الأربعاء، 10 أغسطس 2016

مخارج التأويل والإجتهاد في قراءة النص والفلسفة عند إبن رشد …

يعتبر “التأويل”*من أهم الأفكار الفلسفية التي توصل إليها ابن رشد، بل و يعتبر توجها رشديا خالصا يجعل من فلسفته فلسفة مفتوحة غير مغلقة الدائرة، مما يسمح باتساع الرؤية و انفراجها كلما ازدادت معطيات الواقع الفكري و الثقافي ثراء و ازدهارا.
و بالتأويل يؤسس ابن رشد لمشروعية الاختلاف القائم على مبررات عقلية أو علمية، و يقضي على الرؤية ذات الاتجاه الواحد، حيث أن الخطاب الدوغمائي يفرض على معتنقيه الاستسلام الفكري المطلق للقراءة الحرفية للنص الأصلي.
وأية محاولة لقراءة النصوص حسب المتغيرات و التطورات و المناهج الجدية تتهم بالزندقة و التحريف، ومن هنا كان تأسيس ابن رشد لمفهوم التأويل العقلي الذي هو تدشين أرضية صالحة ثقافيا للاختلاف الثري و الخصب في الرؤية و المنهج، مما أوجب عليه طبيعة الحال استئناف النظر مجددا و بعمق و روية و وعي نقدي في كل طبقات الثقافة العربية التي تشكلت بمصادرها الكثيرة، و اللأرسطية – بعد تفسيرها و تحليلها بموضوعية – بوجه خاص.
و إذا كانت العلوم الفلسفية تتطلب إطلاعا واسعا و مجهودا ضخما في التفكير فإن علوم الشريعة تتطلب في نظر ابن رشد درسا و اجتهادا و إدراكا قد يكون أصعب من الذي تتطلبه الحكمة.
و السبب في ذلك أن النصوص الشرعية سواء منها ما يهم العقيدة، أو ما يهم التشريع، إنما هي نصوص إجمالية و مختصرة تتوجه إلى البشر في العموميات الأساسية، و لكنها تدعو العقلاء منهم إلى التأويل و الاستنباط لمواجهة مختلف الأحوال المجتمعية و الفكرية الثقافية و متابعة التطورات و التغيرات البشرية، و من أجل هذا نشأت العلوم الإسلامية المتعددة.
لقد كثرت الأبحاث التي تتحدث عن التأويل في الدراسات الغربية و الشرقية فالاختلاف واضح في الممارسة و التعريف، و هذا الاختلاف، كما يذهب إلى ذلك الباحث عبد الواحد علواني” عائد إلى أسباب عدة من أهمها طبيعة النص المقدس، وطابع التفكير و البنية التراثية و التجربة التاريخية الخاصة لكل منهما.
فتعريف التأويل ضمن فضاء المعرفة الإسلامية خاصة (بالنص القرآني) يجب أن يتم وفق الشروط التالية:
أولا: أن لا يقع في التحريف و قد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه و هم يعملون.
ثانيا: إلزام النص القرآني بمعنى محدد عند بعض المؤولين لقوله تعالى( و ما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم)(1)، كما أن النص القرآني نص كوني إلهي معنى و لفظا، و اللفظ بحد ذاته مقدس تماما كقداسة المعنى، لذلك ليس ثمة ترجمة معلنة لنصه إنما هناك ترجمة لمعانيه أو لتفسير معين من تفاسيره.
صحيح أن الترجمة بعامة تنصب على ترجمة المعاني إلا أن الإشكالية التي تسببها إزاء النص المقدس إشكالية عسيرة، فهذا النص أساسا يرمي إلى تجاوز الزمان و المكان، و بذلك يرمي إلى تجاوز اللغة بحد ذاتها، و لذلك تبقى الترجمة مجرد محاولة تفسيرية قاصرة لابد لها من الزوال لتظهر محاولة ترجمة أخرى.
و هكذا نجد أن التأويل في فضاء المعرفة الإسلامية كان أمام نص يحافظ على لفظه كحفاظه على معانيه، ومن هنا ندرك أهمية تأكيد ابن رشد على مراعاة اللغة العربية وأصولها، وأن يكون التأويل غير مخل في ذلك بعادة لسان العرب في التجوز في تسمية الشيء بشبيهه، أو بسببه، أو لاحقه، أو مقارنه، أو غير ذلك من الأشياء التي عددت في تعريف أصناف الكلام المجازي(2)، و كان لابد للتأويل من التكيف مع الضوابط المفروضة عليه و مسايرة التفاسير بالإضافة إليها في المعاني و عدم التناقض معها.
أما في فضاء المعرفة الغربية المستندة أساسا إلى المسيحية و خاصة الكاثوليكية،إضافة إلى التأثيرات الرومانية و اليونانية، فكان التأويل إزاء نص مقدس لا يمتلك قداسة اللفظ، فالنص بحد ذاته نتاج ترجمة، و كذلك فإن الخلاف حول تكامل النصوص المشكلة لهذا النص خلاف ذو جذور متشعبة،لذلك فإن التأويل أصبح الصلة الوحيدة تقريبا مع هذا النص، و كذلك وسيلة النص الوحيدة للتواصل الكوني، فلا غرابة أن يكون التراث التأويلي ضخما، و أيضا أن يستمر التأويل.
أما في الفكر الإسلامي و خاصة عند ابن رشد، فإن التأويل على الرغم من كونه مفهوما هاما يفتح الطريق إلى الاجتهاد، و يخلص الفكر من الوقوع في براثن الاتجاه الواحد أي الاتجاه الدغمائي القطعي، فإنه يجب أن يلتزم بتلك الضوابط التي وضعها ابن رشد حتى لا يقع في إسقاطات ذاتية أو إيديولوجية أو غنوصية مثل تلك التي وقعت فيها الاتجاهات الصوفية الفلسفية و الباطنية في التراث العربي و الإسلامي، و التي حاربها ابن رشد- و من قبله حاربها الغزالي- مستخدما العقلانية الصارمة و معتمدا على البرهان.
