أ.د/ علي
بن محمّد الصّولي-الجامعة الزيتونية- تونس
لا شكّ أنّنا اليوم في أمس الحاجة إلى إعادة النّظر في قراءاتنا التقليدية للفكر الإصلاحي العربي-الإسلامي المعاصر، كضرورة قصوى لفهم أعمق لأسباب تعثّر النّهوض الحضاري للشعوب العربيّة والإسلاميّة، ولن يحصل ذلك إلاّ بالتحرّر:
· أولا من القراءات التحقيريّة للمحاولات الإصلاحية لروّاد النّهضة بتعلّة أنّها تتّسم بالعموم والولاء للسّلطة الحاكمة والنخبويّة، ثمّ العداء للمعارف الجديدة.
· ثانيا: الابتعاد عن القراءات التمجيديّة التي ترى فيما طرحه رجال الإصلاح مشروعا ينتظر من يفعّله ويهيئ له الأرضية السياسية الملائمة دون نقد أو مراجعة.
في حين أنّ الواقع التّاريخي المعاصر أكّد لنا –من جديد- أنّ فهم الأمة لذاتها هو الأساس وهو المنطلق لأيّ بناء حضاري، حقيقي، وذلك باستيعاب قيمة ودور الجذور العقدية التي صاغت كياننا الحضاري، واسترداد فاعيّليتها في واقعنا الاجتماعي.
فالحضارة كما يشير إلى ذلك مالك بن نبي[1] لا تستطيع أن تكون ثمرة فكرها قائمة على قاعدة أساسيّة تحمل عناصر الثبات من خلال العقيدة التي تدين بها.. وهي بالتالي الضامنة لإحداث حركة دائمة متصلة بالمحيط والعصر دون أن تخرجها هذه الحركة عن قاعدتها وأصولها، وما يجعلها قادرة على العطاء والتجدد مع متغيرات الزّمن.. ولنا في المثال الياباني خير جواب.
والسؤال المركزي هو في كيفيّة استعادة الهويّة الإسلاميّة دون أن نعتزل العصر وتطوّراته وإمكاناته العلميّة والتقنيّة، بمعنى آخر محاولة تحقيق المعادلة التي من خلالها نربح العصر دون فقدان عطائنا الرّوحي الضّامن للدّفع الحضاري والتّوازن النفسي في علاقة جدليّة تصاعديّة.
ومن هذا المنطلق، كان لزاما علينا إعادة تقييم المسار الإصلاحي المعاصر في أسس تفكيره وفي محاولات تجسيمها على أرض الواقع وما بقي من آثارها على المستويين النّظري والعملي.
إنّ الفكر الإسلامي الإصلاحي ومنذ أن تبلورت ملامحه الأولى في أواخر القرن 13هـ/19م، تميّز -عبر مسيرته الصّعبة والمضطربة- باتّجاهين اثنين طبعا مختلف أطواره قديما وحديثا.
· فالاتّجاه الأوّل: يرى أنّ العمليّة الإصلاحيّة تهدف إلى تحقيق المطابقة بين الإسلام -الاجتماعي والإسلام المعياري- هذا الاختيار تميز بطغيان الحضور السياسي وإعطائه الأولويّة نظرا لأنّ الإصلاح المنشود لا يتحقّق على أرض الواقع إلاّ عبر سلطة سياسيّة فاعلة ومستنيرة تعبّر عنه وتدافع عن اختياراته.
· أمّا الاتّجاه الثاني: فيرى ضرورة التصدّي لكلّ أصناف التّقليد المعارضة أو المتناقضة مع أسس ومبادئ الإسلام وثوابته والتشّجيع –في الآن نفسه- على تقليد «الأصل» الذي سيحقّق هويّة المسلم القائمة على مطابقة «الإسلام-الأصل»[2].
وإذا كان كلّ تغيير يقع خارج هذا الإطار المرجعي فهو يعتبر تحريفا يضرّ بالمجتمع. ذلك أنّ الاتّجاه الأوّل يطالب بالعودة إلى «الاجتهاد» بمعنى شرح جديد متجدّد للنّصوص وليس مواكبة لمعطيات المجتمع الذي تغيّر. هذا التصوّر جرى على نهجه المفكّرون قرونا طويلة قبل التواصل والاحتكاك بالوافد الغربي، حيث اعتبر أنّ الخلل مأتاه من المجتمع الإسلامي نفسه، وكذلك بسبب اتّساع الهوّة بينه وبين الإسلام المعياري. إلاّ أنّ هذا التصوّر قد تغيّر مع بداية النّفوذ والضغط الذي مارسه الغرب على العالمين العربي والإسلامي منذ أواخر القرن 12هـ/ 18م، حين اضطرّ المسلمون إلى الالتجاء نحو الآخر لاستجلاب عناصر الإصلاح الحضاري على المستويين النّظري والعلمي: من ذلك أنّ الخطاب الإصلاحي المعاصر غيّر منطقه وآلياته بالرّغم من إبقائه على شعارات الإصلاح التقليدي مثل إرجاع ما حلّ بالمسلمين من ضعف وتخلّف إلى الفُرقة والخلافات، والدعوة إلى الوحدة ونقد البدع السيئة والمطالبة بالاجتهاد.. وذلك بالاعتماد على مرجعيّة الجيل الإسلامي الأوّل أو ما يعرف بمصطلح «السلف الصالح».
أمّا الاتجاه الثاني: فإنّه يختلف في جملة من المسائل والقضايا مع الاتجاه الأوّل، من ذلك الوعي بالتأخّر الحضاري والاعتراف بأنّ ضعف المسلمين وانهيارهم، -وإنْ كان مرجعه الفارق الفاصل بين المجتمع والإسلام- فإنّ سببه الرئيسي يكمن في انقلاب العلاقة بينهم وبين الغرب من التفوّق إلى الانحطاط، فأدركوا أنّ ذلك التفوّق لم يكن ماديّا –كما ذهب إليه البعض- بل فكريّا ثمّ سياسيّا بالأساس، وهو ما يفسّر تذبذب المنهج الإصلاحي الحديث الذي راوح بين التّربوي والسيّاسي من أجل تحقيق النّهضة المنشودة، فبقي يشكو من ثغرات هامة، علّ أبرزها شبه غياب الاهتمام بالفكر الاقتصادي وكذلك الاجتماعي وضرورة إعطائه المكانة التي يستحقّها في العمليّة الإصلاحيّة الشّاملة، حيث أدرك أصحابها أنّ الوعي بتعدّد الأسس أو العلّل والاهتمام بمعالجتها جذريّا هو الأصل في طريق التقدّم.. فلم تظهر هذه الرّؤيّة الشموليّة إلاّ في وقت متأخّر جدّا بعد أن امتدّت المخطّطات الاستعماريّة والامبرياليّة إلى معظم أجزاء الأمّة وفرّخت أعوانها السياسيين "والمثقّفين" من داخل المجتمعات الإسلاميّة، فزادت من تعقيد الأوضاع وتخبّط الرؤى.
ورغم التشويه وكذلك التعتيم الذي مورس على رموز الحركة الإصلاحيّة وترويج أدبيّات من الدّاخل والخارج هدفها اتّهام تلك المحاولات الإصلاحيّة بالرّجعيّة والظلاميّة والشدّ إلى الوراء، فإنّنا نجد في مقابل ذلك تضخيم وتمجيد بعض المواقف التي هي عبارة عن صدى ساذج وباهت لمواقف غربيّة آلت على نفسها أن تمنحنا بديلها الحضاري الشامل ولو كان ذلك قِسْريا[3]. بل إنّ بعض الأقلام تجرّأت على أن تقنع الأجيال الحاضرة على أنّه من المستحيل أن يتم التّحديث إلاّ عبر المثال الغربي وأنّ المنظومة الفكريّة الإسلاميّة بمصدريها القرآني والحديثي غير قادرة على إفراز قيم التقدّم في العصر الحديث وأنّ الزّمن تجاوزها. وحتّى المحاولات التأصيليّة والبوادر الفكريّة العمليّة التي قام بها المسلمون المنفتحون على إنجازات الغرب منذ القرن 19م، اعتبرتها المدرسة –التي نُعتت بالتحديثيّة- بأنّها تلفيقيّة فاشلة.
فكانت النّتيجة أن تنافرت اتّجاهات النّخب الفكريّة في أوّل الأمر ثمّ هيّمن التّيار الناصر للبديل الغربي بعد أن انتهكت النّخب الإسلاميّة في معركتها مع المستعمر وأقصيت بقساوة حتّى التيارات الإسلاميّة المستنيرة التي قامت بمحاولات عديدة للبرهنة على أنّها قادرة على إنجاح المعادلة بين الأصالة والمعاصرة، ولكن من المؤسف أنّ تلك النّخب المنعوتة بالحداثيّة أصرّت بكل عناد –وخاصة في المثال التونسي- على محاربة كلّ المحاولات التأصيليّة ورفض كلّ مصالحة مع التّاريخ والتّراث العربي-الإسلامي بالنّقد والبنّاء والمراجعات الشّجاعة ومحاولة تقريب وجهات النّظر مع التيّار الإسلامي المستنّير، بل أصرّت ولا زالت تصرّ بأنّ كل ذي مرجعيّة إسلامية هو آليّا فكر عاجز على إفراز الحداثة والتقدّم وأنّه لا بديل لنا إلاّ الأنموذج الحداثي الغربي رغم فشل كل المشاريع الوطنيّة التي راجت بعد موجات ما يُسمّى بالاستقلال، حيث تحوّلت تلك الحداثة –المبشّر بها والمدعومة من الأنظمة السياسية المحليّة– إلى حداثة للتأخّر وتنمية للتّخلّف وتقدّم للاستهلاك السّاذج نحو مزيد من التّبعيّة[4] وهو ما أثبته الواقع بعد أكثر من نصف قرن من فرض ذلك الأنموذج وتجاهل هؤلاء أنّه لا يمكن تحقيق الحداثة الحقيقيّة من موقع التبعيّة الثقافيّة –بالأساس- والاقتصادية والتقنيّة وحتّى الغذائيّة. بل إنّ هؤلاء المعاندون المكابرون يبرّرون فشل مشاريعهم بأنّ الشّعب بتخلّفه الحضاري هو المسؤول الحقيقي عن فشل تلك المشاريع وأنّه لم يكن في مستوى اللحظة التّاريخيّة للحداثة الغربيّة.
واجتهد هؤلاء في تحطيم مكوّنات المجتمع الرّوحيّة والفكريّة والأخلاقيّة وحتّى الإنسانيّة والمجتّمعيّة حتّى يهيئوا تلك الأرضيّة التّي تساعد على تمرير تلك الرؤى المدّعية للحداثة بشقيّها الليبرالي واليساري.
فكانت النّتيجة مزيد من التّخلّف والفقر والتّيه الحضاري والقيّمي. وفي المقابل بروز ونموّ فكر سلفي ماضوي لا يعترف بإنجازات التّاريخ الإسلامي والإنساني كرد فعل على سياسة الإقصاء والتهميش والقمع الذي مارسته ولا تزال تمارسه تلك الأنظمة[5].
في حين كان حريّ بنا أن نعيد البناء من خلال قراءة تقييمية موضوعيّة لتلك المحاولات الإصلاحيّة الأولى التي حاولت بكلّ وعي وجديّة إلى تحديد العلاقة بين الإصلاح الديني وقضايا التّقدّم مع توضيح طبيعة هذه العلاقة.
فالمصلح الدّيني قام بمحاولات للعثور على الأسباب العميقة والأساسيّة التي أفرزت التخلّف والانحطاط للأمة والفرد، فتبيّن أنّ هذا التردّي الحضاري هو نتيجة صيرورة تاريخيّة ومعقّدة ومتداخلة من العلاقات الداخليّة والخارجيّة تعود بالأساس إلى الابتعاد عن روح الدّين الإسلامي الذي تحوّل إلى شعارات عامّة فضفاضة وإلى ممارسات شكلية وفي بعض الأحيان فلكلوريّة وإلى تكرار ظاهر ما أفرزه العقل الإسلامي عبر تاريخه الطويل من خلال قراءة حرفيّة –سطحيّة لهذا التراث العظيم، فحالت بيننا وبين روحه أسوار النقول الباهتّة البعيدة عن المنهج التقييمي والقراءة المقاصديّة[6].
وبالتّالي غدت شعارات العودة إلى ينابيع الإسلام الأولى لا معنى ولا فائدة مرجوّة منها إلاّ عبر قراءة واعية بالواقع وتحدياته الدّاخلية والخارجية أي قراءة تاريخيّة لا مثاليّة لإنجازات الماضي واستشراف المستقبل المنشود بفكر متسلّح بآليات تجمع بين الأصالة بمعنى أصالة المنهج الإسلامي والعاصرة، أي الوعي بإنجازات الحاضر الكوني الذي لا يتضارب وروح الإسلام.
إنّ البحث عن الإسلام النّقيّ الخالي من الصّدأ الذي علُق به والرّغبة في تطهيره من دنس الجاهليّة القديمة والمعاصرة، وقد خلق ميلين لدى المصلحين وهما:
- العودة إلى الينبوع المحمّدي فكرا وممارسة، وكذلك التأمل واستخلاص الحِكم من فلسفة الحُكم الرّاشدي في المستويين الاجتماعي والسياسي.
- أمّا الميل الثاني فيتمثّل في التدليل على غياب التنّاقض بين الإسلام والاتجاهات الإنسانية المعاصرة والعلوم المستحدثة في شتّى الميادين العلمية والإنسانية ذات المنشأ الغربي.
- في هذا الإطار طُرحت تساؤلات جوهريّة كمحاولة جادة تهدف إلى الخروج من الأزمة الحضارية التي طال ليلها. فبرزت مجموعة من المؤلفات والدّراسات والمقالات تتلمّس الطريق نحو التّقدّم المنشود، فكانت جلّ هذه التساؤلات قد انضوت تحت سؤال أو سؤالين كبيرين وهما:
1. لماذا تأخّر المسلمون وتقدّم غيرهم؟
2. وما سر تقدّم أوروبا أو الغرب عموما وهي التي لا تملك الماضي المجيد الحضاري للمسلمين؟
3. وأضيف كيف يتمّ تحقيق المعادلة الصّعبة بين الأصالة والمعاصرة التي نجحت فيها اليابان رغم أنّها كانت أكثر تخلّفا من العالمين العربي والإسلامي قبل الثّورة التي أحدثتها إصلاحات الإمبراطور "مايجي" في القرن التّاسع عشر؟[7] بل أكثر من ذلك توجد اليوم دلائل كثيرة عن تجارب نهضوية فكريّة سياسية واقتصادية برزت نجاحاتها على أرض الواقع في الربع الأخير من القرن العشرين مثل ماليزيا، وهي تجارب محليّة استندت إلى قراءة مستنيرة لتراثها الحضاري بشقيه الديني والثقافي[8].
وقد دلّ الواقع التاريخي المعاصر على فشل المشاريع النهضويّة أو ما يسمّى بالتنمويّة للأنظمة العربيّة منذ موجة الاستقلالات إلى يومنا هذا رغم الثروات الطبيعية الهائلة التي تتمتع بها الكثير من تلك البلدان. ولم تقتنع تلك الأنظمة ورموزها الفكريّة والإيديولوجيّة أن أيّ تيار فكري أو مشروع سياسي أو اجتماعي لا ينطلق من روّح المجتمع ومن أسسه الحضاريّة العامّة في بعديها الديني الإسلامي والثقافي العربي سيظل تيارا واهما ومموّها مهمّا أطلق على نفسه من مصطلحات مثل «الحداثي» و«العلماني» و«التقدمي» و«الديمقراطي».
فهناك إشكاليات وتساؤلات محوريّة توضّح لنا مكانة الدّين عموما والإسلام بالخصوص في إنجاح المشاريع النهضويّة أو التحديثيّة، وصلته المباشرة بقيمنا السياسيّة والاجتماعيّة وبالتالي بالهويّة والتحديث[9].
تساؤلات عديدة أردناها مدخلا منهجيا لفهم مسار الفكر الإصلاحي والاجتهادي في واقعنا العربي والإسلامي حتّى لا نقفز على الواقع التاريخي، وذلك بإعادة قراءة المحطات المستنيرة والجريئة في الفكر الإصلاحي التي غُمرت بأتربة التقليد والسطحية والتهميش المتعمد لها من الداخل أي من الحكّام وأصحاب المصالح الماديّة الضيقة الذين يخشون على مصالحهم الآنيّة وقد عرقلوا هذه المحاولات الاجتهاديّة بالتشويه وكذلك بالقوة، وهو نفس الأسلوب الذي مارسته القوى الاستعماريّة والإمبرياليّة الغربيّة على المصلحين الإسلاميين وحركاتهم السياسيّة بسبب وعيهم بخطورة الاستعمار وامتلاكهم لسلاح المرجعيّة الإسلاميّة المقاومة لمخططاتهم والفاضحة لأساليبهم الملتويّة.
إنّ المتأمل في المشاريع الإصلاحيّة لجلّ رواد النهضة العربيّة الإسلاميّة يلحظ بجلاء حرصهم على إعطاء الأولويّة المطلقة لمسألة العلم والتعلّم وعلاقته بالإصلاح الديني، وهو ما يفسر وعي المصلح الإسلامي الثاقب الذي وحد منذ بدايات القرن التاسع عشر بين تقدّم الغرب وتقدّم العلم. ولذا نرى أن المصلح الإسلامي رشّح نفسه داعيا للعلم الذي يحتوي عليه الوحي صراحة وتأويلا، مبرزا بالحجّج العقلية والتاريخيّة أنّ الإسلام في جوهره وروحه قد حثّ على طلب العلم والتعلّم لتحقيق المصلحة والسعادة في الدارين، وذلك ضمن علاقة جدليّة وتكامليّة عجيبة ميّزت الإسلام عن غيره من اللأديان.
وبالتالي فإنّ المطالبة بالعودة القويّة إلى العلم والنّهل من شتّى المعارف مهما تعدّدت مصادرها، ليس في الحقيقة إلاّ دعوة وعودة إلى الإسلام الحقّ –الإسلام الأصيل.
من هذا المنطلق سعى المصلح الإسلامي إلى وجوب تحقيق هذه المعادلة لتجسيم نهضة شاملة متوازنة وحقيقيّة عن طريق: إصلاح ديني كمدخل ضروري لإصلاح الأمّة الإسلاميّة، وشرط أساسي وضروري لتأصيل النهضة الحضاريّة.
وهذا البعث الحضاري لن يتّم إلاّ بالقضاء على الجهل والأميّة وذلك بنشر العلوم والمعارف الحديثة المختلفة حتى يتسنى تحقيق ما "يعرف بالحداثة المناضلة"[10] بمعنى «بناء العلاقات الجديدة السياسية والاجتماعيّة والقانونيّة وكأنه الثمرة الطبيعيّة والضروريّة للاتفاق المبدئي والعميق بين الإسلام وروح العصر، وبين العلم والدّين.
من هذا الوعي حاول الفكر الإصلاحي أن يقدّم بديلا شاملا متوازنا ومتأصلا دون إهمالا لقضايا العصر ومشكلاته، لا أن يقتصر على المجال الدعوي بمفهومه التقليدي أو تجنيد الأقلام للرد على أعداء الإسلام. بل إنّ منهم من تصدى للقضايا الاجتماعية والسياسية بطرح مسألة "دولة المؤسسات" وكيفية حمايتها بقوانين ودساتير تكون موازية لتعليم عصري أصيل يطال كل الفئات الشعبيّة ولا يقتصر على طبقة معينة.
من ذلك ما قدّمه الفكر الإصلاحي التونسي الذي تجاوز الطروحات السطحيّة ليغوص في مسائل معاصرة وواقعيّة تساهم في تحقيق النهضة الشاملة.
ظهرت هذه الآراء والمواقف الجريئة على يد قلّة من المصلحين وعلى رأسهم المصلح الزيتوني المستنير "محمّد بيرم الخامس" (تـــ 1319هــ/1899م) وهو من المصلحين الموسوعيين الذين خاضوا في أكثر قضايا العصر بروح تحرّرية قلّما نجدها في تآليف رجال الإصلاح، إلاّ أنه بقي مغمورا أو شبه مغمور لأسباب سياسيّة داخليّة وخارجيّة، وقد عُرف بكتابه الضخم في الجغرافيا السياسيّة تحت عنوان له دلالات نهضويّة عميقة نحن بحاجة إلى استيعابها من جديد واستثمارها عبر تفكيك آليات خطابه الإصلاحي، وهذا العنوان "صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطار" في خمسة أجزاء، إلى جانب رسائله العلميّة المعبرة عن فتاويه واجتهاداته في أكثر من مجال، كما أصدر جريدة "الإعلام" نُعتت بـــ: "تايمز العرب" حيث كانت سلطات الاحتلال الفرنسي تتحرّج من تسرّبها إلى القطر التونسي وتخشى فضح مخططاتها الاستيطانيّة والاستعماريّة في الجزائر وتونس.
فهذا المصلح كان يؤمن بتوازي الجهود الإصلاحيّة المتنوعة وتلازمها كلها في مسار المشروع النهضوي الحضاري الذي طالب بضرورة إرسائه والدفاع عنه في المجتمع الإسلامي المعاصر.
ورغم صعوبة الأوضاع السياسيّة والداخليّة والخارجيّة وتدهور الاقتصاد القطري وتحجّر العقليات ورفضها لكل تغيّير يمس بمصالحها العاجلة، فإنّ حماس هذا الشيخ الزّيتوني وجرأته النّادرة ومواهبه العلميّة قد منحته الطاقة والقدرة لاقتحام ميادين متشعبة والخوض في قضاياه المعقدة.
وعلى سبيل المثال لا الحصر فإنّ الشيخ بيرم التونسي قد تفطن إلى أهميّة المسألة الاقتصاديّة، وأدرك تأثيرها المباشر على كل عمليّة إصلاحيّة، في حين أنّ المفكرين المسلمين لم يشعروا بجديّة وثقل المشكل الاقتصادي إلاّ في أربعينيات القرن العشرين، فحلّل تدهور أسباب تدهور الحياة الاقتصادية واقترح خططا لإرساء بنيّة تحتيّة ضروريّة لدفع الحركيّة في الاقتصاد مع دعوته إلى استغلال الخامات الطبيعية عوض تسليمها للأجانب، وتطوير الفلاحة وتنشيط التجارة وتشجيع الصناعات المحليّة، وفرض سياسيّة حمائيّة أمام غزو البضاعة الأوروبيّة ومعاقبة مختليسي الأموال العموميّة ومخرّبي الاقتصاد القطري من أعيان ووزراء بتشجيع من الأجانب. كما نقد في المقابل سياسة الضرائب المسلّطة على الأهالي وبيّن انعكساتها السلبيّة على الإنتاج والاستقرار.. ولم يكتف بالنقد والمقارنة وتقديم العديد من المقترحات للنهوض بالاقتصاد –وهو الزّيتوني عالم الدّين- بل أضاف البعد الإنساني في السياسة الاقتصاديّة الجديدة حتى يعمّ الخير على الجميع دون استثناء[11].
كما دعا إلى تنظيم السياسية الماليّة وإنقاذها من الفوضى وتكثيف مراقبة أعوان الدولة وتقنين الحياة الاقتصاديّة وتنظيمها للحدّ من التّجاوزات واستغلال النفوذ الشخصي ومحاربة ظاهرة الرشوة[12].
لقد حاول بيرم أن يطبق –ولو جزءا- من تلك الآراء حين أُسندت إليه في حكومة خير الدين باشا بعض المناصب وبالخصوص إثر رئاسته جريدة "الرائد التونسي".. بل نقل خبرته في تلك الميادين إلى مصر، إثر استقراره بها في العشر سنوات الأخير من عمره القصير (حيث توفي وعمره لم يجاوز تسعة وأربعون عاما). فقدّم برامج عمليّة لإصلاح التعليم بالأزهر، والأوقاف والصحافة والمحاكم في مصر، وقبلها قدّم مشروعا سياسيّا لتطوير الحياة السياسيّة في السلطنة العثمانيّة وسمّاه بــ: ملاحظات سياسية عن التنظيمات اللازمة للدولة العليّة[13] لإصلاح السياسة والقضاء مع المطالبة بإعطاء هامش من الحريّة والتمثيليّة السياسيّة للأقليات العرقيّة والدينيّة في إيالاّت السلطنة العثمانيّة.. فكان جزاؤه أن هدّد بالقتل وفي أفضل الحالات أتهم بالجنون.
كما خاض في قضايا العدل والحريّة، وطالب بتعديل القوانين وتطويرها وسبكها على المنهج المطابق للشريعة المطهرة في جميع جزئياتها حتى يستقيم ميزان العدل ويشتد ظل الأمن. وقد قدّم في الرسالة السابق ذكرها جملة من الاقتراحات والبدائل لإصلاح القضاء وتعصيره وضمان استقلاليته.
ومن أبرز طروحاته السياسيّة حلّم الإنسان العربي والمسلم عموما، مطالبته بالعدل والحريّة والكرامة الإنسانيّة. وقد أدرك هذا الشيخ المجاهد والعالم الفذّ أنّ التمدن الذي بلغته بلدان أوروبا في جميع الميادين كان نتيجة إرساء المؤسسات في المجتمع والدولة، أفرزت بدورها فكرا مؤسساتيا نظم الحياة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة والتربويّة، وساهم في تطويرها وترقيتها، فلا مكان للأهواء والفوضى والتصرفات العشوائيّة وتقلب ميزاج الحكام كما حدث ويحدث إلى يومنا هذا.
وقد أشار إلى فصل السلطات الثلاث واستحسن هذا الأسلوب الذي يهدف إلى الإنصاف ودفع الظلم وهو ما يعود على البلاد العباد بالتحسّن والتحصين.
ولم يقتصر مفهوم هذا الرائد المصلح للمؤسسات على المجالين السياسي والثقافي والتعليمي كما ذهب إلى ذلك المصلح المصري "رافع رفاعة الطهطاوي" بل كان يركز في وصفه على جملة من المؤسّسات العصريّة والاقتصاديّة والصحيّة والاجتماعية، مثل المخابر العلمية والمطابع والمتاحف والمنتزهات والبنى الأساسيّة، وكذلك وسائل الاتّصال والإعلام المتطوّر وانعكاساته الإيجابيّة على حركة التّجارة والعمران.. فهذا المصلح أدرك مبكرّا أنّ غياب الفكر المؤسساتي من حياتنا السياسيّة والفكريّة كان وراء تخلّف المسلمين وضعفهم وتقهقرهم وعجزهم عن تلبيّة أبسط حاجاتهم الضروريّة، وبالتالي عجزهم عن التّصدّي للوافد الغربي ومنافسته.
إنّ سبل دولة المؤسّسات يتطلب فكرا استراتيجيا وفي الآن نفسه تربيّة راقية مأتاها التّعليم العصري والأصيل الذي يرتبط عضويا بوسائل التثقيف الأخرى كروافد ضروريّة لتغيير العقول والارتقاء بها إلى التحضر وصنع الحضارة والمساهمة فيها.
فنحن اليوم بحاجة إلى مثل هذه المحطات الواعية والمستنيرة وهذا الصنف من التّفكير الإصلاحي الذي تجوز الشّعارات التقليديّة واجترار المقولات الفاقدة للبدائل والخارجة عن منطق التّاريخ ولحظاته الحاسمة التي تصنع الحدث والمنعرج الذي ينتقل بنا إلى الأفضل.
إنّ المتأمل في تاريخية الفكر الإسلامي الإصلاحي، يلحظ أنّه –وبعد تلمسه الطريق- قد وضع إصبعه على داء التخلف والتقهقر الذي أصاب المسلمين خصوصا بعد صدمة حملة نابليون بونابرت[14] أواخر القرن الثامن عشر الميلادي وبعدما شاهدوه عيانا في بلاد الغرب من تقدّم حضاري طال جميع المجالات العلمية والاجتماعية والسياسية.. إلاّ أنّ الحالة الاستعمارية حالت دون تطوّر الفكر الإصلاحي الإسلامي وتفاعله مع الواقع إضافة إلى الاستبداد السياسي لحكّام المسلمين.
مع الإشارة إلى أنّ الفكر الإصلاحي عاش تحدّ ثالث في الفترة المعاصرة، كان ولا زال أكثر حدّة من سابقيه نظرا لظهور قضايا فكرية وحضارية وتحديات داخلية وخارجية، خصوصا بعد أنّ ظهرت طبقة من المثقفين في العالمين العربي والإسلامي قد تبنّت الطروحات الغربية بتنوعاتها اليسارية والليبرالية والوجودية..
وفي مواجهة الصنف الثالث من الفكر المعروف بالتغريبي أو "الحداثوي" الذي يعتقد بضرورة الأخذ بنفس مبادئ الغربيين لتحقيق التقدّم والازدهار، كان لزاما على هؤلاء أن يدركوا أنّهم ألغوا التاريخ والعلاقات التاريخية بيننا وبين الغرب وبالتالي ألغينا كل صيرورة المسلسل التاريخي والاجتماعي الذي أدى في أوروبا إلى ظهور الثورة الصناعية والثورة السياسية[15]. وبالتالي لا يمكن تحقيق النهضة الشّاملة والحقيقية إلاّ من خلال ثقافة المجتمع وبيئته المحلية والتاريخية القادرة وحدها على الاستجابة للمشاكل المطروحة بخلق آليات للإجابة عليها.
فكان على الفكر الإسلامي المعاصر أن يستوعب ويواكب تلك الأفكار والمواقف التي ظهرت من خارج المنظومة الفكرية الإسلامية، إضافة إلى بروز تحديات لم تكن قد ظهرت من قبل وبالتحديد قبل الحرب العالمية الثانية مثل: قضايا حوار الحضارات وحوار الأديان وحوار الثقافات.. التي تتطلب مزيدا من الوعي بالمرحلة ومناهجها ومصطلحاتها حتى يتمكن الفكر الإسلامي المعاصر والحركات الإصلاحية الإسلامية من الرد والاستجابة من خلال أدوات جديدة مع الحفاظ على الهوية الفكرية الإسلامية ومصادرها الأساسية وعلى رأسها الوحي الذي انبثقت منه العلوم الإسلامية والتي كانت استجابة مستمرة لتحديات الواقع المتغير في علاقة جدلية بين النص والواقع حتى يستجيب الفكر الإسلامي لتلك التحديات المتنوعة التي نشأت من الداخل الإسلامي المتمثلة في جملة القضايا التي كانت وليدة تراكمات سلبية في المجتمعات الإسلامية. وهذا لا يعني أنّ التأثير الأجنبي فيها غير موجود، ولكن وجوده كان بتشجيع كلّ ما يظهر في العالم الإسلامي ويخدم أهدافه، من ذلك شيوع الخرافات والانحرافات العقدية والسلوكية الموروثة عن عصور الانحطاط. كما تصدّى الفكر الإسلامي للضلالات الخرافات التي ظهرت باسم التصوف الطرقي الشعبي.
ولم يقف الفكر الإسلامي لانتشار الاستبداد السياسي التي عانت ولازالت تعاني منه الأمة الإسلامية، إلى درجة أن تيارا فكريا وحركيا إسلاميا عُرف بالتيار السياسي-الديني، أعطى الأولوية للإصلاح السياسي والسّعي إلى توحيد الكيانات السياسية بدعوة المسلمين إلى الاتحاد ونبذ الفرقة وبرفعه شعار "الجامعة الإسلامية" الذي من شأنه أنّ يحقّق نوعا من الوحدة السياسية بين المسلمين مع بقاء كل حاكم في منصبه ولكن هذه الدعوة –وهي دعوة جمال الدين الأفغاني- طوتها الأحداث المتسارعة قبل أن يدرك السّاسة في ذلك الحين قيمتها.
ومع ازدياد التشرذم في صفوف الأمة الإسلامية، ظهرت العديد من الكتابات التي تحذّر من استمرار الوضع السياسي المتردي، والتطورات الخطيرة التي أصابت العالم الإسلامي. ومع إطلاق صيحة فزع فإنّ الفكر الإسلامي عجز عن وضع الآليات التطبيقية لفكرة الوحدة كما حدث في كيانات سياسية أخرى. وفي المقابل ظهرت كتابات تفضح الاستبداد وتدعو إلى إطلاق الحريات العامة، وتقدم المقترحات والبدائل السياسية[16].
ومن القضايا المهمة التي وقف عندها الفكر الإصلاحي الإسلامي المعاصر قضية التقليد بشقيه الإسلامي: أوله التقليد الحرفي للسلف وتقديم قراءة لا تاريخية وغير واقعية في سائر فروع المعرفة، كما يشمل أيضا طرائق الحياة وأصبحت المحافظة عليها تدخل في دائرة المحافظة على الذات والهوية. وثانيه تقليد طريقة الحياة الغربية، وهو بلا ريب أعظم الأخطار التي تستهدف الهوية والحضارة الإسلامية. وهذا مأتاه أساسا من الاعتقاد الخاطئ بأن الإسلام لم يعد صالحا لهذا العصر فيجب –حسب رأي هؤلاء- أنّ يحوَرَ طبقا للأسس الغربية[17].
وأمام هذا التيار الجارف المهدّد للهوية الإسلامية، حاول الفكر الإسلامي أن يطلق صيحة فزع للتنبيه إلى خطورة الظاهرة، التي يرى فيها سلخا للأمة عن ماضيها مع اتباع أسلوب التدرج في محاربة هذه الظاهرة الخطيرة التي طالت حتى أذواق المسلمين في اللباس والمأكل والمشرب وفي طرائق وأساليب الكلام.. وذلك على المستوى الفردي والاجتماعي والمؤسّساتي.. فحدث بذلك تشويه في الشخصية لم يسبق للمجتمعات الإسلامية أن عاشته وعرفته من قبل..
وقد خاض الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر في كلّ القضايا والتحديات التي واجهت الدولة والمجتمع والدّين، بشكل متفاوت راوح بين السطحية والعمق.
وكلما تصدى الفكر الإسلامي إلى جبهة من الجبهات الفكرية والحضارية إلاّ وبرزت تحديات جديدة أو متجدّدة تحثّه بل تستفزّه وتدخله في متاهات الجدل الذي لا ينتهي، دون أنّ يرسم خطّة علميّة واضحة المعالم يتفق عليها علماء ومثقفو العالم الإسلامي: فطرحت قضية المرأة من جديد التي عولجت فيما مضى بصورة انفعالية بعيدة عن التأسيس العلمي والواقعي المراعي لثوابت الأمة ولسنن تطوّرها.. كما طرحت من جديد مسألة اللغة العربية التي بدأ بدعوات الاستغناء عنها وإبدالها بالعامية وانتهاء بالتفكير في كتابتها بحروف لاتينية، بل وصل الأمر إلى محاولات إدخال التعديلات على النحو العربي ليتفق مع قواعد اللغات الجديدة التي تحل محلّ اللغة الأمّ –لغة القرآن- تمهيدا للإجهاز عليها ومن ثمة الإجهاز على الدّين الإسلامي معها.. وقد كان للفكر الإسلامي في هذا المضمار جولات ولازال التحدي مستمرا إلى الآن في الكتب والجرائد اليوميّة والندوات والمؤتمرات.
هذا إلى جانب تحديات قديمة تطفو من حين إلى آخر على سطح التاريخ المعاصر مثل قضية القومية تأسيّا بالمثال الذي ظهر في أوروبا حيث برزت نزعات كثيرة مثل الطورانية في تركيا والفرعونية في مصر والفينقية في سوريا، والبربرية في شمال إفريقيا. إضافة إلى الطائفية والمذهبية وحكم الإسلام من العقل والعلم وحوار الحضارات والإساءة إلى النبي محمّد صلى الله عليه وسلم.
خــــــــاتمـــــــة
وأمام هذه التحديات ومن خلال ما سبق استعراضه من القضايا التي خاض فيها الفكر الإسلامي المعاصر، يتبيّن لنا أنّه لم يتوقف في الاستجابة للتحديات المطروحة الداخليّة منها والخارجيّة. لكن لا بد أن نسجّل في هذا المقام أنّ الاستجابة أحيانا لم تكن في الوقت المناسب ولا بالحزم المطلوب ولا بالعمق العلمي والمنهجي المنتظر،حيث سلك الفكر الإسلامي المعاصر عدّة مناهج مثل منهجيّة الدفاع خاصة في البدايات الأولى لبروز هذه التحديات أواخر القرن التاسع عشر مع حركة الأفغاني ومحمّد عبده ثم خير الدين باشا التونسي ومحمّد بيرم الخامس التونسي.
كما استعمل الفكر الإسلامي ما يُعرف بـــ: "منهجيّة المهادنة ومراجعة الذات" استشعارا منه بالتأخر الفضيع الذي عليه المسلمون فسعى إلى مهادنة الأجنبي، بل وأحيانا الاقتباس من مناهجه قصد توظيفها في إعادة بناء الذات.
فكان من نتائج ذلك إقبال الكثير من السلمين على علوم الغرب ومناهجه في شتى الميادين طمعا في إيجاد نوع من التوافق بين الإسلام والحضارة الغربية.
ثمّ ظهرت ما يُسمّى بـــ: "منهجية المواجهة والتحدي" خاصة بعد الحرب العالمية الثانية. وقد ازدادت قوتها بعد فشل المشاريع التنموية التي كانت تستند إلى المرجعية الغربية بشقيها الرأسمالي والاشتراكي. وكانت هذه المنهجيّة متمثلة بالخصوص في كتابات محمّد إقبال الذي سعى إلى تيئيس المسلمين من طلب النهوض من الغرب، وكذلك مالك بن نبي حين دعا إلى نهضة تكون من الداخل أوّلا، وكذلك سيد قطب وأبو الأعلى المودودي ومحمّد الغزالي ويوسف القرضاوي (في كتابه الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا). وقد كان لهذه المنهجية الفضل في كشف طاقات هائلة مبدعة لعلماء ومثقفين مسلمين داخل وخارج العالم الإسلامي مثل: محمّد أسد وعبد الوهّاب المسيري وبديع الزمان سعيد النورسي ومالك بن نبي ومحمّد الطاهر بن عاشور وحسن حنفي ومحمّد عمارة ورشيد بن زين وعبد الكريم سيروش من إيران وغيرهم.
كما نشير في هذا السياق أنّ مفكري الإسلام –وموازاة مع المنهجيّة السابقة (المواجهة والتحدي)- سلكوا "منهجيّة الحوار" إيمانا منهم أنّ الحوار مع الآخر ضروري لتبليغ وجهة نظرهم، وفرصة لتصحيح الرؤية الخاطئة عن الإسلام، هذا إلى جانب قناعتهم بوجوب تقديم الهداية الإسلامية إلى العالم، ولن يتحقق ذلك إلاّ من خلال منهج حوار الحضارات أو حوار الأديان.
وهذه المناهج الضرورية في عصرنا هذا سوف تؤدي إلى تجاوز كل أشكال الطرح الجزئي للمفاهيم الإسلامية، ولن يكون ذلك كذلك إلاّ بإعادة في التراكمات التاريخية الموروثة عن القرون السابقة وذلك بإعادة عرضها على ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية، مع طرح وتجاوز القضايا الزائفة والوهمية التي زادت المسلمين فرقة وتيها.. وهذا المنهج عرف بمنهج "المراجعة والنقد". ولعلّ من أبرز مؤسّسيه ورموزه المفكر "طه جابر العلواني" خصوصا في كتابه "إصلاح الفكر الإسلامي".
كما يجدر بنا التفكير -في نهاية هذه الدراسة- بأنّ هذا الوعي التصاعدي للفكر الإسلامي المعاصر قد أفرز بدوره قناعة بضرورة "التنظير" لمواكبة التطورات الهائلة وحركية الحياة المتسارعة وتحدياتها الكبيرة من أجل التأسيس لمنظومة إسلامية في المعرفة قادرة على تقديم البدائل الواقعية في شتّى فروع المعرفة الإسلامية تمهيدا لتأسيس "حداثة إسلامية".
وفي مواجهة الصنف الثالث من الفكر المعروف بالتغريبي أو "الحداثوي" الذي يعتقد بضرورة الأخذ بنفس مبادئ الغربيين لتحقيق التقدّم والازدهار، كان لزاما على هؤلاء أن يدركوا "أنّهم ألغوا التاريخ والعلاقات التاريخية بيننا وبين الغرب وبالتالي ألغينا كل صيرورة المسلسل التاريخي والاجتماعي الذي أدّى في أوروبا إلى ظهور الثورة الصناعية والثورة السياسية" (المبروك المنصوري مكانة الدّين في النهضة اليابانية، ص 156.). وبالتالي لا يمكن تحقيق النهضة الشاملة إلاّ من خلال ثقافة المجتمع وبيئته المحلية والتاريخية القادرة وحدها على الاستجابة للمشاكل المطروحة بخلق آليات للإجابة عليها وهو ماحدث في بعض التجارب التنمويّة المعاصرة مثل اليابان وإندونيسيا وكوريا..
********
أ.د/ علي بن محمّد الصولي-الجامعة الزيتونية- تونس
[1] أنظر: مالك بن نبي، شروط النهضة، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر المعاصر، بيروت.
[2] الصولي (علي) الدين والدولة والمجتمع، دار الطليعة الجديدة، دمشق، الطبعة الأولى، 2003، ص 8.
[3] تجربتي كمال أتاتورك في تركيا بعد سقوط نظام الخلافة سنة 1922، وكذلك بورقيبة وتأثره بالمثال العلماني الفرنسي وفرضه بالقوة منذ سنة 1956.
[4] المثال البورقيبي الموغل في التطرف العلماني المعادي للإسلام ومؤسساته وعلى رأسها جامعة الزيتونة وكذلك تصفية جمعية الأوقاف.
[5] بالنسبة للتجربة الناصرية، أنظر مداخلة: د. وصفي عاشور أبو زيد "قراءة في كتاب: صناعة العالم العربي: جمال عبد الناصر والسيد قطب.. الصدام الذي شكل الشرق الأوسط" مركز رؤية للدراسات والبحوث –بإسطنبول- نشر في: منتدى العلماء، بتاريخ 04 جويلية 2019م.
[6] أنظر: حسن حنفي، ومحمّدعمارة، وأحميدة النيفر، في ربيع الثقافة العربية –مجلة 15/21- التونسية للإسلاميين التقدميين.
[7] ثورة الإمبراطور "مايجي" في القرن التّاسع عشر. التجربة اليابانية.
[8] أنظر التجربة الماليزية والإندونيسية الحديثة.
[9] الشيخ المصلح التونسي محمد بيرم الخامس في كتابه "صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار ولأقطار" رفع شعار: الاعتبار دون انبهار من الماضي التليد والحاضر الغربي المهيمن.
[10] الحداثة المناضلة: يبدو أن حركة الحداثة تمت في المجتمعات المتقدمة بفعل حركية داخلية أساسا عكس ما وقع للمجتمعات التابعة التي عرفتها باعتبارها حركية خارجية أحدثت صدمة حضارية ومخاضا عنيفا لدى المجتمعات الناميةالتي حولت استلهام الماضي ودعم الهوية من جهة أخرى واحتذاء النموذج الغربي من جهة ثانية: أنظر محمّد بيلا، مدارات الحداثة، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط أولى، بيروت ، 2009، ص 240.
[11] ما يعرف اليوم بالدولة الاجتماعية. L’état social
[12] جدعان (فهمي) أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث، دار الشروق، 1988، ص 18.
[13] الدين والدولة والمجتمع، ص 276.
[14] حملة نابليون بونابرت على مصر (1798-1801) كانت حملة عسكرية فرنسية هدفت إلى احتلال مصر والشام لقطع طريق بريطانيا إلى الهند. وعلى الرغم من النجاحات العسكرية الأولية، مثل هزيمة المماليك، إلا أن الحملة انتهت بالفشل والانسحاب الفرنسي بسبب المقاومة الشعبية، وخسائر عسكرية أمام القوات البريطانية والعثمانية، والاضطرابات السياسية في فرنسا. من أبرز نتائج الحملة العلمية اكتشاف حجر الرشيد، الذي أسس لعلم المصريات.الجزيرة.نت. 25 أكتوبر 2022. مؤرشف من الأصل في 26/02/2024. اطلع عليه بتاريخ 12/05/2024.
[15] المنصوري (مبروك) مكانة الدّين في النهضة اليابانية والعربية، الدار المتوسطية للنشر، تونس، الطبعة الأولى، 1433هــ/2012م، ص 153.
[16] الدّين والدولة والمجتمع، ص 277.
[17] غليون (برهان) مداخلة في ندوة مجلة الوحدة حول "تصورات جديدة للنهضة العربية" الوحدة، العدد 31-32، ص 143/144.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق