليات رسائل النور: الكلمات،
ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط4، القاهرة: شركة سوزلر للنشر، 2004م، (الكلمة
الثلاثون)، ص655.
[48] الجبوري، خالد خليل،
البُعد البيئي في المنظور الإسلامي: رسائل النور نموذجاً، ط1، بغداد: دار الشؤون
الثقافية، 2015 م، ص78-83.
[49] الصالحي، إحسان
قاسم، بديع الزمان سعيد النورسي: نظرة عامة عن حياته وآثاره، ط2، إسطنبول: شركة
سوزلر، 1992م، ص119-122.
[50] زكي، محمد مصطفى، من
سعيد القديم إلى سعيد الجديد: جدلية الفكر والسياسة عند النورسي، ط1، بيروت: دار
المدار الإسلامي، 2009م، ص65-72.
[51] عمر، محمد عبد الحليم، الاقتصاد الإسلامي بين التنظير
الأخلاقي والتطبيق المؤسسي، ط1، القاهرة: دار النشر للجامعات، 2008م، ص45 (حيث
يناقش فجوة التسييق في الأطروحات التربوية ومنها طرح النورسي).
[52] أديب، عبد الله، خطاب الهوية والتجديد عند سعيد
النورسي: قراءة في المنهج والسياق، ط1، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،
2014م، ص172-176.