و الاتجاه التأويلي عند ابن رشد، يسمح بمزيد من الحرية الفكرية، من حيث أنه يقصر أمر التأويل من ناحية على العلماء المجتهدين، و يخضع اجتهادهم من ناحية ثانية لضوابط شرعية تجعل للمصيب أجرين و للمخطىء أجرا واحدا، و تجنب المفكرين وصمة التكفير و إلقاء تهم الزندقة و المروق عليهم من حيث اقتناعهم بأن مثل هذه المسائل النظرية عويصة، و تبحث في ضوء كثير من الاعتبارات الفكرية و العقائدية(3).
و من هنا يشكل مفهوم التأويل عند ابن رشد مخرجا علميا و دينيا مناسبا في عصرنا للتخلص من الاتجاهات الحرفية و الظاهرية و الدغمائية التي تحاول بعض الجماعات الأصولية اعتناقها و الدفاع عنها، محرضة عن مستجدات العصر و تطوراته العلمية و الحضارية من ناحية، و ناسية أو متناسية ذلك الأفق المفتوح لسيل المعاني و المفاهيم الإلهية التي يمكن أن يصل إليها فكر المجتهدين و الحكماء ممن ينظرون و يعتبرون في نصوص إلهية لا تنفذ معانيها و لا تخلق لطائفها على مر السنين، متسلحين في ذلك بالعلم الصحيح و بالفكر المنفتح.
و من غرائب عصرنا أن تكثر الفرق و المذاهب ذات الاتجاهات الدينية الجامدة و المتوقفة عند ظواهر النصوص الدينية لا تبرحها، بل تزداد انغلاقا على مفاهيم تخطاها الزمان، باحثة عن حلول لمشكلاتها في الماضي، في الوقت الذي تزداد فيه المعارف البشرية و تتضاعف النظريات العلمية بسيل جارف لا تستطيع العقول البشرية ملاحقته، بحيث أصبح التغير و التطور سمة أساسية من سمات العصر، هذا الاتجاه المغلق يكرس التخلف في عالمنا العربي و الإسلامي و يوسع مساحة الفجوة الحضارية و الثقافية بيننا و بين عالم الغرب، و يسقطنا في دوغمائية كريهة.
و لا ننسى أن مفهوم التأويل الذي يصل إليه ابن رشد و يتوج به فلسفته الدينية و العقلية معا، لم يصل إليه إلا بفضل حسه النقدي و تأسيسه لمنهج تحليلي نقدي يقوم على العقل، شرحنا من قبل معطياته، فإن التأويل يصير غير ممكن إلا بوصفه وجها آخر للنقد، فالتأويل نقد إلى درجة معينة، و النقد تأويل إلى درجة معينة.
و لكن يمكننا إدراج التأويل في صلب المحاولات النقدية براحة أكثر، ذلك أن التأويل يتبنى معظم وسائل النقد للوصول إلى طرحه، و إن كان يتميز بمراوغة و قدرة كبيرة على استبطان غاياته، و لكن التداخل الكبير بينهما لا يلغي الفوارق من حيث طرق الاستدلال و التفكيك و الاستنطاق.
يقول ابن رشد أن في جميع الحالات يؤدي النظر البرهاني إلى معرفة الموجود في حالة سكت عنه الشرع، فهنا وجب البحث فيه كما هو الشأن في الإستنباط الفقهي بالقياس الشرع، و إذا كان الموجود قد نطق به الشرع ، فلا يخالف ظاهر هذا النطق مع ما يدعوا إليه البرهان ، و إذا ظهر تعارض بين ما وصل إليه البرهان و ما بينه الشرع ، هنا وجب أن نطلب التأويل (4) .
أما المعنى أو المفهوم فهو نقطة الارتكاز الرئيسية لأجله يستنفر التأويل كل طاقاته لينسف معنى قائما و يبني معنى آخر يحل محله، تسمح به اللغة و لا يتعارض مع معطيات العلم، بل لقد تولده مستجدات العلم و مستحدثاته، إذ يمارس التأويل كل حذاقته لنفي هذا المعنى الذي يحتل موقع التفسير بالنسبة إلى النص، ليؤكد زيف عقلانية هذا المعنى القائم، و ليؤسس له معنى جديدا جديرا باتساع أفق الرؤية و اتساع دائرة المعقول.
و هكذا تتعدد المفاهيم و المعاني التي يكتشفها العقل بتعدد طبقات الاكتشافات العلمية و الفكرية التي أصبحت تتوالد من نسق المعرفة الإنسانية اللامتناهي، خاصة و أن العقول في عصرنا أخذ يقتطع مساحات كبيرة من أفكار و مفاهيم و رؤى كنا نعتقد أنها تقع في ساحة اللامعقول.
و لا مفر للنص من مواجهة الموت- كما يقول الباحث عبد الواحد علواني”- إلا من خلال بعدين أساسيين يجب توفرهما فيه ليبقى نصا حيا.. و مثلما التواصل و التناسل ضروريان لاستمرار أي كائن حي، لابد للنص من التمكن من العالمية بمعنى(التواصل) و من الأزلية بمعنى التناسل (الاستيلاد) فأجيال المعاني المتجددة تضمن استمرار النص و تحميه من الزوال و الموت. فبدلا من موت النص، يموت المعنى المترهل، ليظهر عوضا عنه معنى جديدا نضر متألق بزي العصر حاملا في صلبه روح النص.
و يمكننا هنا أن نتوقع المفاهيم الجديدة التي يجب أن تدخل في الرؤية الدينية و تمد النصوص الدينية القديمة برؤية جديدة معاصرة و بانفتاح مشروع يجمع بين المقدس و الزماني، و في الوقت الذي يراعي فيه الأبعاد الإلهية السرمدية لا يغفل المقاصد البشرية التي جاءت الشريعة لخدمتها و تيسيرها، و بذلك يتم الربط يبن الإلهي و الإنساني، و الجمع بين السرمدي و الزماني، و يكتسب كل ذلك مشروعيته من خلال الفهم المتجدد للدين الذي ينص عليه الشرع(5).
و يجب أن نعي انعدام عالمية النص دلالة على مقاييسه النسبية المحددة و انعدام أزليته دليل على اقتصاره على واقع معرفي معين يموت بانقضائه، أما النص المالك لعالميته و أزليته فهو مستمر متوالد. نص ممتد و خارق.
إن ابن رشد – الذي أسهم كفقيه في إرساء علم مقاصد الشريعة- يلجأ إلى هذا المفهوم لتأسيس رؤية عقلية للشريعة لا غناء عنها من اجل إثراء المعاني و المفاهيم التي لا تتناهى في النص الديني، و إن كان هذا التأويل لا يستطيعه إلا الحكيم أو العالم المجتهد، الذي هو وحده بفضل المنطق و العلم الصحيح أعرف بسر التشريع وبمقاصد الشريعة(6).
و بمخارج التأويل التي وظفها ابن رشد، تمكن من تأكيد لحمة الشريعة و الحكمة، التي عمل عليها في فصل المقال، متسائلا ، هل النظر في الفلسفة و علوم المنطق مباح بالشرع هذا كله في كتابه فصل المقال و تقرير ما بين الشريعة و الحكمة من الإتصال ، مجيبا على تلك الإشكالية التي كانت في صورتها : هل النظر الفلسفي مباح في الشرع أم محضور؟.
عن هذا الإشكال أجاب إبن رشد ممهدا لمشروعه الفلسفي التوفيقي بين العقل و الإيمان و مدى إستلزام أحدهما للأخر، بادئا بتعريف الفلسفة على أنها ليست سوى النظر في الموجودات و اعتبارها من جهة دلالتها على الصانع، أما الشرع يدعوا إلى معرفة هذه الكائنات بواسطة العقل(7).
لقد إنتهج ابن رشد في بداية توفيقه بين الحكمة و الشريعة،عندما وضع الدين في ميزان العقل ، لتأكيد مدى تطابق الحكمة مع الشريعة و إمكانية التوفيق بينهما، مؤكدا أن فهم أحدهما لا يكتمل إلا بالأخر و هو ما تسعى إليه الفلسفة، فكلاهما يسعى إلى البحث عن الحقيقة الحقة التي عنها قال ابن رشد ” …إن الحكمة هي صاحبة الشريعة و الأخت الرضيعة مع ما يقع بينهما من العداوة و البغضاء و المشاجرة و هما المصطحبتان بالطبع، المتحابتان بالجوهر و الغريزة”(8)، و ما جاء به الدين من حقائق كونية هو نفسه ما يستخلصه العقل من دراسته للكون دراسة علمية مباشرة، فهذا النهج ظهر في فصل المقال و تقرير ما بين الشريعة و الحكمة من الإتصال، و الذي تضمن مسلك النتائج التي تمكن منها العقل و حققها منتهيا إلى ما أورده الشرع من أدلة مطابقة لتلك النتائج هو المسلك الذي إنطلق منه ابن رشد من الدين لينتهي إلى النتائج التي كان العقل قد وصل إليها في دراسته للكون و مدى تطابقهما في ذلك التي قال عنها إبن رشد” فالصواب أن تعلم فرقة من الجمهور التي ترى أن الشريعة مخالفة للحكمة، إنها ليست مخالفة لها و ذلك بأن يعرف كل واحد من الفريقين أنه لم يقف على كنههما بالحقيقة، اضطررنا في مناهج الأدلة أن نعرف أصول الشريعة ، فإن أصولها إذا وجدت أشد مطابقة للحكمة مما أول فيها، و كذلك الرأي الذي ظن في الحكمة أنه مخالف للشريعة لم يحط علما بالحكمة و لا الشريعة، و لذلك اضطررنا نحن أيضا إلى وضع قول فصل المقال في موافقة الحكمة للشريعة”(9)، و هذا عينه ما خص به ابن رشد كتابه مناهج الأدلة(10).
أما التأويلات التي أقامت مذاهب و فرق كلامية، كلها في نظر ابن رشد ناقصة، لأن أصحابها لا يملكون منطق البرهان (منطقهم إما خطابي** أو جدلي)، و لا العلم الصحيح (علوم الفلسفة)، لذا فإن ابن رشد يتجاوزها كلها ليصل مباشرة إلى النص القرآني، سيطوي تراجعا في الزمن أجيال العلماء أي ما سمي في العلم الإسلامي “بالطبقات” سيرتد فوق طبقات الفقهاء و المحدثين و المتكلمين و الصوفية ليتصل مباشرة بالنص المقدس.
خاصة و أنه لا يعترف بإجماع العلماء، بل يقطع بأن هذا الإجماع لم يسبق أن وقع بين العلماء، لأنه يستحيل القيام بإحصاء شامل لجميع العلماء في أي عصر حتى نعرف ما اجتمعوا عليه، وما اختلفوا من أجله. وما أكثر ما نبه إلى أن كثيرا مما اعتبر( أصولا) ليست كذلك و إنما هي صياغات لاحقة(11). أما فيما يتصل بالبرهان فقد تزود به بفضل دراسته لأرسطو، و معرفته لمنطقه و تحليله لمؤلفاته كما مر بنا حتى صار الشارح الأعظم، و من هنا تجاوزه أيضا لمفاهيم و أفكار الإسلاميين الذين حرفوا مؤلفات أرسطو، كالفارابي و ابن سينا، اعتمادا على العقل الخالص و البرهان المنطقي، فقد كانت قراءتهم لأرسطو أو تأويلهم لمفاهيمه منحرفة ذهبت إلى نقيض ما كان يدعو إليه.
