الخميس، 5 فبراير 2026

 نظرية المعرفة في المنظور الإسلامي:

دراسة إبستمولوجية مقارنة بالفكر الفلسفي الحديث

                                                                       الدكتور هشام بالرّايس

     تُعدّ نظرية المعرفة (théorie de la connaissance / épistémologie) من أبرز الحقول الفلسفية التي تحدد طبيعة الفكر الإنساني وحدوده، إذ تبحث في مصادر المعرفة، وآليات إنتاجها، ومعايير صدقها، وحدودها. وقد شهد الفكر الغربي الحديث تحولات عميقة في هذا المجال، بدءًا من العقلانية الديكارتية، مرورًا بالنقد الكانطي، وصولًا إلى التحولات البنيوية وما بعد البنيوية، حيث لم تعد المعرفة تُفهم بوصفها انعكاسًا مباشرًا للواقع، بل باعتبارها بناءً معرفيًا (construction cognitive)  مشروطًا بالبنى الذهنية والاجتماعية والتاريخية.

     في المقابل، يقدّم الفكر الإسلامي نموذجًا معرفيًا متميّزًا، لا يقوم على الفصل بين العقل والوحي، ولا على القطيعة بين المعرفة والقيم، بل يؤسس لإبستمولوجيا تكاملية épistémologie) integrative) تتداخل فيها مصادر المعرفة الثلاثة: الوحي (révélation) والعقل (raison) والتجربة الحسية (expérience sensible) ضمن أفق توحيدي يجعل المعرفة جزءًا من رؤية شاملة للوجود والإنسان والمعنى.

     ومن هنا تنطلق هذه الدراسة من الإشكالية التالية: هل يمكن الحديث عن نظرية معرفة إسلامية متكاملة، وما طبيعتها الإبستمولوجية، وكيف يمكن مقارنتها بالنماذج الفلسفية الحديثة، ولا سيما الفرنسية؟

وتسعى الدراسة إلى تحقيق الأهداف الآتية:

1.    الكشف عن الأسس الإبستمولوجية للمعرفة في الفكر الإسلامي.

2.    تحليل نماذج فلسفية إسلامية كبرى.

3.    مقارنة الإبستمولوجيا الإسلامية بالفكر الفلسفي الحديث.

4.    إبراز القيمة المعرفية للنموذج الإسلامي في سياق الفكر المعاصر.

     وقد اعتمد البحث على مناهج متعددة: المنهج التحليلي، والمنهج التاريخي المقارن، والمنهج النقدي، والمنهج التأويلي (herméneutique).

الأسس الأنطولوجية والإبستمولوجية للمعرفة في الإسلام: العلاقة بين الوجود والمعرفة

     تنطلق الإبستمولوجيا الإسلامية من تصور خاص للعلاقة بين الوجود والمعرفة، حيث لا تُفهم المعرفة باعتبارها مجرد تمثيل ذهني للواقع، بل باعتبارها مشاركة وجودية participation) (ontologique في الحقيقة. فالقرآن الكريم يجعل الكون مجالًا للقراءة والتأويل، إذ يقول تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾.

     يشير هذا التصور إلى أن المعرفة ليست مجرد عملية عقلية، بل فعل تأويلي acte) herméneutique)  يربط الظاهر بالحقيقة المتعالية. ومن هنا يمكن القول إن الكون في الفكر الإسلامي يمثل بنية دلالية (structure sémiotique) تتحول فيها الموجودات إلى علامات تشير إلى المعنى الأعلى.

     وقد عبّر ابن سينا عن هذه العلاقة بقوله: "إن العلم هو حصول صورة الشيء في العقل، وهو تعريف يكشف عن تصور معرفي يتجاوز الثنائية الصارمة بين الذات والموضوع"[1].

التوحيد بوصفه إطارًا إبستمولوجيًا

     يمثل التوحيد البنية المرجعية العليا التي تنتظم داخلها المعرفة في الإسلام. فالتوحيد ليس مجرد عقيدة دينية، بل مبدأ معرفي ينظم العلاقة بين الإنسان والعالم والحقيقة. ويؤكد إسماعيل الفاروقي أن التوحيد يمنح المعرفة الإسلامية وحدتها الداخلية.[2]

وبذلك تقوم الإبستمولوجيا الإسلامية على وحدة الحقيقة، في مقابل النزعة التفكيكية التي ميزت الفكر الغربي الحديث.

العقل في الفكر الإسلامي

     لا يُفهم العقل في الإسلام بوصفه أداة منطقية صورية فحسب، بل باعتباره قدرة مركبة تشمل الإدراك، الفهم، التأويل، والحكم القيمي. وقد ميّز ابن سينا بين مراتب العقل، من العقل الهيولاني إلى العقل الفعّال[3]، مما يعكس تصورًا ميتافيزيقيًا للمعرفة.

     أما الغزالي، فقد أكد محدودية العقل، معتبرًا أن الحقيقة المطلقة لا تُدرك بالعقل وحده، بل تحتاج إلى نور الوحي والتجربة الروحية[4]. في حين دافع ابن رشد عن العقل، مؤكدًا أن الشريعة تدعو إلى النظر العقلي، وأن التعارض بين العقل والوحي ليس حقيقيًا بل ظاهريًا[5].

مصادر المعرفة في الإسلام: الوحي بوصفه مصدرًا معرفيًا متعاليًا

     يمثل الوحي في الإسلام مصدرًا معرفيًا يتجاوز العقل والتجربة، ويُعدّ معرفة فوق عقلية (savoir supra-rationnel ) وقد أكد القرآن الكريم مركزية الوحي في المعرفة بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾[6].

     ويُفهم الوحي في الفكر الإسلامي بوصفه معيارًا للحقيقة  (critère de vérité)لا منافسًا للعقل. وقد عبّر ابن تيمية عن هذا المبدأ بقوله: "صريح المعقول لا يعارض صحيح المنقول"[7].

الحسّ والتجربة

     لم يهمل الفكر الإسلامي دور التجربة الحسية، بل اعتبرها أساسًا للمعرفة العلمية. وقد أسهم علماء المسلمون في تطوير المنهج التجريبي، كما يظهر في أعمال ابن الهيثم، الذي أكد أن البحث العلمي يبدأ بالملاحظة والاستقراء[8].ويمثل هذا التصور نموذجًا لما يمكن تسميته بـ "العقل التجريبي الإسلامي ( .(raison empirique islamique

التكامل بين مصادر المعرفة

     تتميز الإبستمولوجيا الإسلامية بقدرتها على دمج مصادر المعرفة الثلاثة في نموذج واحد:

المعرفة = الوحي + العقل + التجربة. ويمثل هذا النموذج بديلاً عن النماذج الغربية التي غالبًا ما تفصل بين هذه العناصر.

البنية الإبستمولوجية للمعرفة في الفكر الإسلامي: مفهوم الحقيقة

     يميّز الفكر الإسلامي بين الحقيقة المطلقة والحقيقة النسبية. فالحقيقة المطلقة يمثلها الوحي، أما الحقيقة النسبية فهي ما يدركه العقل والحسّ في حدود قدرتهما. وقد عبّر القرآن عن محدودية المعرفة الإنسانية بقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾[9].

     ويقترب هذا التصور من موقف كانط الذي ميّز بين الظواهر والشيء في ذاته، غير أن الفكر الإسلامي لا يعزل الغيب عن المعرفة، بل يدمجه ضمن أفقها عبر الوحي.

العلاقة بين المعرفة والقيمة

     يربط الفكر الإسلامي المعرفة بالقيمة الأخلاقية، حيث لا تُفهم المعرفة بوصفها نشاطًا محايدًا، بل فعلًا أخلاقيًا موجّهًا. فالقرآن يربط العلم بالخشية:﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾[10]. وبذلك يرفض الفكر الإسلامي الفصل بين المعرفة والقيمة (séparation entre savoir et valeur)، وهو الفصل الذي ميز الحداثة الغربية.

