الأربعاء، 9 فبراير 2011

تنمية الممارسة البيداغوجية


لقد أمست قضية " تنمية الممارسة البيداغوجية " تتربع على عرش القضايا الساخنة ضمن ملفات المنظومة التربوية في كثير من الدول ، خصوصا   المتقدمة منها صناعيا، اقتصاديا، تكنولوجيا، وتربويا.. و أضحت الجودة خلال الظرفية الراهنة هدفا و وسيلة في الوقت نفسه (1) في حين يشكو فيه الحاضر التربوي في دول العالم الثالث من عدة نواقص و قصورات و في مقدمتها الإطناب المعرفي الممل و الحشو المعلوماتي الرهيب الذي يميز المحتويات و البرامج على حساب الإبداع و الابتكار ..(2) لكن حقل التعليم و التعلم خلال السنوات الأخيرة شهد تطورات هامة لامست جل مكونات الفعل التعليمي التعلمي  و كذا تمفصلاته و ميكانيزماته و آلياته.. و توجهت الأنظار بشكل مهم صوب الثروة البشرية حيث أن البلدان التي تحتل اليوم قوى صاعدة هي التي استثمرت في الرأسمال البشري و حسمت باكرا إصلاح و ملائمة أنظمتها التربوية (3)، و بالتالي عرفت أدوار الممارس البيداغوجي الحديث تغييرات جذرية سواء على مستوى التكوين الأكاديمي أو على مستوى الممارسة الفعلية للعملية التعليمية التعلمية، حيث بات لزاما عليه مواكبة المستجدات التي تحدث على صعيد تطبيق المناهج  والمقررات التربوية من جهة، و كذا على صعيد استراتيجيات تفعيل مقتضيات الميثاق الوطني للتربية والتكوين، و رسم الخطط البيداغوجية/الديداكتيكية المبرمجة من جهة أخرى، قصد تحقيق منتوج معرفي عالي الجودة و نسبة مهمة من الكفايات أثناء مزاولة مهمة التدريس داخل أسوار المؤسسة التربوية/التعليمية، من أجل ضمان التقدم المرغوب فيه، فضلا عن تفاديه (أي الممارس البيداغوجي) السقوط في فخ النمطية و التلقين الببغائي و الوحدة و التسلط، أو في جميع الحالات السقوط في الأمية المعرفية التي تعيق، بشكل واضح، أداءه الديداكتيكي و تكبح استمرارية اشتغاله في ظل الظروف المتذبذبة و غير المستقرة التي تعرفها الممارسة البيداغوجية الحالية، و تساهم في إغراق الوضعية التربوية في دوامة السلبية و الدونية واللاتوازن بين الكفايات المسطرة (الصناعة المدرسية) والواقع المعيشي وسوق الشغل (المنتوج المدرسي).

  الحال أن مسألة " تنمية الممارسة البيداغوجية " تعتبر مكونا غير قابل للإختزال، و بنية متكاملة يحكمها نسق محدد، كما تعتبر ذاتا لا تعرف الاستقرار؛ حيث تتشكل من جملة من الوظائف و التي تنهل بدورها من مجموعة من الفروع العلمية، و بالتالي فهي تعتبر مشروعا بيداغوجيا بخصوصيات مميزة، و مطلبا أساسيا للنهوض بأوضاع الحياة المدرسية بشكل عام.

و كنتيجة حتمية لإبدال النظرة الماضوية التي كانت و لاتزال تحكم الفعل التعليمي التعلمي داخل المؤسسات التعليمية، ظهر ما يسمى ب " التعليم الاستراتيجي " على ساحة الممارسة البيداغوجية كبديل للتعليم التلقيني الذي يساهم في تقوقع أداء الممارس البيداغوجي من جهة، و إجهاض كل ممارسة تربوية تروم تجديد الفعل التعليمي التعلمي نحو الأفضل من جهة أخرى.

  لقد فرض " التعليم الاستراتيجي " نفسه كنمط حديث و فعل بيداغوجي (4) جديد يرنو إلى الرقي بمردودية عمليات التدريس و بأداءات الممارس البيداغوجي،    و تحسين جودة نشاطاته التدريسية  وتأهيل ظروف اشتغاله أثناء معالجة وضعية تعليمية تعلمية ما، و بالتالي من شأن هذا النوع من التعليم أن يحقق قفزة نوعية كبيرة في مجال التدريس خصوصا بالكفايات، و سيرفع بلا شك وثيرة التحصيل الدراسي، كما سيحقق النتاجات المعرفية الثقافية/الوجدانية القيمية/الحس حركية المهارية ذات الجودة العالية و التي تصبو إليها مختلف النظريات السيكوبيداغوجية  و تنادي بها مقتضيات الميثاق الوطني للتربية و التكوين، و تسعى إليها بشدة جل الإصلاحات التربوية على اختلاف تصوراتها الموضوعة  وشعاراتها المرفوعة.

  إذن، لا مناص من تسليط الأضواء من جديد على أداء الممارس البيداغوجي، باعتباره حجر الزاوية في كل تجديد و إصلاح وباعتباره أيضا المنفذ الأول لجل الخطط الاستراتيجية المرسومة من أجل إخرج وضعية الممارسة البيداغوجية من إبدال الفعل التلقيني إلى إبدال الفعل الاستراتيجي؛ و في هذا المنظور يعد المدرس وسيطا Médiateur و موجها Catalyseur و مشخصا Diagnosticien (5)، حيث أقفلت أدوار الممارس البيداغوجي الحديث تعرف دينامية و حركية كبيرة جعلته يتقلد المهام الصعبة داخل الفضاء المدرسي بكل مكوناته، رغم أن العديد من المهتمين بالشأن التربوي يعتقدون أنه بمجيء ما يسمى بموجة الكفايات سيضمحل دوره و يتقلص نتيجة لظروف الاشتغال التي تغييرت، لكن الواقع يبرز أن أدوار الممارس البيداغوجي، على النقيض من ذلك، ازدادت حدة و أضحت مساحتها أكثر امتدادا و شساعة.

  إذن فالسؤال الجوهري الذي صار طرحه يكتسي صبغة الإلحاحية بامتياز داخل نسيقية المنظومة التربوية هو : ما هي الأدوار الجديدة للمدرس ضمن ما يسمى حاليا بحقل التعليم الاستراتيجي؟
   في الواقع هناك ثلاث مراحل رئيسية يمكن التعريف من خلالها على أهم أدوار الممارس البيداغوجي الحديث، في هذا الحقل التعليمي الجديد الذي يدعى ( التعليم الاستراتيجي ) أو ( السيناريو البيداغوجي الاستراتيجي ) :

     أولا / مرحلة التخطيط البيداغوجي: 
    
   إن التخطيط من أهم الأمور التي تسهم في تحقيق جميع أنواع المشاريع التي يضعها الفرد/الإنسان في حياته اليومية، و التخطيط مصدر خطة، وهي جملة الأساليب و التدابير التي يمكن القيام بها لأجل تحقيق هدف معين (6)، و التخطيط البيداغوجي لا يخرج عن هذه الدائرة؛ إذ يتضمن بدوره مجموعة من الإجراءات  و الخطوات، و هو مرحلة من المراحل الحاسمة و التي من شأنها                 إعطاء الدفعة الإيجابية الضرورية للممارسة البيداغوجية نحو تحقيق نسبة عالية  من المردودية المطلوبة، لذا وجب على الممارس البيداغوجي التحلي بالصبر     و المسؤولية من جهة، و استحضار مهاراته الخاصة و إبداعاته الشخصية من جهة أخرى. ويؤكد، في هذا الباب، زيدان أن من بين السمات التي يتحلى بها المعلم الفعال؛ مستوى تأهيله الأكاديمي و المهني و قدرته على التخطيط الجيد للتدريس،  وتنفيذه للخطة المرسومة بفعالية و نجاح، و إدارته للصف بشكل ناجح (7) ، يضمن سيرورة فعالة لميكانيزمات الفعل التعليمي التعلمي، و هذه إحدى الخطوات البارزة التي يعتمدها الممارس البيداغوجي قبل مواجهة الجماعة الصفية بشكل مباشر 