و يجب أن نعلم أن القراءة الممارسة – في الدين و الفلسفة- ابتغاء التأويل تبقى أسيرة تأويل محدد يكون أساسا في خدمة أغراض محددة أو منقادة لطريقة النص و فهمه، أما القراءة الممارسة ابتغاء الفهم و إن بقيت أسيرة منهجية استدلالية فإنها تكون أكثر علمية و أكثر قدرة على استنباط ماهية النص و أولياته.
و من هنا يعتبر التأويل نوعا من المزاوجة بين الدين و الفلسفة، أو هو فهم للدين من خلال الفلسفة، لأنه لا يمكن التأويل في نظره أي تفسير النص الديني إلا باستخدام التأويل المعتمد على البرهان، و الاستنباط العقلي المنضبط بضوابط اللغة المنزل بها النص الديني، و الالتزام بدلالات هذه اللغة.
و لذلك نعتبر أن الدين و الفلسفة عند ابن رشد قد اتحدت في وعاء التأويل اتحادا جوهريا من حيث يفتح التأويل للعالم و الفيلسوف بابا واسعا للاجتهاد الديني غير المقيد بمذهب والذي يجعل للحقيقة العقلية و الرؤية الفلسفية ضرب من الاجتهاد كما يعلن عنه عنوانه.
ولا ننسى أنه لكي يتمكن الفيلسوف –في نظر ابن رشد – من التأويل لابد أن يكون مستكملا لكل أدوات المجتهد، فلا يقوم بالتأويل إلا العلماء و الحكماء الذين وصلوا إلى مرحلة الاجتهاد، فالتمكن من النصوص حفظا و إطلاعا و نقدا و تحليلا شرط أساسي لكل مبتدئ في طريق الاجتهاد. و أما العروض و المناقشات الفقهية الطويلة فليست إلا امتدادا لهذا الأصل الذي يعني به ابن رشد عناية بالغة في مؤلفه السابق.
و من الواجب في نظره العدول عن التأويل العامة، خوفا من ترديهم في هاوية الضلال كما حدث مع بداية الحقبة المعاصرة في بقاع العالم الإسلامي. فالعوام لا يفهمون التأويلات و لو صحت، و ما مهمة الشارع إلا حفظ النفوس إن وجدت، و السعي في طلبها إن فقدت، و ليس له تعليم الحقيقة يقول ابن رشد:” ليس كل ما سكت عنه الشرع من العلوم يجب أن يفصح عنه و يصرح به للجمهور العظيم، فينبغي أن يسكت عن الخوض عما سكت عنه الشرع، و يعرف الجمهور أن عقول الناس مقصرة عن الخوض في هذه الأشياء، و لا يتعدى التعليم الشرعي المصرح به في الشرع، إذ هو التعليم المشترك للجميع، الكافي في بلوغ سعادتهم(12).
و يرى ابن رشد أن للشرع معنيين: معنى باطني و معنى ظاهر، و إن كان في الحقيقة يعتبران معنى فلسفيا واحدا، يرد إليه الظاهر –و إن خالفه- بالتأويل، و الإيمان و المعرفة العقلية شيء واحد عنده، في هذا الشأن في كتاب التهافت.
“إن العلم المتلقي من قبل الوحي ، إنما جاء متمما لعلوم العقل، أعني أن كل ما عجز عنه العقل أفاده الله تعالى من قبل الوحي”(13). و الأنبياء هم أقدر الناس –بفضل الله في مخيلتهم- على النطق بما يتفق و عقلية العامة و حثهم على الفضيلة بالترغيب و الترهيب، أما الحكيم فإن عقله لا يستطيع أن يقوم بمهمة الوحي، التي هي خاصة الأنبياء إذ” كل نبي حكيم، و ليس كل حكيم نبيا”(14).
أما معنى التأويل الذي لا يستطيع إلا الحكماء، فله معنى لغوي و آخر اصطلاحي، فالمعنى اللغوي يعني الرجيع: و أل بمعنى رجع، فالتأويل بمعناه اللغوي يعني الرجوع و العودة.
و هناك معان اصطلاحية للتأويل، فاستخدمه كثير من المتأخرين من المتكلمين في الفقه و أصوله بمعنى صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به، و أيضا بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، كما قال تعالى :”(فهل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق)” و تأويل ما في القرآن من أخبار المعاد، هو ما أخبر الله به فيه مما يكون من القيامة و الحساب و الجزاء و الجنة و النار و نحو ذلك، كما قال تعالى في قصة يوسف لما سجد له أبواه و أخوته”قال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل” فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرِؤيا.
و يعرف الجويني التأويل: “أنه رد الظاهر إلى ما إليه مآله في دعوى المؤول”، ومعنى هذا إعطاء معنى يحتمل الظاهر ومعرفة المراد، لكن هذا الخروج عن الظاهر و تركه لابد من قرائن تدعو إليه و تعضده، و أيضا لابد أن لا يخرج التأويل عن معاني اللغة و أن لا يكون ملغزا أو مبهما، يؤكد الجويني هذا المعنى . فيذكر ضرورة تقييد التأويل بقواعد اللغة و مراعاة أساليب البلاغة،فيقول:”إنما يسوغ في التأويلات ما يسوغه الضحاء و يرى عدم حمل الألفاظ على النادر الشاذ”(15).