نماذج إبستمولوجية في الفكر الإسلامي: الغزالي وإبستمولوجيا الشك واليقين

     مارس الغزالي شكًا منهجيًا للوصول إلى اليقين، معتبرًا أن العقل وحده غير كافٍ لإدراك الحقيقة المطلقة. وقد أكد أن المعرفة الحقيقية تتحقق بالكشف والذوق[11]. ويمثل موقفه تأسيسًا لإبستمولوجيا تعترف بحدود العقل وتفتح المجال للوحي والتجربة الروحية.

ابن سينا وإبستمولوجيا العقل الميتافيزيقي

     أسس ابن سينا نظرية عقلية متكاملة، تربط بين الحسّ والعقل والعقل الفعال. ورأى أن المعرفة تبدأ بالحسّ لكنها تكتمل بالعقل[12]. ويمثل مشروعه نموذجًا للعقلانية الإسلامية المرتبطة بالميتافيزيقا.

 

ابن رشد وإبستمولوجيا التوفيق

     دافع ابن رشد عن وحدة الحقيقة، مؤكّدًا أن العقل والوحي متكاملان، وأن التأويل يمثل آلية معرفية لحل التعارض الظاهري بينهما[13]. يمثل مشروعه ذروة النضج في الإبستمولوجيا الإسلامية.

نظرية المعرفة في الفكر الفلسفي الحديث:

ديكارت والعقلانية الحديثة

     أسس ديكارت المعرفة على الكوجيتو[14]، وجعل العقل مصدر اليقين. غير أن هذا التحول يمثل قطيعة مع المرجعية الميتافيزيقية، حيث أصبحت الذات معيار الحقيقة.

ومن منظور الفكر الإسلامي، تمثل العقلانية الديكارتية اختزالًا لمصادر المعرفة في العقل وحده.

كانط وحدود العقل

     ميّز كانط بين عالم الظواهر وعالم الأشياء في ذاتها، معتبرًا أن العقل محدود في إدراك الحقيقة[15].
     ويقارب هذا التصور التمييز الإسلامي بين عالم الشهادة وعالم الغيب، غير أن الفكر الإسلامي يفتح المجال لمعرفة الغيب عبر الوحي.

باشلار والقطيعة الإبستمولوجية

     يرى باشلار أن المعرفة العلمية تتقدم عبر القطيعة مع المعرفة العادية[16]. غير أن هذا التصور يؤدي إلى فصل المعرفة العلمية عن المعنى الوجودي والقيمي. في المقابل، يرفض الفكر الإسلامي القطيعة المطلقة، ويؤكد الاستمرارية بين المعرفة الحسية والعقلية والروحية.

 

فوكو والمعرفة بوصفها خطابًا

     يرى فوكو أن المعرفة مرتبطة بالسلطة، وأن الحقيقة ليست مطلقة بل نتاج خطابي[17].
ويمثل هذا التصور ذروة النسبية المعرفية، في حين يحتفظ الفكر الإسلامي بفكرة الحقيقة المطلقة.

المقارنة الإبستمولوجية

البعد

الفكر الإسلامي

الفكر الفلسفي الحديث

مصادر المعرفة

الوحي والعقل والحس

العقل أو التجربة

طبيعة الحقيقة

مطلقة في الوحي نسبية في العقل

نسبية

العلاقة بالقيم

تكامل المعرفة والقيم

فصل المعرفة عن القيم

حدود المعرفة

مفتوحة على الغيب عبر الوحي

محصورة في العقل والتجربة

الغاية

الهداية

السيطرة والمعرفة لأجل المعرفة

     يتضح من المقارنة أن الإبستمولوجيا الإسلامية تقدم نموذجًا معرفيًا أوسع من النماذج الغربية الحديثة.

الخاتمة العامة

     خلصت هذه الدراسة إلى أن نظرية المعرفة في الإسلام ليست مجرد تراث فكري، بل نموذج إبستمولوجي متكامل يقوم على التكامل بين العقل والوحي والتجربة، ويربط المعرفة بالقيم والغاية.

     كما كشفت المقارنة مع الفكر الفلسفي الحديث أن الحداثة الغربية قامت على الاختزال المعرفي[18]، بينما يقوم الفكر الإسلامي على الشمول والتكامل.

     ومن ثمّ يمكن القول إن الإبستمولوجيا الإسلامية تمثل مشروعًا فلسفيًا مفتوحًا، قادرًا على الحوار مع الفكر الحديث، وعلى تقديم نموذج معرفي بديل يسهم في تجاوز أزمة المعرفة المعاصرة.

 

قائمة المراجع الموحدة

المراجع العربية

  • الغزالي، أبو حامد، المنقذ من الضلال، بيروت، دار الآفاق الجديدة، 1965.
  • الغزالي، أبو حامد، تهافت الفلاسفة، القاهرة، دار المعارف، 1966.
  • ابن سينا، الشفاء، القاهرة، دار المعارف، 1967.
  • ابن رشد، فصل المقال، القاهرة، دار المعارف، 1982.
  • ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، الرياض، جامعة الإمام، 1979.
  • الفاروقي، إسماعيل، التوحيد ومضامينه الحضارية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2001.

المراجع الفرنسية والفلسفية

·     Descartes, René, Méditations métaphysiques, Paris, GF Flammarion, 1996.

·       Bachelard, Gaston, La formation de l’esprit scientifique, Paris, Vrin, 1938.    

·       Foucault, Michel, Les mots et les choses, Paris, Gallimard, 1966.

·       Ricœur, Paul, Le conflit des interprétations, Paris, Seuil, 1969.

 



[1] هي صياغة مشهورة في التراث الفلسفي الإسلامي، لكنها ليست مقتبسة حرفيًا من نص واحد محدد لابن سينا بهذه الصيغة، بل هي تلخيص مدرسي لتعريفه للعلم والمعرفة، وقد ورد معناها في عدة مواضع من كتبه مثل قوله: "والعلم عبارة عن إدراك الشيء على ما هو عليه". ابن سينا، الشفاء: المنطق (البرهان)، تحقيق: إبراهيم مدكور وآخرين، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ج1، ص 15 بتصرف.

[2] إسماعيل الفاروقي، التوحيد ومضامينه الحضارية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2001، ص 45.

[3] ابن سينا، النجاة، بيروت، دار الآفاق الجديدة، 1985، ص 112.

[4] الغزالي، المنقذ من الضلال، بيروت، دار الآفاق الجديدة، 1965، ص 62.

[5] ابن رشد، فصل المقال، القاهرة، دار المعارف، 1982، ص 31.

[6] سورة النساء، الآية 113.

[7] ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، الرياض، 1979، ج1، ص 85.

[8] ابن الهيثم، المناظر، الكويت، 1983، ج1، ص 45.

[9] سورة الإسراء، الآية 85.

[10] سورة فاطر، الآية 28.

[11] الغزالي، تهافت الفلاسفة، القاهرة، 1966، ص 75.

[12] ابن سينا، الشفاء، قسم النفس، ص 120.

[13] ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة، القاهرة، 1972، ص 54.

[14] Descartes, René, Méditations métaphysiques, Paris, GF Flammarion, 1996.

[15] Kant, Immanuel, Critique de la raison pure, Paris, PUF, 1985.

[16] Bachelard, Gaston, La formation de l’esprit scientifique, Paris, Vrin.

[17] Foucault, Michel, Les mots et les choses, Paris, Gallimard, 1966.

Ricœur, Paul, Le conflit des interprétations, Paris, Seuil, 1969.