أ‌-    يحدد الكفاية المطلوب اكتسابها من خلال الوضعية التعليمية-التعلمية المطروحة،
ب‌-    يحدد الهدف التعلمي-العقبة وفق الأهداف الوطنية و مكتسبات و قدرات التلاميذ (8)،
ت‌-    يدرس القدرات و المهارات و الاستعدادات الخاصة لتحقيق المبتغى و الغرض الوجداني/القيمي من الوضعية المدروسة،
ث‌-    يحدد بعض الصعوبات التي يمكن أن يصادفها المتعلم، خاصة تلك التي ترتبط بالتصورات أو بضعف التحكم اللغوي(9)،
ج‌-    يحلل المعارف النظرية و الإجرائية و الإشتراطية التي تكون الحمولة الديدكتيكية للوضعية    المختارة،
ح‌-    ينتقي أنسب المشكلات حسب MINDER ( تلقائية Spontanés  كانت أو  محدثة Suscités أو مبنية Construites )(10) والتي من شأنها استفزاز الذات المتعلمة و إعمال الفكر و تحقيق التواصل المفضي إلى سرمدية الحوار التعليمي التعلمي بين أقطاب المثلث البيداغوجي.
خ‌-    يختار اللعبة/النشاط الملائم للكفاية و الهدف المسطر من قبل,
د‌-    يتساءل عما إذا كان الهدف أو الكفاية و اللعبة/النشاط المقدمان  يتوفران على التحدي المعقول وفق الفئة العمرية للمتعلمين و تساوقا مع تصوراتهم و تمثلاتهم  و معارفهم السابقة كقيمة بيداغوجية إضافية.
ذ‌-    يحدد الحمولة المعرفية التي يستلزمها الهدف/الكفاية المراد تحقيقه أثناء توظيف " المكتسب " ، مع ضرورة استحضار المخزون المعرفي السابق للمتعلم,
ر‌-    يتصور العوائق الابستيمولوجية ( على اختلافها معرفية موضوعية كانت أو لغوية لفظية أو معرفية توحيدية أو منفعية براغماتية أو جوهرية أو إحيائية.. ) (11)الممكن حدوثها أثناء تشفير رموز الفعل التعليمي التعلمي من لدن المتعلم،
ز‌-     يفكر في الإستراتيجية الناجعة لدعم المتعلمين الخارجين عن دائرة الاكتساب الايجابي للمكون التربوي_التعليمي, مرتكزا على أدبيات البيداغوجية الفارقية و التي تروم تعلم الاستقلال الذاتي (12)كأساس لتحقيق النجاح النافع.
ثانيا /  مرحلة مواجهة الجماعة الصفية:
   
   تكتسي هذه المرحلة صبغة خاصة باعتبار الخصوصية التي تعرفها ثنائية التعلم_الإنتباه موازاة مع المواقف السيكولوجية التي تحكم علاقة المدرس بالمتعلم، إذ من المعروف أن هناك عامل يؤثر في انتباه و تعلم التلميذ، يتحدد – كما أشار إليه الدكتور أحمد أوزي- في طبيعة العلاقة التفاعلية بين المدرس  والتلميذ،  ذلك 
أن العمل الجماعي داخل الفصل يتيح للمراهق   ( على وجه الخصوص )  فرص تكوين شخصيته  وإعدادها من خلال التعامل مع غيره من الأقران وفق علاقة    و مبادئ محددة ، فضلا عن العطف  والحنان اللذان يسهمان في إقباله على عملية التعلم، مما يساعده على التخلص مما يضايقه و يعرقل دراسته(13). 

   الحال أن هذه مرحلة تستلزم من الممارس البيداغوجي الكثير من المرونة في الأداء و الضبط الايجابي للصف أثناء التدريس (14) و الروح العملية و النفس الطويل، و الرغبة في التعليم و الحرص الشديد على الالتزام بمواعيد الدروس    و الأمانة في تنفيذ ذلك (15)حيث يعتبر المدرس فعالا عندما يستطيع  أن يجابه المواقف الطارئة ويتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب و بالتالي يسهم في تطوير آليات الممارسة البيداغوجية نحو الأفضل. و في ما يلي بعض الخطوات الرئيسية التي يتبعها الممارس البيداغوجي خلال هذه المرحلة:

1.2 أثناء التحضير:

غني عن البيان أن التحضير الجيد للدروس يشكل العمود الفقري لأي ممارسة بيداغوجية  ناجحة، و من المعلوم أن كلما كانت الممارسة البيداغوجية ناحجة إلا   و كان فعل التعلم ناحجا، و يعتبر التعلم الناجح ذاك الذي ينشئ جسورا مع عناصر المعرفة الأخرى المكتسبة (16). و هذه بعض الخطوات الهامة، في سبيل تحضير موفق سيكوديدكتيكي من لدن الممارس البيداغوجي:

أ‌-    ينظم مجال الفصل و يدبر الزمن المدرسي وفق الأنشطة المسطرة، مع تحسس إيقاعات تعلم التلاميذ (17)،
ب‌-    يستحضر ملابسات و ظروف الاشتغال المتضمنة للهدف التعليمي و الغرض البيداغوجي التربوي و الكفاية النوعية المستهدفة، زيادة على المعينات الديداكتيكية اللازمة  ثم و سائل التقويم و أنشطة التقييم الملائمة للوضعيات التعليمية التعلمية المقترحة،
ت‌-    يثير المعارف المكتسبة السابقة على اختلافها؛ تصريحية، إجرائية، إشتراطية.
ث‌-    يقوم بتنظيم هذه المعارف وفق ما تستلزمه ظروف الممارسة البيداغوجية ( القسم المشترك مثلا) على شكل شبكة أو (خريطة الطريق) Feuille de route*
ج‌-    يدبر الأساليب البيداغوجية المختلفة وفق تعدد المهام و أشكال العمر (18)،
ح‌-     يبحث عن العلاقات التي تربط التعلمات المنجزة بعضها ببعض،
خ‌-    يأخذ بعين الاعتبار الفجوات الحاصلة على صعيد المعرفة الحقيقية و المعرفة المجهولة لدى المتعلم رغبة في استحداث أزمة معرفي تعليمية،
د‌-     يتذكر ردود أفعال المتعلمين السابقة و على ضوئها يحضر كيفية توجيه المسار التعليمي التعلمي للوضعية البيداغوجية القادمة،
ذ‌-    يعتمد تقنيات التنشيط المؤدية إلى رفع وثيرة التحصيل و التواصل المفضيان إلى تعاقد بيداغوجي صريح و إيجابي، 
ر‌-    يفكر في تنويع وضعيات التعلم ( إلقاء، مفردن، متفاعل) (19) بغرض تحقيق الهدف المرسوم.


   إن فعل الإنجاز يقتضي، ضمن سيرورة الممارسة البيداغوجية الفعلية، جعل المتعلم (...) في قلب الاهتمام و التفكير خلال العملية التربوية، فضلا عن اتباع نهج تربوي نشيط, يجاوز التلقي السلبي والعمل الفردي إلى اعتماد التعلم الذاتي, والقدرة على الحوار والمشاركة في الاجتهاد الجماعي (20) ، كما يستلزم هذا الفعل توفر المتعلم على مجموعة من القدرات       و المهارات و الأدوات و التقنيات البيداغوجية التي تسهم في استنفاره لمجموعة مهمة من الموارد...وتوقظ ملكاته و استعداداته و تثير رغبته في الاشتغال و تمزج بين تمثلاته و دافعيته لجل المشكلات التي تصادفه، لأن الإنسان _ على حد تعبير جون ديوي John dewey _ يتعلم عن طريق حل المشكلات التي تواجهه (21)، بالإضافة إلى أن المتعلم يتعلم ليس لأن الواقع موجود و يجب البحث عن فهمه، لكن لأن الفرد/الإنسان في بحثه عن فهم الواقع يحدث هذا الواقع (22).
   و الإنجاز كفعل بيداغوجي قائم بذاته يعتبر مجالا واقعيا بالنسبة للمتعلم، و يشكل نواة اشتغاله، و بالتالي فهو في بحث مستمر عن هذا الواقع رغبة في فهم ميكانيزماته و تمفصلاته، فلا ينفك المتعلم يوظف لهذا الغرض كل ما يملك لتحقيق المبتغى ( الإستقرار الوجداني ..)، و في غياب تشغيل معقلن لآليات التفكير و ضبط محكم لفعل الإنجاز، تتعطل عجلة البحث    و يفشل المتعلم في تجاوز العائق بمظهره السلبي (23) ثم يتقوقع و يغدو إذ ذاك تعلمه آليا بلا جدوى داخل الحجرة الدراسية.
   إذن فالإنجاز محطة بارزة ضمن سيرورة الممارسة البيداغوجية بقوة الفعل، حيث يأخذ عدة وضعيات و صيغ تجعل منه لحظة حاسمة من اللحظات البيداغوجية؛ 
§    صيغة إنجازات شفوية: كالإجابة عن أسئلة شفوية يطرحها الإستاذ أو قراءة نص...
§    صيغة إنجازات كتابية: كإنجاز تمارين كتابية على الألواح        و الدفاتر و الأوراق..(24)
      هذه إحدى الخطوات ذات الأهمية الكبرى و التي تسهم كثيرا في تحقيق 
أ‌-    يحرص على أن تكون المشكلة التعليمية المقترحة حقيقية، و في متناول الجماعة الصفية؛ لأنه من بين الصعوبات التي تعرقل التعلم هي إبعاد التلميذ عن أي نوع من الشكلات الحقيقية (25).

ب‌-    يضع المتعلم في وضعية مشكلة، و يساعده على اكتساب و تنمية المعارف التقريرية و الإجرائية و الشرطية (26).

ت‌-    يوضح المشكلة التعليمية التعلمية المقترحة بلغة سلسة قريبة جدا من المتعلم، و ذلك قصد جعله يشعر بالمتعة والحماس وهو منخرط في إيجاد الحل (27).

ث‌-    يحيل إلى تنظيم الفعل التعليمي التعلمي بتبيان استراتيجيات معرفية و ما بعد معرفية ( أدائية/سلوكية ) و ذلك من خلال:
ج‌-    عملية التشكيل؛
ح‌-    الممارسة الموجهة؛
خ‌-    الممارسة الذاتية المستقلة.
د‌-    يصل بالمتعلمين إلى إعادة تنظيم معارفهم المكتسبة، و تغيير شبكتهم الدلالية تدريجيا.
ذ‌-     يساعد المتعلم على ربط معارفه ومكتسباته السابقة بتلك التي يتوصل إليها مما يجعله يبني معارفه وينمي كفاياته  .  (28)
ر‌-    يتعهد بتثمين الجهود مع تشجيع فعل الإرادة التي يعرب عنها بعض المتعلمين.
ز‌-    يحرص دوما على وضع المتعلم موضع التقدم الذي يحرزه بأمانة، مع ضرورة تسجيل المؤشرات الدالة على هذا التقدم في بطاقة " السير و المتابعة" الخاصة بكل متعلم.
س‌-      يضع مؤشرات النجاح بطريقة تيسر نمط الاشتغال المعمول به            ( المجموعات ...)

ش‌-     يحلل أخطاء المتعلمين – أثناء عملية الدعم البيداغوجي -، حيث من واجبه فهم العوامل التي أدت إلى ارتكاب الخطأ، و التفكير جديا في أسبابه بمعية المتعلمين، إذ يحدد في هذا الصدد  J.M Zakhartchouk  أنواعا عدة؛ البعض يعود إلى المتعلمين أنفسهم، و البعض الآخر يرجع بالأساس إلى المعرفة، و بعضها إلى التعلمات .. (29).
ص‌-     يدعم التعلمات و يعمل على تتبيث التوقعات الصائبة و الاشتغال وفقها.
ض‌-     يضع نصب عينيه تعدد الذكاءات لدى المتعلمين ( فضائي، طبيعي، جسمي حركي، موسيقي، منطقي-رياضي، لغوي..) (30). 
ط‌-     يعيد الاستقرار،لدى الجماعة الصفية، على المستوى الوجداني و المعرفي.

ثالثا/ مرحلة الإدمــــــــــــــــــــــاج:
    
تكتسي بدورها هذه المرحلة صبغة خاصة باعتبارها المرحلة النهائية لمسار الممارسة البيداغوجية، وتشكل بالتالي الملامح الحقيقية للأداء الديداكتيكي الفعال   و الناجح على جميع الأصعدة، و أي خلل يصيبها تفشل الممارسة البيداغوجية برمتها.
   عرف مصطلح "الإدماج" على عدة مستويات لغوية كانت أو نفسية أو بيداغوجية، و لكن يبقى التعريف الذي صاغه كزافيي روجيرس من أبسط و أنجع التعارف؛ إذ 
عرفه على أنه عملية نربط بواسطتها بين العناصر التي كانت منفصلة في البدايـة من أجل تشغيلها وفق هدف معطى (31). كما أنه نشاط ديداكتيكي من أجـــــل   استدراج المتعلم إلى تحريك المكتسبات التي هي موضوع تعلمات منفصلة (32).        إذن يتضح أن مسؤولية جسيم ستلقى على ظهر الممارس البيداغوجي، قبل المتعلم، قصد تحقيق نوع من الإدماج بين هذه المكونات التربوية كلها، إذ خلال هذه المرحلة سيصل بالمتعلمين إلى ملاحظة و معاينة إنجازاتهم بداية من خطة الانطلاق: 
·    ما ذا تعلــــــــم؛
·    كيف تعلــــــــم؛
·    طريقة التعلـــــــم؛
·    صعوبات التعلــــــم؛
·    استراتيجيات التعلــــم؛
·    مايجب تحسينــــــه.
   هذه باختصار شديد الست أسئلة التي من شأنها ضبط عملية الإدماج من طرف الممارس البيداغوجي بالشكل المناسب الذي يضمن مسار جيد لمراحل الفعل التعليمي التعلمي.

مجمل القول : 
ليس بالغريب أن تتطور منظومة التربية و التكوين خلال الظرفية الراهنة برمتها، مع إعطاء الأولوية للعنصر البشري بوجه خاص، نظرا للتطور المذهل الذي بات يعرفه العالم في جميع الميادين؛ و كنتيجة حتمية لذلك فالممارسة البيداغوجية بالتحديد سيطالها التغيير و التجديد باعتبارها قطب موجب، يسهم بقوية في تأهيل المتعلم و صناعته للمواجهة أزمات المستقبل. لكن تجديد المدرسة رهين بجودة عمل المدرسين، و إخلاصهم و التزاهم (33) ، فنجاح أي إصلاح و أي برنامج تعليمي يتوقف، في المقام الأول، على حد تعبير د لحسن مادي، على كفايات و قدرات المدرس (34)، لذا كان لزاما على كل الفاعليـــن 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الحبيب المالكي، قالوا.. ، جريدة الصباح،السنة الخامسة، العدد 1474، الجمعة 31 دجنبر 2004
2. عبد لله العروي، ثقافنتا في ضوء التاريخ،1987،ص ص 197-198
3. عبد العزيز مزيان بلفقيه، 4 رهانات أمام إصلاح منظومة التربية و التكوين، مداخلة، الدورة الرابعة لجامعة حزب الاستقلال للدراسات و الأبحاث بمدينة بوزنيقة، جريدة العلم، العدد 20593، الثلاثاء 5 دجنبر 2006
4. عبد العزيز قريش، العلاقة الإشرافية بين المشرف و الممارس البيداغوجي-مقارنة أولية، ص 105
5. العربي اسليماني، دينامية الخطأ في سيرورة التعلم و المعرفة، مجلة علوم التربية، ص 138، عدد 24، مارس 2003
   6. أحمد أوزي، المعجم الموسوعي لعلوم التربية، الطبعة 1، ص 61، 2006، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء
7. زيدان حمام بذراوي، كفايات المعلم في ضوء بعض مهام مهنة التعليم، التربية، ص ص 66-59، 1988
8. عبد الكريم غريب و آخرون، الميثاق الوطني للتربية و التكوين قراءة تحليلية، ص 190، منشورات عالم التربية،ط2،
مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء 2006.
9. عبد الكريم غريب و آخرون، نفس المرجع، ص 190
    10. محمد الفتي، الوضعيات المشكلة منطلقات في البناء، مجلة علوم التربية، ص 126، عدد 24، مارس 2003
11. غاستون باشلار، تكوين العقل العملي، ترجمة خليل أحمد خليل، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع، ذكره صالح الكرش، مجلة علوم التربية، عدد22، مارس 2002،ص ص 95-96
12. محمد شرقي، البيداغوجيا الفارقية و إغراءات التطبيق داخل المدرسة المغربية، مجلة علوم التربية، ص 132 عدد 25، أكتوبر 2003 
13. فؤاد حيدد، التخطيط التربوي، حاجات الطفل العربي، ص 167، 1991
14. Baron, E et all « Collaborative Urban Education : characteristics of successful urban teachers » paper presented at the annual meeting of the american Association of school Administrators. San Diego. California. February 21-24 .1992
15. الكوادري، صباح أحمد، المعلم الناحج، ص 69 ص71، 1985
16. محمد داني،لماذا نتعلم...؟ !، جريدة بيان اليوم، تربوية تعليمية، الثلاثاء 12 شتنبر 2006
17. عبد الكريم غريب و آخرون، مرجع سابق، ص 190
* عبد المجيد ضنين، مدير م.م أيت لحسن، إقليم شيشاوة، مساهة و إغناء.
18. عبد الكريم غريب و آخرون، مرجع سابق، ص 192
19. عبد الكريم غريب و آخرون، مرجع سابق، ص 192
20. الميثاق الوطني للتربية و التكوين، القسم الأول: المبادئ الأساسية،  الغايات الكبرى، 9_أ 
   http://www.oukka.net/charte_educa_1.htm
     21. مجموعة من المؤلفين، منهل النشاط العلمي، دليل الأستاذ، ص 13 السنة الثالثة الابتدائية، ط 1، 2004
22. Michel Develay, Peut-on Former Les Enseignants ?, Collection 
Pédagogique, 1994
     23. العربي اسليماني، الكفايات في التعليم من أجل مقاربة شمولية،ص 136،ط 1، 2006
        24. مجموعة من المؤلفين، المنير في اللغة العربية، دليل الأستاذ، ص ص 23-24، السنة الخامسة الابتدائي.
25. عزيز كعبوش "Carel Rogers " حرية التعلم، عالم التربية، ص 80، 1996
26. وزارة التربية الوطنية، مصوغات، الوضعية المشكلة، ص 41
http://www.men.gov.ma/cf/modules/aradiyines/sciences_education/Situatuation_prob.DOC
27. Margaret Rioux-Dolan et al, La pédagogie de la difference appliquée aux classes multigrades, MEN Maroc, 1996
28. نفس المصدر.
29. J-M Zakhartchouk, Prospéctive Pédagogique, n° 18, pp 11-12, 1998
30. محمد أمزيان، الذكاءات المتعددة و تطوير الكفايات، ص ص 136-140 مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء،2004
من أجل تشغيلها وفق هدف معطى (31). كما أنه نشاط ديداكتيكي من أجـــــل   استدراج المتعلم إلى تحريك المكتسبات التي هي موضوع تعلمات منفصلة (32).        إذن يتضح أن مسؤولية جسيم ستلقى على ظهر الممارس البيداغوجي، قبل المتعلم، قصد تحقيق نوع من الإدماج بين هذه المكونات التربوية كلها، إذ خلال هذه المرحلة سيصل بالمتعلمين إلى ملاحظة و معاينة إنجازاتهم بداية من خطة الانطلاق: 
31. لحسن بوتكلاي، إعداد و ترجمة، بيداغوجيا الإدماج، كزافيي روجيرز، ص ص 50-51، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، 2005
32. لحسن بوتكلاي، نفس المرجع، ص 91
33. الميثاق الوطني للتربية و التكوين، البند 133، ص 61
34. العربي اسليماني، مرجع سابق، ص 122


بقلم: جمال بن الحسين الحنصالي

الخميس، 3 فبراير 2011

متربصي الثورة


حقق الشعب التونسي إنجازاً ثورياً عربياً غير مسبوق في تاريخ الثورات في الوطن العربي، الأمر الذي سيثير شهية المتربصين، داخلياً وخارجياً، من أجل ضمان حصة لهم في أي نظام جديد تكون الغاية منها ضمان عقد صفقات سياسية واقتصادية وأمنية مع النظام الجديد، تلك الصفقات ستكون على حساب مصالح فقراء تونس. ومن خلال مراقبة ردود الفعل كان السبَّاق للعب هذا الدور بعض دول الغرب الرأسمالية. وفي المقابل سوف تتسابق نخبا داخلية للحظوة بكرسي لها في النظام الجديد. كما أن بعض القوى الإقليمية الضالعة بتنفيذ «مشروع الشرق الأوسط الجديد» لن تكون بعيدة عن اقتناص الفرصة، هذا إذا كانت لم تدخل على خط الصيد حتى الآن كثيرون هم طالبوا ود أطراف الحركة الاجتماعية التي أسهمت إلى جانب الشعب التونسي في إنجاز الوجه الأول من الثورة. وإذا لم تكن شديدة الحذر والوعي فسوف تقع في مصيدة قنَّاصي الفرص الذين يعملون لحساب مشاريعهم الخاصة. وقد علَّمتنا تجارب الماضي أن همَّ القنّاصين هو ضمان مصالحهم حتى ولو كانت على حساب إن كانت على حساب المصالح الوطنية وعي القيادات الوطنية التونسية لهذه الحقيقة تمثل الوجه الأول، والوجه الثاني أن يكون الوعي شاملاً، الأمر الذي يعني أن تنخرط جميع القيادات أو أكثرها على الأقل في عمل جبهوي على أن يتم إنجازه بسرعة لتصويب قرارها في المرحلة الانتقالية التي لا تحتمل التأجيل، ولذلك على تلك القوى أن لا تبقى مشتتة فتذهب نتائج الثورة مع الريح. وتذهب دماء الشهداء سدى.
إنّ قناصي الفرص ثلاثة و هم:
-النخب المحلية تتألف ممن هم مستعدون لإظهار وجههم الحسن، وكلامهم المنمَّق طريقاً للوصول إلى مقاعد السلطة. ومتى وصلوا إليها سينقلبون على ما وعدوا به.
-
قوى الرأسمالية ودولها وهم كانوا منذ بداية تأسيس الأنظمة العربية الحديثة الداء الأساس في أمراض الأمة لأنهم غير معنيين بتقديم علاج لها، ولذلك سيُخرج كل منهم احتياطه من عملاء الداخل ووسطائهم لتسويقهم ودعمهم بشتى الوسائل والسبل وإيصالهم للسلطة.
-بعض الدول الإقليمية المجاورة للوطن العربي، وهم الطامعون ببناء مواقع قوة في قلب هذا الوطن في مرحلة تطبيق وطن الدويلات الطائفية الجاري تطبيقه الآن على قدم وساق.
-
ومن بين هذه القوة أو تلك يأتي دور الدين السياسي الذي تخترقه كل القوى الطامعة بوطننا العربي، وهم من الذين يبيعون ويشترون على حساب أوهام بناء دولة دينية، حتى ولو كانت دويلات لا حول و لا قوة لها. لقد اجتثَّ الشعب التونسي نظاماً طالما امتصَّ منه الدم والروح، وهذا جانب من مهمات الثورة، أما الجانب الآخر والذي يتطلب وعياً ووقتاً لبناء نظام بديل لهو الأكثر أهمية من أجل توفير إصلاح جذري لنظام أعطى الأولوية للفاسدين واللصوص ممن سرقوا لقمة العيش من أفواه الفقراء العاطلين عن العمل فالمرحلة القادمة في نضالات الشعب التونسي ستواجه خطرين شديدين و هما:
-الخطر الماثل بالدول والقوى الخارجية التي ستقوم بدورها بالترهيب والترغيب. بحيث سيكون تدخلها جدياً، وإذا لم تستطع أن تحصل على ما تريد قد ترتكب حماقة تحويل الحركة المطلبية الداخلية إلى حرب أهلية قد تأكل أخضر الإنجازات التي حصلت حتى الآن و يابسها.
-وخطر إنتاج نظام شبيه بالنظام الذي تم إسقاطه، بحيث لا يتغيَّر فيه إلاَّ وجوه الأشخاص و أسماؤها أما الوفاء لدماء الشهداء فيقتضي وجود إجماع وطني من الأحزاب والنقابات والقوى المخلصة التي ستقود المرحلة الانتقالية. وحول ذلك نرى أن إنجاز خطوتين أساسيتين يعتبر من ضرورات المرحلة
 -الأولى: على تلك المجاميع السياسية والنقابية أن تبادر إلى تشكيل مجلس وطني انتقالي ذي قرار مستقل، يشرف على الترتيبات الانتقالية، بحيث يتشكل منه لجنة متابعة وسهر يومي لتحديد المواقف المناسبة في الوقت المناسب
-الثانية: أن تتحمل القوى القومية وأحزابها مسؤولياتها وتفي بواجباتها وذلك من خلال تقديم كل أشكال الدعم المعنوي والسياسي للحركة الوطنية التونسية.

الأربعاء، 2 فبراير 2011

آخر تصريحات وزير الداخلية لقناة الجزيرة



تصريحات خطيرة تؤكد أن ليس الصعوبة في إسقاط بن علي بل الخوف من هؤلاء الخونة الذين يريدون الرجوع للوراء تحقيقا لمصالحهم و أهدافهم الشعب التونسي يعي هذا جيدا و سوف لن يمكنهم من تحقيق مآربهم بإذن الله تعالى.


الاثنين، 31 يناير 2011

نشأة مسألة الحرية في الفكر الإسلامي


     تعتبر مسألة الإرادة الإنسانية و علاقتها بالفعل الإنساني من أبرز القضايا التي أثارت اهتمام الفكر الإسلامي فتناولها في إطار علاقتها بالذات الإلهية، وترتب عن هذا انقسام المفكرين إلى مدارس، و ارتبط البحث في مسألة الحرية الإنسانية بجانبين:
*جانب ذاتي يتمثل في شعور الإنسان بأن له إرادة حرة في اختيار الفعل و القدرة على تحصيله.
*جانب خارجي يتمثل في مضمون النص الديني(القرآن و السنة) و ما يشير إليه من دلالات تبدو متعارضة تفيد الجبر مرة و الحرية أخرى، من أجل هذا انقسم المسلمون في فهمهم للمسألة. و قد تنبه إلى هذا ابن رشد بقوله "هذه مسألة من أعوص السائل الشرعية و ذلك أنه إذا تأملت دلائل السمع في ذلك وجدت متعارضة، و كذلك حجج العقول. أما تعارض أدلة السمع في ذلك فموجودة في الكتاب و السنة. أما في الكتاب فإنه تلق فيه آيات كثيرة تدل على أن للإنسان اكتسابا في فعله، وأنه ليس مجبورا على أفعاله... و لهذا افترق المسلمون في هذا المعنى إلى فريقين فرقة اعتقدت أن اكتساب الإنسان هو المسبب للمعصية و الحسنة... و هم المعتزلة وفرقة اعتقدت نقيض هذا وقالت إن الإنسان مجبور على أفعاله و مقهور و هم المجبرة"   
    إن إحساسنا بكوننا أحرارا في اختيار الفعل و قادرين عليه يجد ما يؤكده من النص الديني مرة مثل قوله تعالى"كل نفس بما كسبت رهينة[1]" و قوله تعالى"و أما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى عن الهدى[2]
و ما يتعارض مع الإحساس بالحرية مرة أخرى كقوله تعالى"إنا كل شيء خلقناه بقدر[3]"  و قال جل جلاله " ما أصاب من مصيبة في الأرض و لا في أنفسكم إلا في كتاب"[4]
    نفهم من قولة ابن رشد هذه أن مسألة البحث في الحرية و علاقتها بالمسؤولية تعود في نشأتها إلى طبيعة النص القرآني. وبهذا تكون الأسباب الداعية إلى البحث في المسألة تعود إلى طبيعة البيئة الإسلامية في فهم النص الديني. وقد أكد هذا الاتجاه المستشرق الإيطالي كرلد الفونسو1872
1938الذي تراجع في حكمه فبعد أن أرجع سبب ظهور المسألة في الفكر الإسلامي إلى تأثره بالفكر اللاهوتي المسيحي حين قال"بعض المتكلمين قد بدؤوا تحت تأثير اللاهوت المسيحي في الشرق بطريقة غير مباشرة يبحثون هذا القدر و يحاولون أن يفسروه بمعنى يوافق اختيار الإنسان و حريته في أفعاله حتى يمكن تبرير وجود الثواب و العقاب في الدار الآخرة تبريرا تاما."  
     بعد هذا الحكم تراجع ليؤكد أن المسالة نشأت مرتبطة بالنص القرآني قال:"إن المسائل الكلامية في القرنين الأول و الثاني للهجرة نشأت كلها تقريبا عن اختلاف في تفسير عبارات و ألفاظ وردت في القرآن و من هذه الألفاظ القرآنية اشتقت المصطلحات الفنية المتعلقة بهذه المسائل و لفظ قدر ذو أصل قرآني واضح لا سبيل لنكرانه ".
    إلى جانب هذا الاتجاه الذي أرجع البحث في القدر عند المسلمين إلى رغبتهم في فهم النّص القرآني أولا وهو الاتجاه الذي يبدو أكثر موضوعية لأنّ المسألة ظهرت عند المسلمين قبل احتكاكهم بالثقافات الأخرى. وجد اتجاه آخر ربط  المسألة بتأثّر المسلمين بالفكر اللاهوتي المسيحي، ومن الذين روّجوا إلى هذا الرّأي نجد توماس أرنو لد الذي يقول :‎‎‎ "من المحتمل أن تكون القدرية أو القائلون بالإرادة الحرّة من المسلمين قد استعاروا نظريتهم في حريّة الإنسان من المسيحية مباشرة".
    إنّ اختلاف وجهات نظر المتكلّمين في مسألة حرية الإرادة عند الإنسان كان منطلقه الأساسي فهم النّص الديني وربطه الإرادة بالإلهية التامة هذا ما أدى إلى ظهور مدارس كلاميّة متباينة في فهم  نسبة الفعل إلى الفاعل من أهمّها:
v   مدرسة المجبرة
v   مدرسة الاعتزال
v   المدرسة الأشعرية
ثم حاول التوفيق بينها جميعا الفيلسوف ابن رشد.

     I.            الحرية والمسؤولية عند المجبرة:
نسب القول بالجبر إلى الجهم بن صفوان مؤسس فرقة الجهمية المدافعة عن القول بالجبر الخالص، وقد تبنّت الدولة الأموية عقيدة الجبر ودافعت عنها رغم ما ارتبط بها من انحرافات سلوكية وتحميل تبعاتها إلى اللّه تعالى.
يتخلص رأي هذه المدرسة في مسألة الفعل الإنساني، في قولها بنفي الإرادة الحرة والقدرة الفاعلة عن الإنسان، وإن الأفعال تنسب إليه عن طريق المجاز لا الحقيقة كما تنسب إلى الجمادات لأنّ الفاعل الحقيقي هو اللّه وحده دون سواه. يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي: "قالت المجبرة في الإرادة أنّها من صفات الذات وأنّه تعالى لم يزل مريدا لكل ما يكون من فعله وفعل غيره".
تمسك المجبرة بنفي الإرادة الفاعلة عن الإنسان من أجل المبالغة في تقديس الذات الإلهية و قد أدى إصرارهم هذا إلى تقليص فكرهم. قال جمال الدين الأفغاني" كان بين المسلمين طائفة تسمى بالجبرية ذهبت إلى أن الإنسان مضطر في جميع أفعاله اضطرارا لا يشوبه اختيار، وزعمت أن لا فرق بين أن يحرك الشخص فكه للأكل و المضغ وبين أن يتحرك يقفقفه البرد عند شدته و مذهب هذه الطائفة يعده المسلمون من منازع السفسطة الفاسدة و قد انقرض هذا المذهب في أواخر القرن الرابع من الهجرة، ولم يبق لهم أثر[5]. تعرض هذا المذهب إلى النقد من طرف خصومه لتعارضه مع المقصد الديني المؤكد على أهمية التكليف و الجزاء و بهذا نزلت الشرائع. وظهر مقابل هذا الاتجاه مدرسة المعتزلة المدافعة عن حرية الإرادة الإنسانية وتأكيد المسؤولية على المكلف.
II.            مدرسة المعتزلة و القول بالحرية:
     ربط المعتزلة مسألة أفعال العباد بأحد أصولهم الخمسة الذي به اشتهروا فسموا بأهل العدل.  يقول محقق كتاب الانتصار :"أمّا الأصل الثاني – العدل – فهو بلا شكّ  موضوع للرّد على المجبرة وبعض من قالوا بوقوع الظلم من الله تعالى من الرافضة ، وكانت المجبرة قد قويت ونمت في ذلك الزمان ، وظهر على رأسهم جهم ابن صفوان الذي أقدم على ما لا يطاق من القول بالجبر وغالى فيه مغالاة لم يسبقه إليها أحد ، وثبت بالتاريخ أن المعتزلة القديمة ناظرت الجهمية[6] ".
         دافع المعتزلة عن مبدأ العدل الإلهي منطلقين من أصل الشّرع فاللّه كلّف عباده وأنزل عليهم الشرائع ووعد بالحساب والجزاء. وهذا كلّه لا ينسجم مع القول بالجبر. لأنّه تعالى متصف بالعدل لا يثيب أو يعاقب على ما أكره عليه عباده، وعلى هذا الأساس لا بدّ من القول بحرية الإنسان في إتيان أعماله. فلو كانت الأفعال منه تعالى لبطل التكليف والجزاء.
         يقول ابن حزم:"قالوا - المعتزلة - وجدنا من فعل الجور في الشاهد كان جائرا ، ومن فعل الظلم فهو ظالما، ومن أعان فاعلا على فعله ثم عاقبه عليه كان جائرا عابثا ، والعدل من صفات اللّه، والظلم والجور منفيان عنه[7]، قال تعالى :"وَمَا رَبُّكَ ِبظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ[8]". "وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ[9]".
         إن دفاع المعتزلة في القول بحرية الإنسان المكلف دفعهم إلى تأويل النّصوص التي ظاهرها الجبر تأكيدا للعدل الإلهي. وللتمييز بين ما يتصل بالإرادة الإنسانية، وما يتجاوز حدودها، قسم المعتزلة الأفعال إلى قسمين: أفعال إرادية و أخرى لا إرادية. يقول القاضي عبد الجبار هنا " إنّ الغرض من القول بخلق الأفعال هو الكلام في أنّ أفعال العباد غير مخلوقة فيهم وأنّهم محدثون لها  والذي يدل على ذلك أن نفصل بين المحسن والمسيء على إساءته  ولا تجوز هذه الطريقة في حسن الوجه وقبحه  ولا في طول القامة وقصرها حتى لا يحسن منا أن نقول للطويل لما طالت قامتك ولا للقصير لم قصرت[10] ؟" استدل المعتزلة على القول بنسبة الأعمال الإرادية إلى الإنسان وأنه فاعل لها على وجه الحقيقة بأصل العدل الإلهي الذي يقتضي أن لا يظلم اللّه العباد بدفعهم إلى الفعل ثمّ يعاقبهم عليه. وقدّموا مجموعة من الأدلّة النّصية مثل قوله تعالى :"فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرَ[11]" وقوله تعالى "وَ مَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ". واستنتجوا من عموم النّص القرآني أنّ القول بالجبر يتعارض مع مقاصد الدين المؤسسة على احترام الإنسان وتكليفه وابتلائه على ما التزم به من مهمة الاستخلاف.
         إنّ أصل المسؤولية عند المعتزلة أن الإنسان لا يسأل إلاّ عمّا كان صادرا عنه وفي حدود إرادته واختياره وبما أنّه تعالى عدل في فعله حكيم في قراره لا يجوز أن تصدر عنه المظالم. وللتمييز بين الفعل الإرادي والفعل الاضطراري : أن كل فعل استطاع الإنسان أن يلوم نفسه عليه فهو من فعله وما لم يستطع اللّوم عليه فهو من اللّه . ومن هنا فالفواحش والمظالم لا يمكن أن تكون من اللّه للومنا فاعلها عليها، ولتتحقق الغاية من الدين وبعثة الرسل.
           إنّ القول بنسبة الفعل الإرادي إلى الإنسان الفاعل وإثبات الإرادة الحرّة عنده أدى بالمعتزلة إلى تأويل النصوص. القرآنية التي تحمل في ظاهرها الجبر مثلا: قوله تعالى:"وَلَقَدْ ذرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ[12]".  بمعنى أنّ اللّه علم بما سيكون عليه من الأحوال فأخبر تعالى عمّا سيكون منهم وفصّل هذا آخر الآية "لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنُ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَ لَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ." و قوله تعالى "و الله خلقكم و ما تعلمون" بمعنى أن الله خلقكم و خلق ما تعملونه أي خلق الأصنام التي تنحتونها كما تأولوا المشيئة في الآيات القرآنية بأن الله تعالى لا يشاء إلا ما شاءه الإنسان حتى يقيم عليه الحجة وفي قوله تعالى " يضل من يشاء ويهدي من يشاء[13]" بمعنى أن الله تعالى يحكم عليهم بالضلال فسمّاهم به لأنهم أحبوه فشاءه لهم بعد مشيئتهم له حتى لا يلزمهم بما لا يريدون[14].
    . هذا مجمل تصور المعتزلة لمسألة الحرية و المسؤولية، فكل إنسان توفرت فيه شروط التكليف من عقل و قدرة و بلوغ فهو فاعل لما صدر عنه عن طريق الإرادة الحرة الفاعلة و من هنا فهو مسؤول عن كل أفعاله و أعماله ما لم تتوفر الموانع الدالة على عدم التكليف.
III.            مدرسة الأشعرية و موقفها من الحرية و المسؤولية:
    ربط الأشعري مسألة الحرية الإنسانية بالإرادة الإلهية المطلقة و بما أن الله هو الخالق و المسير و المهيمن فهو المتصرف في كل شيء و لا يحدث في عالمه ما هو خارج عن إرادته وقدرته. فالله الخالق للإنسان والخالق لقدرته و إرادته و الخالق للفعل ساعة حدوثه، و بهذا لم يبق للإنسان إلا كسب الفعل. ركز الأشعري نظرته إلى أفعال العباد على موقف أهل السنة و الجماعة الذي عبر عنه الشيخ أبو الحسن البصري في رسالته لعبد الملك بن مروان عندما سأله عن موقف السلف في نسبة الأعمال إلى العباد قال" إنه تعالى ليس بظلام العبيد و لم يكن أحد ممن مضى من السلف ينكر هذا القول و لا يجادل فيه لأنهم كانوا فيه على أمر واحد متفقين و إنما أحدثنا الكلام فيه حين أحدث النّاس الفكرة له(بمعنى تنكروا لموقف السّلف) و ارتكبوا الأهوية المضلة و الذنوب الموبقة وحرفوا كتاب الله تعالى[15]" ثم يبين أبو الحسن أنّ الله تعالى لا يحدث أمرا يتعلق بالعباد إلا استنادا إلى موقف منهم يقول " إنّ الله لم يكن مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم فكان بدء النعمة من الله و كان التغيير من العباد[16]."
    وبعد عرض نصوص من الكتاب و السنة  تقيد حرية العبد في إتيان أعماله مثل قوله تعالى "فمن شاء منكم أنّ يتقدّم أو يتأخر[17]" قال الأشعري المقصود بـ "ذلك أن الله قد جعل فيهم من القدرة ما يتقدمون بها و يتأخرون ليستحق المحسن الجنة و يستحق المسيء النار[18]"
    إنّ مجمل ما عبر عنه شيخ أهل السنة و الجماعة هو أنّ الله محيط بكل شيء مع تحمل الإنسان مسؤولية عمله داخل الإرادة التامة و الشاملة. ولتوضيح هذه الفكرة سعى الأشعري إلى معالجة مشكل الخلاف بين المجبرة و المعتزلة و قال بأنّ الأفعال مخلوقة من الله تعالى و ليس للإنسان إلا التفكير و الإرادة و الحركة و سمى هذا كسبا. فالكسب هو تعلق القدرة الحادثة بالمقدور في محلها من غير تأثير. وهذا يعني أنّ الإنسان المخلوق و بالقدرة المخلوقة فيه ليس له فعل مؤثر في الموجودات لأن الفعل و الفاعل و الأداة المنفذة و القدرة المستطيعة كلها من الله تعالى. فالأفعال تنسب إلى الله تعالى خلقا و إبداعا و تنسب للإنسان كسبا و وقوعا. فالعبد له مجرد الرغبة في الفعل و السعي إليه، و الله تعالى هو الموجد له.
    إنّ هذه المدرسة كانت محل نقد من طرف المعتزلة و ابن رشد الذي ارجع رأي الأشعري الأستاذ إلى مدرسة الجبر إلا إنّ مجبرة الجهم اتسمت بالغلوّ بحيث نفت عن الإنسان حتّى الرغبة أو السعي لأن عمله ينسب إليه مجازا لا حقيقة كالجمادات. أما الأشعري فكانت جبريته أقل غلوّا لاعترافه بقليل من الحرية عند الإنسان المعبّر عنها بنظرية الكسب (الرغبة و التوجه لإتيان الفعل)
    يقول ابن رشد هنا " أما الأشاعرة فقد راموا أنّ يأتوا بقول وسط بين القولين فقالوا أنّ للإنسان كسبا و أنّ المكتسب به و الكسب مخلوقان لله تعالى[19]."
    لقد حرص الأشعري من خلال قوله بالكسب على أمرين أساسيين:
1.    الاعتراف بأن الله تعالى هو الخالق لكل شيء.
2.    تأكيد ما يشعر به الإنسان من أنّه يمتلك إرادة و قدرة على إتيان الفعل باختياره.
    إنّ نظرية الكسب التي جاء بها الأشعري التي جاء بها الأشعري تتلخص في أنّ الله تعالى هو الخالق و حده للإنسان و للفعل و للقدرة الفاعلة و ليس للإنسان إلا التوجه لكسب الفعل.
    إنّ رأي الأشعري لم يقدم الدليل العقلي المنطقي للإقناع بنظريته لهذا حرص تلاميذه على معالجة القضية بنسبة الفعل الواحد إلى فاعلين ( الله و الإنسان) مثل الماتريدي و الإيجي و الغزالي و الرازي، وقالوا بوجود قدرتين للفعل الواحد: قدرة من الإنسان مُسَيَّرة و أخرى من الله تعالى مُيُّسرة. و الفعل لا يتم إلا بهما معا و بهذا فكوّا الخصومة بين المدرستين ( القائلة بالجبر الخالص، والثانية القائلة بالحرية التامة للإنسان و ضمنوا القول بالإرادتين الإرادة التكليفية و الإرادة الكونية) فالإنسان يتحمل مسؤولية فعله لأنه كان طرفا في الفعل. أما الطرف الثاني فهو الإرادة الإلهية الميسرة فلا تلزم الفاعل بفعله بل فقط تهيء له الأسباب لينجز عمله الذي اختاره و شاءه.
ولتقريب صورة الفعل الحاصل بالإرادتين الأولى من الإنسان والثانية من اللّه قالوا :إنّ العاقل قادر على التمييز بين ما هو من مقدوره وما يتجاوز مقدوره ويدرك الفرق بين ما هو بإرادته وما يتجاوزها كالألوان والصفات".
إنّ القول بوجود فاعلين للفعل الواحد (الإنسان يأتي الفعل بقصده والسعي إليه واللّه يهيء الأسباب الخارجية ليقع الفعل) وبهذا كان الفعل بإرادتين إرادة مسيّرة من الإنسان وإرادة ميسّرة من اللّه.
إنّ هذا القول طوّره ابن رشد وأظفى عليه طابعا فلسفيا جعل فيه الإنسان يتصرف بحرية في حدود الإرادة الكونية التّامة والكاملة وعبّر عن هذا بقانون السببية.
IV- ابن رشد والحريّة الإنسانية:
         نظر ابن رشد إلى مسألة الإرادة الإنسانية وعلاقتها بالفعل في ظلّ الفكر الكلامي فوجدها من أعوص المسائل الدينية لما ترتب عنها من انقسام فكري أدى إلى ظهور مدارس كلامية من أهمها.
ü    مدرسة الجهم ابن صفوان القائلة بالجبر المطلق.
ü    مدرسة الإعتزال القائلة بالإرادة الحرّة عند الإنسان.
ü    مدرسة الأشعرية التي حاولت التوفيق بين الجبر والإختيار.
ودقّق في الأسباب الداعية إلى الاختلاف فوجدها شرعية تتمثل في فهم النّص وعقلية تتجلى في فهم علاقة الفعل الإنساني بالفعل الإلهي.
قال :"هذه المسألة من أعوص المسائل الشرعية وذلك أنّه إذا تُؤُمِّلَت دلائل السّمع في ذلك وجدت متعارضة وكذلك حجج العقل ... فهذا هو أحد أسباب الاختلاف في هذه المسألة وللاختلاف كما قلنا سبب آخر سوى السمع وهو تعارض الأدلة العقلية في هذه المسألة وذلك أنّه إذا فرضنا أنّ الإنسان  موجد لأفعاله وخالق لها وجب أن يكون ههنا أفعال ليس تجرى على مشيئة اللّه  تعالى ولا اختباره فيكون ههنا خالق غير اللّه[20]."  ثمّ تابع افتراضاته مبينا أنّه إذا افترضنا أن الإنسان غير مكتسب لأفعاله وجب  أن يكون مجبورا، والمجبور غير مكلّف ، وبهذا لا توسط بين الجبر والاكتساب، فالجبر يعني أن اللّه كلّف عبده بما لا يطاق وسأله عنه وهذا أصل الظلم لأنّه لا بدّ أن نأخذ في اعتبارنا أنّه ليس للإنسان فيما لا يطيق استطاعة و" الإستطاعة عند جمهور المسلمين شرطا وفي صحّة التكليف كالعقل سواء بسواء[21]."
    وبعد وضع المسألة في إطارها الطبيعي من حيث أنّها ليست من الأمر الهين وأن القول بنفي الإستطاعة يؤدي إلى الجبر المطلق والجبر لا ينسجم مع التكليف لأنّ الإرادة إن لم تكن مؤثرة فهي ليست مسؤولة. بعد هذا رجع لشرح القضيّة من منظوره الفلسفي.
    إنّ القول بأن الإنسان مريد للفعل وقادر عليه يعني أنّه حر، والحر هو من يصح منه الفعل وعدم الفعل وفق مراده من هنا: فمن شاء المشي قدر عليه، ومن لم يشأه قدر عليه هذا فيما يتصل بالإنسان المكلف والمسؤول أمّا الجمادات فهي لا تملك حرية الفعل والترك بل الأفعال متصلة بخصائصها.
فالنار مثلا تصدر عنها الحرارة ويحصل التسخين فهو متصل بها لخصائصها الضرورية فهي لا تملك منع صدور الحرارة عنها و حصول التسخين إلاّ بتدخل العناية الإلهية مثل نار إبراهيم قال تعالى:"قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ[22]".
         إن الإرادة الحرّة عند ابن رشد تعني ضمان حق اختيار الفعل وفق المشيئة، وعلى هذا الأساس تكون الإرادة هي رغبة باستطاعتها إمكان فعل أحد المتقابلين على السواء.
         وفي ربط الفعل بالجزاء يرى ابن رشد أنّ ربط الفعل بفاعله هو المحدّد لاستحقاق الجزاء ونفي الكسب عن الإنسان يؤدي إلى نفي التّكليف لأنّه لا يعقل محاسبة العبد على فعل لم يصدر عنه بإرادته وقدرته واختياره ومحاسبة الإنسان عن أفعال خارجة عن إرادته هو ظلم، واللّه لا يظلم عباده. بهذا فلا تكليف إلاّ إذا وجدت صلة بين الفعل والفاعل.
         وبعد تحديد معنى الإرادة الفاعلة والمسؤولة  رجع لمعالجة مسألة الخلاف. يقول :"إذا كان هناك تعارض فكيف نجمع بين هذا التعارض الذي يوجد في المسموع نفسه وفي المعقول؟ إنّ الظاهر من مقصود الشارع ليس تفريق الاعتقادين وإنّما القصد هو الجمع بينهما على التوسط بشرط أن يكون حقّا[23]".
         إنّ التوسط الذي سعى ابن رشد إلى تحقيقه يتمثل في كيفية الخروج بحل معتدل يكون فيه الفعل من الإنسان، وفي حدود الإرادة الإلهية، وقد عبّر عن هذا تلاميذ الأشعري بتقسيمهم الإرادة الفاعلة في الفعل الواحد إلى إرادتين إرادة من الإنسان سمّوها الإرادة المسيّرة والثانية من اللّه وسموها الميسّرة. وابن رشد أيضا يرى أن اللّه خلق الإنسان ومنحه مؤهلات وقوى يستطيع بها اكتساب الأشياء لكن الاكتساب لا يتم إلاّ بمواتاة الأسباب الخارجية التي سخّرها اللّه لنا وبزوال العوائق تتم الأعمال المنسوبة إلينا بالأمرين معا فالأفعال تحصل بكسبنا وبموافقة الأشياء الخارجية المعبّرة عنها بقدر اللّه. فإرادة اللّه المعبّر عنها بالأسباب الخارجيّة المحيطة بنا هي المتحكمة في حصول الفعل وانعدامه وهي السّبب كذلك في أن نريد الفعل أو لا نريده.
يقول في هذا الغرض :"يظهر أنّ الله تبارك و تعالى قد خلق لنا قوى نقدر بها أن ّ نكتسب بها أشياء هي أضداد لكن لما كان الاكتساب لتلك الأشياء ليس يتم لنا إلا بمواتاة الأسباب التي سخرها الله لنا من خارج و زوال العوائق عنها كانت الأفعال المنسوبة إلينا تتم بالأمرين جميعا[24]."
    أرجع ابن رشد كما تقدم الأفعال إلى سببين:
 * سبب من الإنسان يتمثل في امتلاكه للقدرة الفاعلة و الإرادة الحرة.
 * سبب من الله تعالى يتمثل في تهيئة الظروف و الأسباب المحيطة بالشخص الفاعل أو بالفعل المراد و عندما تتلاءم جميعها يتم الفعل. بهذا لا تتم الأفعال إلا بموافقة الأسباب و القوانين الموجهة من الله تعالى. وبهذا فجميع الأفعال خاضعة لقانون القضاء و القدر وهو النظام الكوني الذي تتحرك في ظله جميع الأفعال، و هو المعروف باللوح المحفوظ و العلم الإلهي.
    يقول ابن رشد:"و كانت إرادتنا و أفعالنا لا تتم و لا توجد بالجملة إلا بموافقة الأسباب التي من الخارج فواجب أنّ تكون أفعالنا تجري على نظام محدد أعني أنها توجد في أوقات محددة و مقدار محدد... و النظام المحدد الذي في الأسباب الداخلية و الخارجية هو القضاء و القدر الذي كتبه الله تعالى على عباده و هو اللوح المحفوظ[25]."
    إنّ ابن رشد و إنّ ربط بين الأسباب الداخلية و هي مخلوقة من الله تعالى في الإنسان و هي المؤهلات المسيرة فيه كالعقل و الإرادة و القدرة. الأسباب الخارجية وهي القوانين المحيطة بنا والمتحكمة في سيرنا و إنّ لم نتفطن إليها لأنّه كثيرا ما نعزم على القيام بالفعل و نخطط له بإحكام و تأتي موانع خارجية تعرقل تنفيذ الفعل، وقد عبر عن هذا المتأخرون من الأشاعرة بالإرادة الميّسرة ووصفها ابن رشد بالأسباب الخارجيّة و سماها بالقضاء و القدر و بهذا أعطى للموضوع مفهوما فلسفيا تمثل في أنّ ما يعرف عند عامة المسلمين بالقضاء و القدر و المعروف عندهم بالعلم الإلهي المحيط بكل شيء و بالإلزام الإلهي من أجل حصول قضائه و قدره أصبح هذا المفهوم سهلا في مفهومه و في بيانه فهو القانون العام الذّي يتحرك فيه الجميع، و هو العلم الإلهي المحيط بكل شيء قبل وقوعه و هو نظام العلية و قانون السببيّة.
    بهذا المفهوم حثّ ابن رشد ضرورة فهم ما يحيط بنا حتّى نستطيع تحقيق مرادنا و في هذا دعوة إلى العلم و المعرفة فكلما اكتشف الإنسان مجهولا تمكن من التأقلم معه. إنّ معنى القضاء و القدر عند ابن رشد خرج من مدلول التسلط الإلهي على الإنسان و ابتلاع قدرته و إرادته الحرة و الفاعلة إلى مدلول القانون و النظام المحيط بالوجود بما فيه الإنسان، و بهذا فالقضاء هو فهم ما يحيط بنا، و القدر الملاءمة بين الأسباب الداخليّة و الخارجيّة، و تحقيق الفعل، و الأسباب الخارجيّة لا تمنع الإنسان من تحقيق إرادته إذا فهمها و أعدّ لها و تكيف معها.
    يقول ابن رشد:" و لمّا كان ترتيب الأشياء و نظامها هو الذّي يقتضي وجود الشيء في وقت ما أو عدمه في ذلك الوقت وجب أن يكون العلم بأسباب شيء ما هو العلم بوجود ذلك الشيء و عدمه في وقت ما. و العلم بالأسباب على الإطلاق هو العلم بما يوجد أو ما يعدم في وقت من أوقات جميع الزمان[26]."
    أراد ابن رشد بهذا التفسير لعلاقة القضاء و القدر بأفعال الإنسان الرّد على المتكلمين الذيّن بقوا يدورون في حلقة واحدة تربط الإرادة الإلهية بالإرادة الإنسانية من أجل المحافظة على كمال الذات الإلهية المحيطة بكل شيء. و هذا التأويل منهم لم يعط للمسألة بعدها الإنساني المرتبط بالتكليف والمسؤولية. فجميع المسلمين لا ينكرون التكليف و لا المسؤولية، و هذا لا يتم بنفي الإرادة والقدرة عن الإنسان و لا يجعلها إرادة مطلقة و قدرة تتجاوز كل القيود.
    إنّ مذهب ابن رشد في مسألة الفعل الإنساني و إنّ سبق برأي مماثل عند المتأخرين من الأشاعرة عندما ربطوا الفعل الواحد بإرادتين مسيّرة من الإنسان و ميّسرة من الله تعالى فهو أعطى للمسألة بعدا فكريا ووضعها في محلّها الطبيّعي فالإنسان يمتلك المؤهلات التّي بها استحق مهمة الاستخلاف، و هو في نفس الوقت محاط بنظام عام من خارج لا بد لكي يحقق مراده أنّ يفهم هذا النظام ويستعد له ليستفيد منه و ينفذ مراده في حدود قدرته. و لا يمكن لمسلم يقوده العقل أنّ ينكر نظام الوجود. وأنّ الإنسان كمخلوق مكلف لا يعمل خارج العناية الإلهية التامة و الشاملة، يقول ابن رشد:" ينبغي أنّ تعلم أنّه من جحد كون الأسباب مؤثرة بإذن الله تعالى في مسبباتها فقد أبطل الحكمة، و أبطل العلم، وذلك أن العلم هو معرفة الأشياء بالأسباب الغائية. و القول بإنكار الأسباب جملة هو قول غريب جدّا عن طبائع الناس.[27]"
إلاّ أنّ هذه النواميس الكونية المؤثرة من الخارج لا تؤدي إلى إلزام الناس بالفعل  أو الترك بل هي مجرد أسباب  ضرورية لا مفر منها  لهذا فمن الحكمة فهم النظام الكوني الذي يحيط بالإنسان حتى يتصرف في حدود ما يتلاءم معه. فالأسباب ليست موانع معطلة للفعل بل هي طبائع ثابتة لا تتغيّر. إنّ معرفة أسرار هذا الكون وطبيعة تنظيمه وحركته لا تتعارض مع جوهر الدّين بل هي أصله وجوهره لأنّ اللّه أودع في الإنسان المكلّف وسائل المعرفة الحسيّة منها والعقلية وهذا حتى لا يكون الإنسان مجرّد جهاز تصوير أو آلة تصوير لا يدرك الحكمة  من الإبداع المحكم للنظام العام المسيّر للوجود بل هو إدراك يلتقط ويميز ويستوعب ويعقل لهذا لا بدّ أن يعرف سرّ النظام الكوني حتى يتمكن من التلاؤم  مع الوجود وهذا هو الواجب الموكل للإنسان الخليفة لأنّ في معرفة أسرار الوجود معرفة بعظمة الخالق، لهذا كان العلماء أكثر إيمانا وأكثر درجة هذا ما أكّده الوحي المحمّدي في قوله تعالى :"إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ"  و قوله :"يَرْفَعُ اللَّهُ الذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ".  هذا ملخص ابن رشد في مسألة الحرية الإنسانية وعلاقتها بالعناية الإلهية.
v- الإنسان حرّ و مسؤول:   
         إلى جانب تمييز الإنسان بتكريمه في خلقه وفي تسخير الوجود لفائدته وفي سجود الملائكة له وبتمتعه بمؤهلاته فهو كذلك مكرّم بتكليفه وبمسؤوليته لأنّهما يضمنان له السّعادة في الدنيا والفلاح في الآخرة.
         إذا كانت الجمادات خاضعة تمام الخضوع إلى سنن الكون التي رسمها اللّه لتنظيم سير الوجود كما قال تعالى :"وَسَخَّرَ الشَمْسَ وَالقَمَر كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمَّى[28]". والحيوانات خاضعة لسلطان الغرائز كخضوعها أيضا إلى نواميس الكون قال تعالى:"سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ كُلٌ لَهُ قَانِتُونَ[29]".
فإنّ الإنسان يخضع لسنن الكون ولغرائزه فهو في بغض أعماله كالجمادات لا يمتلك فيها الإرادة ولا القدرة كالأعمال الاضطرارية وفي بعضها كالحيوانات وهذا في الأمور الحياتيّة الضرورية وهذا يدخل في باب المباحات الشرعية. وهو متميّز عنها بامتلاك آلة التمييز وحرية الإرادة في اختيار الأفعال والتمييز بينها وفي هذا النوع فقط يدخل التكليف وتتحدّد المسؤولية، وفي إبراز هذا التمييز الذي اختصّ به الإنسان جاء قوله تعالى :"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ والشَّمْسَ وَ القَمَرَ وَالنُجُومَ وَ الجِبَالَ وَالشَّجَرَ وَالدَّوَابَ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذَابُ[30]." فالآية وضحت أن كل المخلوقات باستثناء الإنسان خاضعة لنظام واحد لا تخرج به عن الأمر الإلهي، أمّا المخلوق الخليفة المالك لمؤهلات الاستخلاف فله أن يطيع وله أن يرفض وأنّه وحده من سيحاسب عن كفره وطاعته.
    إنّ الحريّة الإنسانية لا تخرج في عمومها عن الإرادة الإلهية المطلقة وهي المعروفة بالإرادة الكونية ومن هنا فالإنسان يمارس حريته في حدود النظام الكوني المحيط به ، وهذا يوجب عليه أن يكون عارفا بأسراره حتى تتلاءم إرادته مع الإرادة الكونية.
         إنّ النّظام الكون هو المعروف بالقدر، فاللّه الذي قدّر الليل والنهار وهو الذي خلق كلّ شيء فقدّره تقديرا، وعمل الإنسان لا يخرج عن قدر اللّه من حيث أنّه يعلمه وهيّأ له الأسباب المساعدة وهو الذي وهب الفاعل القدرة على الفعل من هنا فجميع أعمال العباد لا تخرج عن إطار القضاء والقدر. ويمكن أن تمثّل للعلاقة بين العلم الإلهي والفعل الإنساني بصورة تقريبية. فالمهندس مثلا عندما يقدّر لآلته سرعة معينة واتجاها معيّنا فإنّه باستطاعته أن يعرف موضعها في زمان معيّن قبل أن تصله. كذلك فالعلم الإلهي محيط بكلّ حركة تحدث في عالمه لأنّها حدثت بقدرة معينة وتحيط بها أسباب معينة وهذا العلم السابق لا دخل له في توجيه الفعل.
         إنّ الفعل الإنساني محاط بمجموعة من القيود والأسباب لا يستطيع تجاوزها إلاّ بمعرفتها وحسن التعامل معها، فاللّه هو الخالق للإنسان، والواهب للعقل المميّز والإرادة الحرّة والقدرة الفاعلة، وهو المهيء للأسباب، لهذا فالفعل مخلوق من اللّه مكتسب من الإنسان، وبما أن ارتباط الأسباب بالمسببات والنتائج بالمقدمات هو من عمل اللّه  فإنّ المشيئة الإلهية لا يمكن الاستغناء عنها في الفعل البشري.
         إنّ العلم الإلهي والإرادة الشاملة لا يحملان الإنسان على فعل ما لا يريده ولا يمنعه مما أراد لأنّه تعالى لا يجبر عبده على الفعل أو الترك بل فقط يعدّ له الأسباب المساعدة إن رغب في الفعل خيرا أو شرّا. قال تعالى:"فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَ التَّقَى وَ صَدَّقَ بِالحُسْنَى فَسَنُيَسَِرُهُ لِلْيُسْرَى وَ أَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى".
         كلّف اللّه عباده في حدود إرادتهم الحرّة وقدرتهم الفاعلة، وكان التكليف على سبيل الاختيار والابتلاء من أجل إقامة الحجّة الملزمة على الإنسان الخليفة. واللّه قادر على إجبار الناس لكنه لا يفعل ذلك تحقيقا للعدل وتكريسا للمسؤولية قال تعالى:"قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ[31]" فالحرية الإنسانية لا تتجاوز حدود النظام العام لأنّها محدودة و مسؤولية، والمسؤولية فردية ومباشرة. قال تعالى:"وَ لاَ تَزِرُوا وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى[32]" "كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ[33]"
         إنّ الحرية المسؤولية لا تستسلم لسلطان القدر بل تحتّم على المسلم أن يكون مدركا للواقع وعالما بظروفه ونتائجه حتى يتأقلم مع الأفضل. وقد جسّد الإرادة الحرة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لمّا توقّف عن دخول أرض الشام لوجود مرض الطاعون بها فسأله أبو عبيدة. أتفرّ من قدر اللّه ؟ قال عمر :"أنا أفر من قدر الله إلى قدر الله" كما روي عن الشيخ عبد القادر الجيلاني قوله"أنا أغالب الأقدار بالأقدار"
    من هنا نلاحظ أن الحرية الإنسانية حريّة مسؤولة وهي في نفس الوقت ترفض الاستسلام وقبول الواقع على أنّه من قدر اللّه لأنّ هذا يقاوم بالعلم وهو قدر اللّه. فالإنسان حرّ فيما يدخل تحت حدود قدرته ولا حريّة للإنسان إلاّ بالمعرفة المحيطة بمعطيات الفعل.
فالإنسان في التّصور الإسلامي حرّ في إطار فهم محيطه و مسؤول أمام خالقه و ضميره ومجتمعه.