و نفس المعنى للتأويل و شروطه و ضرورة تقيده بما تقتضيه اللغة و البلاغة نجده عند ابن رشد حيث يعرف التأويل بأنه إخراج الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية، من غير أن يخل ذلك بعادة لسان العرب في التجوز في تسمية الشيء بشبيهه، أو سببه، أو لاحقه، أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء التي عددت في تعريف أصناف الكلام المجازي.(16)
و يزيد ابن رشد في هذه الضوابط بما يتناسب مع البرهان العقلي الذي يرتضيه في التأويل، فالتأويل يعني مجاوزة النص، لكن هذه المجاوزة لابد أن تخضع لقواعد اللغة العربية التي نزل بها النص وبما تسمح به اللغة و الصرف من استخدام الكلمات، فيبحث المؤول عن استخدامات أخرى للفظ المؤول في القرآن، بحيث يعضد به تأويله، و يبحث أيضا عن استخدامات اللفظ في اللغة و العرف، مما يؤكد ما ذهب إليه في التأويل فضلا عن ضوابط البرهان العقلي الذي يؤكده ابن رشد.
و من هذا يتبين أن التأويل يسعى إلى احتلال موقع التفسير في بيان معنى النص، بينما يسعى إلى التفسير إلى بيان سلامة التأويل الذي يمارسه على الرغم من تداخلهما، إلا لأن ثمة فارقا واضحا يميزهما، يتجلى أساسا في التوصيف الذي أورده”ابن الجوزي” موضحا الفرق بين التأويل و التفسير بقوله:” التأويل : العدول عن ظاهر اللفظ إلى معنى لا يقتضيه لدليل عليه، و للتفسير: هو إبداء المعنى المستتر باللفظ”.
فالتأويل هو بحث عما هو أول و أساسي، أما التفسير فهو توضيح للملغز أو المستتر خلف بنيته المعنوية، أو بمعنى آخر فإن التفسير يترك للظاهر (ظاهر النص) قيمة ما، أما التأويل فإنه يلغي ظاهر النص.
التفسير يعني بشكل آخر الحكم على معنى النص و تحديده، و هو بذلك يختزل النص إلى مادة لزمن التفسير ليس إلا، أما التأويل فيعني السير في الطريق الفكري الذي يفتحه النص، لأي الاتجاه نحو ما يضيء النص و يشرف عليه من معاني و مفاهيم ولطائف.
و نظرا لأن القرآن يفسر بعضه بعضا، و معنى ذلك أنه إذا وجدت آية يخالف ظاهرها ما قام عليه البرهان العقلي، فلابد أن تكون هناك آية أخرى يشهد ظاهرها على المعنى الحقيقي المقصود بالآية الأولى، أي الموافق لما يقرره العقل.
يقول ابن رشد:”أنه ما من منطوق به في الشرع مخالف لما أدى إليه البرهان إلا إذا اعتبر الشرع و تضمنت سائر أجزائه، وجد في ألفاظ الشرع ما يشهد لذلك التأويل أو يقارب أن يشهد”.
و من هنا كان التأويل معناه: إعادة بناء القول الديني بناء عقليا مع احترام وحدته الداخلية. و فصل ابن رشد في قضية منهجية فصلا حاسما، نعني بذلك ما يؤول و ما لا يؤول، و هكذا فانسجاما مع نزعته، يقرر أن الدين يقوم على ثلاثة مبادئ لا يجوز قط تأويلها، و هذه المبادئ هي:
1- الإقرار بالله.
2- الإقرار بالنبوات.
3-الإقرار باليوم الآخر(17).
و من هنا كان من غير الجائز تأويل الآيات التي تدعو إلى الإيمان – إيمانا قلبيا- بالله و ملائكته و رسله و اليوم الآخر، أما ما عدا ذلك، إي ما يترتب عن هذه المبادىء من نتائج و مقدمات يعبر الخطاب الديني عنها –في الغالب- تعبيرا مجازيا حسيا، فهي قابلة للتأويل، و لكن ضمن شروط و قواعد يمكن إجمالها في ثلاثة رئيسية:
1- احترام خصائص الأسلوب العربي في التعبير.
2- احترام الوحدة الداخلية للقول الديني.
3- مراعاة المستوى المعرفي لمن يوجه إليه التأويل.
و من هنا كان التأويل هو مخاطبة الناس حسب عقولهم،أي حسب مستواهم الفكري و المعرفي، تلك هي المبادئ الثلاثة التي تستند إليها نظرية ابن رشد في التأويل، و هي نفسها المبادئ التي يرتكز عليها في تحليله لأصناف القول الديني:” تحليلا نظريا منطقيا يأخذ بعين الاعتبار الكامل، و في آن واحد، طبيعة الدال و المدلول و المقدمات و النتائج”.
و هكذا يحلل ابن رشد الخطاب القرآني من زوايا ثلاث: الدال(الظاهر) المدلول(المعنى)، علاقة النتائج بالمقدمات(18).
أولا: فإذا نظر ابن رشد إلى القول القرآني من زاوية الدال أي المعنى الظاهر لألفاظه وجده ثلاثة أصناف:
1- ظاهر من الشرع يفهم منه نفس المعنى بالطرق الثلاث: البرهانية، و الجدلية، و الخطابية، و هذا لا يجوز تأويله البتة.
2- ظاهر من الشرع يعتمد التعبير الحسي و الخيالي، و هذا يجب على أهل البرهان تأويله، و يمنع ذلك على غيرهم.
-3 ظاهر من الشرع متردد بين هذين الصنفين، فيقع فيه الشك و اشتباهه، و تأويل العلماء له مسألة اجتهاد، و المخطئ فيه معذور على كل حال.(19)
ثانيا: و إذا نظر ابن رشد إلى القول القرآني حسب المعنى المقصود من ألفاظه وجده خمسة أصناف:
1- قول يكون المعنى المقصود به معبرا عنه بمثال، و لكن لا يعلم هذا المعنى، إلا بتركيب قياسات بعيدة تتعلم في زمن طويل، و لا يعلم أيضا أن المثال المصرح به هو غير الممثل له إلا بمثل هذا البعد.
هذا النوع من القول مقصور تأويله على العلماء فقط لأنهم يستطيعون تركيب القياسات البعيدة المطلوبة.
2- قول يدرك المعنى المقصود به بعلم قريب من خلال المثال الذي يشير إليه و بعلم قريب كذلك ملاذا كان مثالا: هذا الصنف واجب تأويله، و واجب التصريح بهذا التأويل.
3- قول يدرك المعنى المقصود بالمثال الذي يعبر عنه بعلم قريب، ولكن يعلم بعلم بعيد، ولكن لا يدرك بعلم قريب ملاذا كان مثالا، و هذا مقصور تأويله على العلماء فقط.
4- قول عكس هذا و هو ما يدرك فيه المعنى المقصود من المثال الذي يعبر عنه بعلم بعيد، ولكن لا يدرك بعلم قري ملاذا كان مثالا، و هذا مقصور تأويله على العلماء فقط.
5- قول يكون المعنى المصرح به فيه هو نفس المعنى المقصود، أي أن التعبير فيه جاء بأسلوب مباشر، دون تمثيل حسي أو خيالي، و هذا النوع لا يجوز تأويله البتة(20).
ثالثا: أما إذا نظر ابن رشد إلى القول القرآني من زاوية علاقة النتائج فيه بمقدماتها فإنه يجده أربعة أصناف:
1- قول مقدماته يقينية و نتائجه معبر عنها تعبيرا مباشرا بدون مثالات. هذا الصنف لا يجوز فيه التأويل، لا في مقدماته ولا في نتائجه.
2- قول مقدماته يقينية و لكن نتائجه معبر عنها بمثالات، و هذا الصنف يجوز تأويل نتائجه دون مقدماته.
3- قول مقدماته غير مصاغة بالطرق اليقينية و لكن نتائجه مقصودة لذاتها و هذا الصنف لا يجوز تأويل نتائجه، ولكن يجوز تأويل مقدماته بالشكل الذي يجعلها تنتج تلك المقدمات نفسها بالطرق البرهانية.
– 4 قول مقدماته غير مصاغة بالطرق البرهانية ونتائجه كذلك مثالا لما أريد إنتاجه، و هذا الصنف يجب على العلماء تأويله، و على الجمهور إقراره على ظاهره فقط (21).
من هذه التصنيفات كلها، ذات الطابع المنطقي الواضح، ندرك جيدا أن ابن رشد لا يقصد ب(التأويل) اكتشاف حقيقة أخرى، غير تلك الحقيقة التي يتضمنها القول الديني نفسه إما تصريحا و إما تلميحا.
فالتأويل في جوهره، هو ربط النتائج بالمقدمات و المقدمات بالنتائج داخل القول الديني نفسه، و البحث عن المعنى المقصود وراء التعابير المجازية و الأمثلة الحسية، و ذلك بشكل يجعل مدلول القول الديني على وفاق مع ما يقرره البرهان العقلي.
و الضابط الأساسي في عملية التأويل هذه،هي القاعدة التي تحكم أساليب التعبير في اللغة العربية التي هي لغة القرآني الكريم، و بذلك يكون للتأويل صناعة لغوية في جزء منه، هذا القيد اللغوي ضروري حتى لا يجنح للتأويل إلى أمور بعيدة كل البعد عن مجال الخطاب القرآني، فالأمر هنا لا يتعلق برد (الظاهر) إلى (باطن) غريب عن مدلول الظاهر، بل فقط إعطاء الظاهر معناه من خلال السياق القرآني و يشكل ما يبرز في جانب المنطق و المعقولية.
و يجب أن ننتبه إلى أن الظاهر و الباطن عند ابن رشد لا علاقة لهما بالظاهر و الباطن عند الصوفية أو عند الشيعة الباطنية أو غيرهما من الاتجاهات الغنوصية التي انتشرت عند الشيعة و إخوان الصفا، و لا علاقة لها بما روجته الأفلاطونية كما سادت عند كل من الفرابي و ابن سينا، يقول ابن رشد: ” إن الظاهر هو تلك الأمثال المضروبة لتلك المعاني، و الباطن هو تلك المعاني التي لا تتجلى إلا لأهل البرهان(22).
و هي تتجلى لأهل البرهان، لا لأنهم يملكون”علم الباطن” بل لأنهم يستطيعون ربط الأمثال الحسية بمدلولها العقلي، ورد النتائج إلى مقدماتها أو العكس، إن الأمر إذن لا يعني وجود “امتياز معرفي”خص به أناس دون آخرين، ولكن فقط بمستوى الإدراك و الفهم، إنه تماما(الاجتهاد) بمعناه العام”.
و يميز ابن رشد بين التأويل الجدلي*** و التأويل البرهاني****، و ذلك على أساس طبيعة المقدمات التي يتكون منها كل منهما، فالقياس الجدلي يقوم على مقدمات مشهورة أو مظنونة سواء وجدت فيها شروط المقدمات اليقينية أو لم توجد، وصناعة الجدل تبطل الآراء بأقاويل مشهورة لا يؤمن أن ينطوي فيها الكذب، وبالجملة من غلب عليه الجدل، كثيرا ما يؤديه ذلك إلى اعتقاد أمور خارجة و بعيدة عن طبيعة الشيء، و العلة في ذلك أن طلب الكلام المقنع من غير أن يعتبر هل هو مطابق للموجود أو غير مطابق، يفضي به إلى اعتقادات كاذبة مخترعة ( 23).
و على هذا فأهل الجدل غير مؤهلين للقيام بالتأويل، لأن منهجهم قاصر عن بلوغ مرتبة اليقين، و قد عاب ابن رشد طريقة التأويل عند المتكلمين خاصة الأشاعرة، حيث أن طرقهم التي سلكوها في إثبات تأويلاتهم ليست ملائمة للجمهور أو الخواص.
فهي لا تلائم الجمهور لكونها غامضة و معقدة، و لا تلائم الخواص لأنها تفقد شرط البرهان. أما التأويل البرهاني فهو يقوم على الأدلة البرهانية، و هذه الأدلة من المبادئ الأولية للعقل و هي واضحة بذاتها، و يستنتج منها بسلسلة من القياسات الدقيقة المرتبطة بعضها ببعض ارتباطا وثيقا، نتائج تشترك في الوضوح و البداهة، و في يقين المقدمات”.
و القياس البرهاني هو قياس يقيني و هو يفيد علم الشيء على ما هو عليه، و هو الموصل إلى العلم الحقيقي(24). و من هنا يصبح التأويل قاصرا على أهل البرهان الراسخون في العلم و الحكمة. أما الجمهور فلا يصرح له بذلك.
و يرى ابن رشد أن إذاعة التأويل لغير أهله يؤدي إلى ضرر عظيم، يفضي بالمصرح له و المصرح إلى الكفر. لأن المقصود هو إبطال الظاهر و إثبات المؤول، فإذا بطل الظاهر عند من هو من أهل الظاهر، و لم يثبت المؤول عنده، أداه ذلك إلى الكفر و إن كان في أصول الشريعة، فالتأويلات ليس ينبغي أن يصرح بها للجمهور، و لا تثبت في الكتب الخطبية أو الجدلية(25) و لا تثبت التأويلات إلا في الكتب البرهانية، لأنه لا يطلع عليها إلا أصحاب الفطر قليل بين الناس( 26) .
و لكن ما هو حكم المخطئ في التأويل عند ابن رشد؟
إن طبيعة التأويل تعني الاحتمال لا القطع، و هذا يؤدي إلى أن المعنى لا ينحصر مفهومه انحصارا تاما في معنى واحد يتفق عليه الجميع، لذا كانت طبيعة التأويل تحتمل الاختلاف إن لم تكن مؤدية إليه.
لكن هل يعني الاختلاف أن يكفر كل أصحاب رأي مخالفيه؟
هنا يتبدى التسامح الكامل عند ابن رشد، و يتكشف ذلك الأفق المفتوح، في المعرفة الدينية و الفلسفية عنده و النابع من الفهم الكامل للتأول وللاجتهاد معا. حيث يصنف ابن رشد الخطأ الذي يمكن أن يقع في الشريعة إلى نوعين رئيسيين:
الأول: خطأ لا يعذر فيه أحد من الناس، فإن وقع الخطأ في مبادئ الشريعة، فهو
كفر، و إن وقع فيما بعد المبادئ، فهو بدعة(27)، و كما ذكرنا من قبل فإن مبادئ الشريعة الثلاث لا تؤول و هي: الإقرار بالله، و بالنبوات و باليوم الآخر.
الثاني: يختص فيمن يقومون بالتأويل من أهل الاجتهاد، فإذا وقعوا في الخطأ لشبهة عرضت لهم، فهم معذورون، اعتمادا على قول النبي صلى الله عليه و سلم إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجر و إن أخطأ فله أجران، و أي حاكم أعظم من الذي يحكم على الوجود بأنه كذا، و ليس كذا، و هؤلاء هم العلماء الذين خصهم الله بالتأويل، و هذا الخطأ مصفوح عنه في الشرع، أما الذين ليس لهم حق التأويل و هم غير العلماء فلا عذر لهم، و على هذا فهذا النوع من الخطأ يعذر فيه أهل النظر و لا يعذر فيه من ليس من أهل النظر”.(28)
و الناس في الشريعة على ثلاثة أصناف في نظر ابن رشد:
1- صنف ليس من أهل التأويل أصلا، و هم الخطابيون الذين هم الجمهور الغالب، و ذلك أنه ليس يوجد أحد سليم العقل يعرف هذا النوع من التصديق(29)
– و صنف هو من أهل التأويل الجدلي، و هؤلاء هم الجدليون بالطبع ، أو بالطبع و العادة(30).
3- و صنف هم من أهل التأويل اليقيني ، و هؤلاء هم البرهانيون بالطبع و الصناعة، أي صناعة الحكمة، و هذا التأويل ليس ينبغي أن يصرح به لأهل الجدل فضلا عن الجمهور.
و من هنا تمكن ابن رشد من الدفاع عن الفلاسفة و آراءهم بكتابة “تهافت التهافت” ضد اتهام الغزالي لهم بالكفر لقولهم بقدم العالم و نفي حشر ا؟لأجساد و نفي علم بالجزئيات، فهذه الأمور ليست من مبادئ الشريعة و تحتمل الاختلاف و التأويل، خاصة و أن الفلاسفة يقرون بأصول هذه المبادئ، فهم يؤمنون بوجود الله تعالى و قدمه و بعلمه الكلي و بالمعاد، و إن اختلفوا في كيفية ذلك.
و من هنا يتبين لنا كيف يجعل ابن رشد من التأويل سبيلا إلى الفهم المنفتح، خاصة حين يكون المجتهد متمكنا من أدواته، بذلا كل جهده العقلي لاستشراف المعاني الخبيثة، التي يتضمنها النص الديني.
هذا التأويل يجعل من النص المقدس نصا ثريا و غنيا و منفتح الأفق بما لا يتناهى، بل يجعله مفتوحا على كل فهم ممكن في المستقبل، خاصة و أن المعاني الإلهية المتضمنة في النصوص المقدسة غير محدودة بحدود الزمان أو المكان أو مفاهيم البشر “قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي و لو جئنا بمثله مددا”
و يجب أن نعي أن مصطلح التأويل بقدر ما يظهر مستباحا فإنه أيضا –كجزء من عملية الفهم- داخل صلب القراءة المستفهمة عن كنه النص و معناه الأول/ الأساس، خاصة وأن ابن رشد يدعو في مؤلفاته الأساسية إلى العودة إلى النص لفهم معانيه.
لكن القراءة التأويلية بحد ذاتها تثير من خلال توصيفها اختلافا بينا بين مفهومها الإسلامي كما هي عند ابن رشد الذي يمثل التأويل عنده ركيزة أساسية و سبيلا إلى الاجتهاد و بين مفهومها الغربي، خاصة تلك القراءة التي تتناول النص المقدس.
أمام هذا الزخم الفكر الثري ، يظهر لنا صدق ابن رشد الذي لا زال قائما اليوم، و نحن نعيش تنبأته التي كان يخشى حدوثها، خاصة منها ما تعلق بجدل الدين و العقل و ما ينتج عنهما من أحكام مستعجلة، التي بسببها إضطرب الناس كل الإضطراب، و حدثت فرق ضالة، و أصناف مختلفة ، كل واحد منهم يرى على أنه على الشريعة الأولى ، و أن من خالفه إما يبتدع و إما كافر مستباح الدم و المال( 31).
لقد وعى ابن رشد جيدا مدى خطورة تعارض الدين مع الفلسفة ، بل هي أزمة لا يمكن تجاوزها إلا عن طريق التحليل العقلي الصارم لها و للعوالم التي تتغذى منها ، و المتمثلة في كل من الشريعة و من الحكمة ، و في تعارضهما المزعوم و ذلك وصولا إلى محاصرتها و إلى إجتثاثها نهائيا.
بذلك استقطبت كل من الشريعة و الحكمة كل مجهود ابن رشد ، فتوجه في فصل المقال إلى الفقهاء ، و بمنهاهج الأدلة إلى عامة الناس، و بتهافت التهافت للفلاسفة و أصحاب البرهان .
و بعد بحث مضن في هذه العلاقة حتى وجد ابن رشد ما يكاد يتوقف عند الشريعة حتى يجد نفسه مدفوعا من طرفها نحو الحكمة ، او عند الحكمة حتى يجد نفسه مدفوعا من طرفها نحو الشريعة.فالعلاقة التي تربط الحكمة بالشريعة هي ليست بعلاقة تضاد و تنافر، بقدر ما هي علاقة تجاذب جدلي حي مفتوح على الإنسان و على الكون المتواجد فيه.
لقد رام ابن رشد مثل أي مفكر حرصه على مستقبل أمته، و إعادة ذلك الحوار الطبيعي المفتوح بين الشريعة و الحكمة ، إيمانا منه بأنه لا حياة و لا تجديد للأمة العربية الإسلامية دونه.
                                             مونيس بخضرة
التهميش:
*- التأويل: صرف اللفظ من معناه الظاهر، إلى معنى يحتمله إذا كان المحتمل الذي يراه، موافقا للكتاب و السنة، و يشترط في التأويل معرفة الأصول و معرفة الإستنباط من تلك الأصول بالقياس.أنظر بركات محمد مراد: ابن رشد فيلسوفا معاصرا، مصر العربية للنشر و التوزيع القاهرة 2002 ص 147.
1- سورة آل عمران أية 07
2- إبن رشد: فصل المقال ص 19-20.
3- بركات محمد مراد: ابن رشد فيلسوفا معاصرا، مصر العربية للنشر و التوزيع، القاهرة ص 155.
4- فصل المقال، ص 32.
5- بركات محمد مراد: المرجع السابق ص 157.
6- ابن رشد: مناهج الأدلة، ص 132.
7- يوسف فرحات: الفلسفة الإسلامية و أعلامها، ترادسكيم شركة مساهمة سويسرية جينف ، ط1 1986، ص192.
8- فصل المقال، ص 18.
9- إبن رشد : مناهج الأدلة، ص 184.
**- المنطق الخطابي: هو مؤلف من المظنونات أو من المقبولات، و الغرض منه ترغيب الناس فيما ينفعهم،أنظر ابن سينا: الإشارات و التنبيهات ص 226.
10- مونيس بخضرة: تاريخ الوعي ص مقاربات فلسفية حول جدلية ارتقاء الوعي بالواقع، الدار العربية للعلوم و منشورات الإختلاف و مؤسسة محمد بن راشد أل المكتوم، ط1 دبي – بيروت 2009. ص
11- فصل المقال ص 43.
12- ابن رشد: التهافت التهافت ص 428-428.
13- التهافت التهافت ص 255.
14- المصدر نفسه ص 273.
15- بركات محمد مراد: المرجع السابق ص 146.
16- فصل المقال ص 20.
17- المصدر نفسه ص 23.
18- بركات محمد مراد: المرجع السابق ص 148.
19- فصل المقال ص 24.
20- مناهج الأدلة ص 155.
21- فصل المقال ص 29.
22- المصدر نفسه ص 16.
***- القياس البرهاني: هو مؤلف من مقدمات الواجب قبولها، إذا كانت ضرورية يستنتج منها الضروري، أو ممكنة يستنتج منها الممكن- أنظر ابن سينا: الإشارات و التنبيهات، ج1، دار المعارف القاهرة 1960 ص 510.
****- القياس الجدلي: هو مؤلف من المشهورات و التقريرات الواجبة أو الممكنة أو الممتنعة. أنظر ابن سينا : الإشارات و التنبيهات، ص 211.
23- عاطف العراقي: النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد ص 302.
24- المرجع نفسه ص 301.
25- فصل المقال ص 57.
26- التهافت التهافت ص 551.
27- فصل المقال ص 25.
28- المصدر نفسه ص 42.
29- فصل المقال ص 56.
30- المصدر نفسه ص 56.
31- حمانة بخاري: ص .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق