الجمعة، 10 مايو 2013

الإعلام و التنمية



    

المقدمة
   تتزايد أهمية الإعلام في العصر الراهن يوما بعد يوم، وأصبح بوسائله المختلفة أفضل القنوات تأثيرا وأسرعها وصولاً لأكبر عدد ممكن من الجماهير، وغدت أكثر تعقيداً بفضل كثرة المحطات الإذاعية والتلفزية وازدياد ساعات بثها، وزاد استخدام الأقمار الصناعية من دائرة البث كما ظهرت وسائل اتصال حديثة مختلفة نتيجة لاندماج ثورة الاتصالات وثورة المعلومات وثورة الحاسب الآلي وظهرت خدمات عديدة ومتنوعة لتلبية الاحتياجات المتزايدة للأفراد إلى المعلومات من اجل العمل والترفيه مثل الحاسبات الشخصية المتنقلة والاتصالات الرقمية والألياف الضوئية وما نتج عن ذلك من خدمات اتصالية جديدة مثل الفيديو تلكس والتليتكست والاتصال المباشر بقواعد البيانات وعقد المؤتمرات عن بعد والبريد الالكتروني وفي الوقت نفسه انعكست هذه التطورات على الصحف والإذاعة والتلفزة والسينما وتفرعت عنها وسائل الاتصال الصغيرة أو المحلية التي اندمجت مع قنوات الاتصال الشخصي التقليدية وأصبحت معاً أداة لمساعدة وسائل الاتصال الجماهيرية في مجال المستحدثات الجديدة والتطوير. 
   لقد رافق التطور والتقدم الذي شهده العالم حدوث ازمات وصراعات كبيرة شملت جوانب مختلفة عديدة ولا يمكن الخروج منها إلا بالتنمية، وخصوصاً وإننا نعيش الآن في عالم العلم والمعرفة والفكر والانفتاح الذي يتطلب التفاعل مع معطيات المرحلة الراهنة ومواجهة تحدياتها، فلم يعد الصراع يتمثل في القوة العسكرية والسيطرة السياسية على الأراضي واحتلالها وإنما انتقل إلى كيفية استخدام المصادر الطبيعية بوسائل علمية ومخترعات تكنولوجية حديثة. بما إن عملية التنمية أساساً تستهدف تطوير القدرات البشرية وتعبئتها للتغلب على المشاكل والعقبات التي تحول دون الوصول إلى السعادة التي ينشدها، والتنمية كعملية غايتها الناس وأدواتها الناس لذا فالمشاركة العامة في تنفيذها من أهم الأسس للنجاح، اذن أساس النجاح أن يصبح لكل فرد دوراً في عملية التنمية، أن يكون واعياً بما يجري حوله ودوره في تطوير المجتمع وتنميته، وهذه أمور تحتاج إلى توعية وتثقيف متصلين. وتحتاج إلى تعليم وتدريب مستمرين، ومن هنا تبرز أهمية الإعلام في المجتمع وكيفية استخدام وسائله المختلفة بهدف تعبئة الجماهير ذات المصلحة في التغيير والتنمية، وحل المشكلات التي تعترضها عن طريق تقوية وتدعيم وسائل الإعلام المختلفة. فالمجتمع بحاجة إلى إعلام يواكب خططه الإنمائية ويعمل على خلق المشاركة من جانب أفرادها في عملية التنمية، فهو السبيل لنشر المعرفة بخطط السلطة السياسية. وهو الذي يوفر الرغبة في التغيير و ينمي اهتمام الناس بتغيير مجتمعهم.
   يعد الاعلام ضرورة من ضرورات التقدم للمجتمعات، وتستطيع المساهمة بشكل فعال في التنمية. لذا اصبحت قضية الإعلام ودوره في عملية التنمية من أهم القضايا التي تثير اهتمام الدول في العصر الراهن، اذ تتنافس الدول فيما بينها في السبل والوسائل المستخدمة وبكل الامكانات والقدرات المتاحة المادية والبشرية لتطوير وتنمية مجتمعاتها، لان التنمية تمثل المعيار الأساسي للتغيير الحضاري لأي مجتمع يطمح بالتقدم والتطور، ويعترف الجميع بأن وسائل الإعلام المختلفة تلعب دورا كبيرا ومهما في انجاح العملية التنموية خاصة وأنها اصبحت تدخل في تفاصيل العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في جميع المجتمعات، المتقدمة منها والنامية، بنسب متفاوتة خاصة وأن نجاح العملية التنموية يعتمد بشكل كبير على تلك العوامل وعلى مدى قوتها ونجاحها وشدة تأثيرها. إن التحول الكبير الذي طرأ على المجتمع شمل مختلف المستويات والجوانب، ولم يعد بالإمكان اعتبار الاعلام مجرد وسيلة لتوصيل الخبر، وإنما بوصفه قوة تؤثر بشكل فاعل في الجمهور، ومن ثم تساهم في تشكيل المفاهيم وتوجيهها، إذ يعتبر الإعلام أهم أداة في التعبئة الجماهيرية. بعد انتشار وسائل الإعلام على نطاق واسع وتعاظم أثرها، عمد الباحثون في علم الاتصال بوجه عام، والإعلام بشكل خاص، على البحث في العلاقة بين هـذا التخصص وبين التخصصات الأخرى كالاجتماع والتربية والسياسة ونحوها ومحاولة التعرف على طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه وسائل الإعلام في تفعيل العلاقات بينها وبين جمهورها، خـصوصاً إذا كان الجمهور بمفهومه العام يمثل عنصراً أساسياً في نجاح الوظائف التي تقوم بها، كما انصب الكثير من البحوث الإعلامية حول كيفية تسخيرها في عميلة التنمية.
    إن الاهتمام المتزايد بالبحث في هـذه العلاقة المتبادلة بين الإعلام وغيره من المجالات الأخرى، نتج عنه قيام تخصصات تحمل مسميات عديدة تبرز خصوصية هـذه العلاقة، لذا فان الاهتمام بتأثير الإعلام في تنمية وتطوير المجتمعات، ادى إلى ظهور ما يسمى بالإعلام التنموي.
   لا يخفى على الجميع أن الاقتصاد الرقمي الجديد هو في واقع الأمر نتاج المحصلة تراكمية للفكر لا البشري، وأصبح رأس المال البشري العنصر الفاعل في العلاقات المفاهيمية الجديدة والإعلام بوصفه العنصر الحيوي في تشكيل العلاقات المفاهيمية الجديدة للأفراد والجماعات لذا ينتظر من الإعلام التنموي ان يمارس دوراً متنامياً ومهماً لتقدم مسيرات دول عدة وتطوير أدائها بكفاءة واضحة.
   يتبين مما سبق ان الاعلام بات يشكل احد الدعائم الاستراتيجية لبناء مشاريع التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحضارية لكل المجتمعات، بسبب ممارستها لقوة التأثير على أفكار وآراء ومعلومات وسلوكيات المجتمع، بما يتفق وخطط التنمية، اذ لا يمكن التفكير في ارساء سياسات تنموية ناجحة دون احداث اصلاحات فعالة تعتمد خطط اعلامية محكمة، تنظم وفق اسس علمية ضمن الفرع العلمي التي تسمى بالإعلام التنموي، لأنها مصدراً رئيسيا وفاعلا في دفع الحركة التقدمية للمجتمعات. يتجاوز الاعلام التنموي ادواره الوطنية أو المحلية متخذا بعدا عالميا ودوليا. اولي في الدول المتقدمة اهتماماً بالغاً بهذا الفرع. اذ اعتبر 24 تشرين الأول من كل عام يوم الاعلام التنموي في العالم. يذكر ان الجمعية العامة للأمم المتحدة حددت في عام 1972 يوماً عالميا للإعلام الإنمائي(الاعلام التنموي) يراد منه لفت انتباه الرأي العام العالمي لمشاكل التنمية والحاجة إلى تعزيز التعاون الدولي من أجل حلها. وقررت الجمعية العامة أن يتوافق تاريخ هذا اليوم العالمي مع يوم الأمم المتحدة في 24 أكتوبر، وهو التاريخ الذي اعتمدت فيه في عام 1970 الإستراتيجية الإنمائية الدولية الثانية لعقد الأمم المتحدة الإنمائي.
   خصص الاعلام التنموي قدراته التفاعلية باتجاه ملامسة احتياجات الجمهور بالتعرف عليها ووضع الفرضيات والحلول للقضايا المصيرية المهمة المتعلقة بالواقع الاجتماعي، والتعبئة الجماهيرية للارتقاء والتطور. الفرضية الأساسية لهذا البحث مبنية على أن الإعلام أداة لا غنى عنها في الاستراتيجيات التنموية، ولإنجاح العملية التنموية في يجب بناء الاعلام التنموي لكي
تكتمل الاستراتيجيات التنموية.
    هذه الدراسة تبحث في اطارها العام النظري الاعلام التنموي وأهميته في المجتمع، من خلال عرض علمي بهدف لفت الانتباه لأهميته المحورية والمصيرية في انجاح خطط التنمية، من هذا المنطلق يمكننا تسليط الضوء على مفهوم الاعلام التنموي، ووظائفه وخصائصه وابرز الاشكاليات والتحديات التي تعترضه اثناء قيامه بعملية التنمية. وتبحث الدراسة في اطارها الخاص التطبيقات العملية لإنشاء الاعلام التنموي من خلال التعرض إلى الآليات التي يمكن من خلالها بلورة قنوات اعلامية خاصة في البداية تأخذ ادوار تنموية والكيفية التي تؤهل لبناء كوادر اعلامية تنموية متخصصة. وكيفية الاستثمار الأمثل لوسائل الاعلام المختلفة وتوظيفها من أجل تحقيق التنمية الشاملة.
     المبحث الأول: الإعلام التنموي و تأثيراته المجتمعية
     المسألة الأولى: مفهوم الإعلام التنموي
   أولا: نبذة تاريخية حول نشأة الإعلام التنموي
    ظهر مفهوم الاعلام التنموي في العقد السابع من القرن العشرين، ويعود الفضل الأول في نشأته إلى الباحث ولبر شرام الذي ألف كتابا في وسائل الإعلام والتنمية 1974، انطلق شرام من اهمية الاعلام بصفة عامة من خلال الذاكرة التاريخية للتحولات الكبرى ووجد ان الاعلام احدث اثرا كبيرا في المحيط التي تعمل فيه وهو يرى أن ( أن الثورات في أوروبا وأمريكا ما كانت لتتم دون وسائل الإعلام وكذلك الأمر بالنسبة للتعليم والتطور التكنولوجي والاتصالي، على أساس أن هذه التطورات أحدثت تطورا وتحولا عميقا في حياة الناس) ومن ثم وجد ان (الدور الذي لعبته وسائل الإعلام لتنبيه دول العالم الثالث على واقعها المتخلف كان له أثر كبير في إيقاظ الشعوب المتخلفة من سباتها وفي جعلها تتطلع إلى مستوى معيشة الشعوب المتقدمة، فالإعلام والمواصلات كانا العامل الأهم في إيقاظ هذه الشعوب كما أن الإعلام أعطى الدول النامية قنوات قوية تستطيع أن تبلغ بها جماهيرها رغم الحواجز الكثيرة) ويربط شرام بين واقع تركيز وسائل الإعلام والاتصال، وبالتالي الخدمات الإعلامية التي تقدمها في المدن الكبرى ويوجد نقص شديد في المدن الهامشية أو الأرياف والقرى، وحسب قوله فهذا الأمر موجود في المدن الكبرى والهامشية وفي الدول المتقدمة والنامية على حد سواء. 
يتضح ان الاعلام التنموي نشأ تعبيرا عن الاحتياجات والاهتمامات المجتمعية، ثم تطور كي يصبح مطلبا قوميا وحيويا من ناحية التخطيط القومي العام، وتجسدت اهميته في توصيل وتبسيط وحسن تنفيذ ومتابعة الأهداف القوميه التنموية العليا، ويساعد على خلق تناغم اجتماعي بين المؤسسات الاجتماعية المختلفة. وتدرج في مستويات مختلفة، تنوعت بتنوع الحقول المعرفية التي يشتغل عليها الإعلام، والتوجهات الفكرية والأيديولوجية التي تهيمن على الممارسة الإعلامية، وتحددت تلك المستويات حسب الأبعاد التي يتخذها الإعلام، كالأيديولوجي، والوصفي، والاجتماعي، والديني، والتربوي، والاقتصادي، وغيرها. وطورت تلك المستويات من قدراتها ومنهجياتها ومقاصدها بشكل كبير، لتواكب البعد التنموي للإعلام، فتنخرط كلها في عملية التنمية التي يشهدها الواقع، بعد ذلك برز مفهوم الإعلام التنموي بشكل كبير خلال نهايات القرن الماضي كمفهوم جديد في حقل الإعلام العام. ومن ثم كثر استخدام المصطلح من قبل الخبراء والباحثين في مجال الاعلام والاتصال، خاصة عندما ازداد الإدراك بأهمية التنمية وشمولها لجميع مناحي الحياة، وعلى الدور الكبير الذي يؤديه الاعلام في التنمية، مما شجع على ضرورة وضع استراتيجيات تنموية يكون للإعلام فيها الاساس. 
ثانيا تعريف الإعلام التنموي
       I.            تعريف الاعلام: 
تعريف الاعلام لغةً: يرجع الاعلام في أصله الاشتقاقي إلى الفعل الماضي الرباعي أعلم، ومعناه قام بالتعريف والإخبار بالشيء لغيره، أي أظهر الخبر وأوصله لطرف لم يكن عالماً به. والفعل الثلاثي منه علم أي عرف الخبر أو تم إخباره بالخبر، ويؤسس هذا المفهوم اللغوي لثلاثة علائق في العملية الإعلامية وهي: (الخبر) و(باث الخبر) و(المرسل إليه الخبر)، وهي ثلاثة عناصر يكتمل بها الإعلام.
     II.            تعريف لإعلام اصطلاحا:
يراد بالإعلام في الاصطلاح أحد أمرين:
الأول: ذلك العلم الذي يبحث ويدرس الوسائل والتقنيات والنظريات التي تتصل بالعملية الإخبارية، من حيث آلياتها وأغراضها، وأطرافها كل ذلك يدرس ضمن تخصص أكاديمي يسمى بالإعلام.
الثاني: يسمى بالإعلام فهو عملية النقل التي يتم بها إيصال خبر، أو فكرة، من طرف ناقل مرسل، إلى طرف منقول إليه مرسل إليه.
يعرفه بعض خبراء الاعلام والاتصال بأنه: احاطة الرأي العام علما بما يجري من أمور وحوادث سواء في الشؤون الداخلية أم الخارجية بينما يرى آخرون بأن الإعلام هو: تزويد الناس بالأخبار الصادقة والمعلومات الصحيحة والحقائق الثابتة التي تساعدهم على تكوين رأي صائب في واقعة معينة.
  III.            تعريف التنمية
1.     تعريف التنمية لغةً:
يرجع هذا المصطلح للأصل اللغوي الثلاثي (ن م ى) وهو بمعنى الزيادة، والنقل. فمن الزيادة قولهم مثلا: نما النبات، والنمو الاقتصادي. ومن النقل قولنا: فلان ينمي عن غيره، أي ينقله عنه، ويرفعه ويسنده إليه. أن تنمية الشيء تعني ارتفاعه من موضعه إلى موضع أخر أعلى.
2.     تعريف التنمية اصطلاحاً:
وسيلة تستطيع من خلالها الدول النامية التصدي لعوامل التخلف، بتبني خصائص أو سمات المجتمعات المتقدمة. يرى بعض علماء التنمية أنها عملية تستند إلى الاستغلال الرشيد للموارد بهدف إقامة مجتمع حديث.
والبعض الاخر يرى بأن التنمية هي عملية ديناميكية، شاملة، ومعقدة، وعميقة، وواعية، ومقصودة، ومدروسة تتم بالإنسان ومن أجل الإنسان وتهدف إلى إحداث تحولات واسعة وشاملة وعميقة في المجتمع وفي مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية وكما تعرف التنمية بأنها العملية المدروسة والموجهة التي يقوم بها المجتمع من اجل التطوير والتعديل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والانتقال بها من واقع متخلف إلى واقع متقدم وذلك بواسطة عدد من الوسائل و الأدوات.
 IV.            تعريف الإعلام التنموي:
    تعدد التعريفات التي وضعها الباحثون والمختصون في مجال الاعلام حول تعريف الاعلام التنموي فمنهم من يرى بأنه:
"المنظومة الإعلامية الرئيسية أو الفرعية المتخصصة في معالجة قضايا التنمية".
   بينما يعرفه اخرون بقولهم الاعلام التنموي فرع أساسي ومهم من فروع النشاط الإعلامي يعمل على إحداث التحول الاجتماعي بهدف التطوير والتحديث، أو بمعنى آخر هو العملية التي يمكن من خلالها توجيه أجهزة الإعلام ووسائل الاتصال الجماهيري داخل المجتمع بما يتفق مع أهداف الحركة التنموية ومصلحة المجتمع العليا.
   كما ويعرف بالجهود الاتصالية المخطط لها والمقصودة التي تهدف إلى خلق مواقف واتجاهات ايجابيه وصديقه للتنمية، وبذلك فأن الأعلام التنموي غير معني بصناعة التنمية ولكنه يهيئ الظروف الاجتماعية والثقافية والنفسية للأفراد والجماعات من اجل أن يستجيبوا للخطط والبرامج التنموية بشكل فعال.
   ومن التعريفات الاخرى للإعلام التنموي أحد الفروع الأساسية للنشاط الإعلامي الذي يهتم بقضايا التنمية. فهو إعلام هادف وشامل، ويفترض أن يكون إعلامًا واقعيًا. يهدف إلى تحقيق غايات اجتماعية تنموية. وهو مرتبط بالنواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية، ويستند إلى الصدق والوضوح والصراحة في التعامل مع الجمهور.
اذا الاعلام التنموي هو احد فروع الاعلام المتخصص ويهدف إلى الإسراع في تحول مجتمع ما من حالة فقر إلى حالة ديناميكية من النمو الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي.
   V.            نظريات الإعلام التربوي
   تستند نظريات الاعلام التنموي على الاسس العلمية لنظريات الاعلام بالتزاوج مع نظريات التنمية المتنوعة، وهذا التزاوج في الأساس خلق العديد من نظريات الاعلام التنموي، من اهم هذه النظريات:
1.    نظرية ولبر شرام
   تنطلق هذه النظرية في دور وسائل الإعلام في التنمية من خلال الأثر الذي تحدثه وسائل الإعلام في المحيط الذي تعمل فيه، ويربط شرام بين واقع تركيز وسائل الإعلام والاتصال، وبالتالي الخدمات الإعلامية التي تقدمها في المدن الكبرى ويوجد نقص شديد في المدن الهامشية أو الأرياف والقرى، وحسب شرام فهذا الأمر موجود في المدن الكبرى والهامشية في الدول المتقدمة و النامية على حد سواء.
يدعو شرام إلى إجراء أبحاث إعلامية في الدول النامية من أجل زيادة المعلومات والدراسات
المختلفة عنها و لمعرفة الامكانيات الإعلامية المتوفرة فيها و هي تهدف إلى :
ü     توضيح الرؤيا في كل ما يتصل بعملية الاتصال و فعاليتها.
ü     لا تستطيع البلدان النامية إنفاق اموالا على حملات غير ناضجة بسب عدم وجود معلومات و أبحاث.
ü     جمهور وسائل الإعلام في الدول النامية متنوع الفئات والأحوال ويصعب التنبؤ بردود أفعاله.
ü     و سائل الإعلام الحديثة تحتاج إلى البقاء و على صلة بجماهيرها في الدول النامية تتحول بسرعة و حسب نظرية شرام فإن وظائف وسائل الإعلام التنموي هي:
Ø     الرقيب
Ø     التعليم
Ø     توسيع الأفاق الفكرية
Ø     معرفة أسلوب حياة الآخرين
Ø     تنمية التعاطف بالتقريب بين الناس
Ø     التعرف و الإطلاع على مختلف الأشياء في البلد
   هذه هي وظائف وسائل الإعلام التنموية حسب نظرية العالم ولير شرام. ربطت نظرية ولبر شرام بشكل معاصر بين الاعلام والعلاقات العامة وبين التنمية. بهدف تعبئة الجماهيرية على تنفيذ الأساليب الجديدة من خلال الربط الثقافي الاجتماعي الشامل للعلاقات والمعتقدات والقيم
مع عملية تغير المهارات و ضرورة سيرها جنبا إلى جنب مع التنمية.
    وهذا لا يمكن ان يتحقق إلا من خلال الاعلام وأدواته المتجسدة في وسائل الاتصال التي تلعب دورا حيويا في تذليل العقبات التي تواجه التنمية، وتوسيع آفاق الفهم والتعاون وإيجاد المرتكزات المعنوية وإرادة التغيير واللحاق بركب المعاصرة والتقدم. والتأكيد على مسألة النقاش والحوارات الخاصة بالتنمية من قبل اوسع القطاعات الشعبية في اتجاه المشاركة الوطنية بعملية التنمية وبرامجها وخططها. أي من خلال انشاء قواعد سلوكية وذوقية رفيعة في اذهان الناس تحث نحو تفعيل التنمية، وتقف بالمرصاد ضد الانحرافات والتباطؤ، قام شرام بدمج بين الابعاد الاعلامية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، واعتبر الاعلام كوظيفة متجددة وأساسية ملازمة للنمو الاقتصادي في مرتكزاته وآفاقه الشاملة، اذ لا يمكن عزل الاعلام وأنشطة وسائل الاتصال العامة عن حركة المجتمع وتطوره ابتداء من خلاياه ووحداته المؤسسية الاقتصادية الأولية وصولا الى مؤسسته الكبرى وهي الدولة، التي لا يمكن لها ان تستغني عن هذه الأجهزة بأي حال من الأحوال، بل تكون هذه الوظائف الإعلامية مضاعفة واستثنائية ونوعية، في دول العالم الثالث الذي تكون قضية التنمية والأعمار والبناء قضية بقاء او فناء، قضية حياة او موت،
قضية استقرار أو تفكك و فوضى
2.    نظرية دانيل ليرنر
ينطلق دانيل ليرنر في نظريته حول العلاقة بين التحضر ووسائل الإعلام من مقدرة الإنسان على التقمص الوجداني، هذه المقدرة التي يعتبرها إحدى الخصائص الأساسية اللازمة للانتقال من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث. التقمص الوجداني حسب ليرند هو القدرة على تخيل حياة أفضل وهذه القدرة تمثل خبرة أساسية ينبغي توافرها في الإنسان الحديث الذي يعيش الحياة الحديثة. يؤكد ليرند على العلاقة بين التمدن ومعرفة القراءة والكتابة من جهة، وبين معرفة القراءة والكتابة والتعرض لوسائل الإعلام من جهة أخرى، ويعتبر أن التمدن هو الخطوة الأولى في هذا الاتجاه.
نظرية ليرند في الأصل تكونت اثر النتائج عن خلاصة أبحاث تحليلية أجريت في 73 دولة
و منطقة في الشرق الأوسط و من أهم نتائجه:
ü     أن الناس الأكثر اتصالا بالعالم الخارجي هم أكثر استعدادا لقبول التغيرات الاجتماعية.
ü     الاتصالات ومعرفة تجارب الآخرين تساعد على تسهيل التغيرات الاجتماعية.
ü     يوجد توافق بين انتشار التعليم وتطور وسائل الإعلام والاتصال والنمو الاقتصادي والحضري
ü     كلما زاد معدل الدخل القومي للفرد ونمت المدن وزاد التصنيع زادت معه مطالعة الصحف وكثرت وتنوعت وسائل الإعلام. يعتبر ليرند أن التمدن يزيد الحاجة للإعلام وهو قاعدة الانطلاق لتطوير وسائل الإعلام، ويعترف أن وسائل الإعلام ودورها
يتميز بأنه اعلام هادف، يسعى الى تحقيق أهداف المجتمع الأساسيه و استخداماتها بشكل عام فاق درجة التمدن نفسها.
 VI.            خصائص الإعلام التنموي
يتمتع الإعلام التنموي ببعض الخصائص من أهمها:
Ø     يتميز بأنه اعلام هادف، يسعى الى تحقيق أهداف المجتمع الأساسيه و استخداماتها بشكل عام فاق درجة التمدن نفسها. ومصالحه الجوهريه، فهو يقوم بتهيئة الاجواء المناسبة لغرض انجاح الخطط التنموية كما ويهدف بالدرجة الأساس إلى تعزيز قدرات الجمهور من أجل المشاركة الإيجابية في عملية التنمية والقضايا التي تهم المجتمع
الذي يعيشون فيه   مبرمج ومخطط يرتبط بخطط التنمية ومصالحه
Ø     شامل ومتكامل، فهو إعلام شامل يرتبط بنواحٍ اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية تربوية، ويسعى إلى اقناع الرأي العام بضرورة التغيير الاجتماعي لتحقيق أهداف التنمية. 
Ø     اعلام متعدد الأبعاد، حيث تتعدد ابعاده لتشمل الابعاد الصحية و الاقتصادية
و الاجتماعية و السياسية.
Ø     اعلام واقعي، فهو إعلاماً واقعياً في أسلوب معالجته لمسائل المجتمع وطرحها ويعبر عن هموم الناس وتطلعاتها وقابلاً لمسايرة القضايا المستجدة، يستند إلى الوضوح في
التعامل مع الجمهور و الثقة المتبادلة.
Ø     حديث متطور يستخدم أساليب مشوقة حديثة
Ø     في التعامل مع مختلف الوسائل، يتخذ الإعلام التنموي وسائل متعددة لغرض تحقيق دوره التنموي اهمها التلفزة، الإذاعة، صحافة مطبوعة، صحافة الكترونية، لقاءات مفتوحة مع الجمهور المستهدف، اصدارات مطبوعة أو مسجلة، بطاقات بريدية مصورة، مطويات، أفلام قصيرة، ملصقات، صحف، ملفات، جداول زمانية، كتيبات، معارض.
Ø     متفتح يستفيد من خبرات و تجارب الدول و المجتمعات الأخرى. 
VII.            أنواع الإعلام التنموي
هناك نوعان من الإعلام التنموي و هما:
·        الإعلام الجماهيري: و الذي يشمل صحافة مطبوعة، صحافة الكترونية، تلفزة، إذاعة.
·        الإعلام المباشر: أي الإعلام الصادر من منظمات المجتمع المحلي و الذي يشمل لقاءات مفتوحة مع أفراد المجتمع المحلي المستهدف و اصدرات مطبوعة أو مسجلة.
VIII.            أهداف الإعلام التنموي
تتنوع أهداف الإعلام التنموي من مجتمع لأخر وفقا للظروف التي تحيط بكل مجتمع، ان الهدف العام للإعلام التنموي يتمثل في التأثير على الجماهير ومحاولة إقناعهم وتوعيتهم بأهمية التنمية وضرورة الاسراع بها. ويهدف الاعلام التنموي بالدرجة الأساس إلى إيجاد وسائل اتصال فاعلة و قادرة على حمل الرسالة الإعلامية ونشرها إلى ابعد المستويات وتخاطب كافة شرائح المجتمع.
يهدف الإعلام التنموي إلى خدمة قضايا المجتمع ويسعى في تحقيق أهداف وغايات اجتماعية مستوحاة من حاجات المجتمع الأساسية ومصالحه الحيوية ويسهم أيضًا في ترسيخ الوعي الحقيقي بالتنمية القائم على المصارحة وتقديم الحقائق ومن ثم تبني الخطط التنموية اللازمة، كما ويهدف إلى تأكيد أهمية مبدأ الوحدة الوطنية وتوسيع دائرة الحوار السياسي، ودفع الناس باتجاه المشاركة السياسية واتخاذ القرار وتوضيح الأبعاد الوطنية للتنمية. 
أن أي إعلام لابد له من أهداف يعمل من أجلها، ولكي يحقق صفته التنموية لابد له من تبني أهداف تحمل في جوهرها ودلالاتها مسؤولية المجتمع الذي ينشط في هذا الإعلام، هذا ويمكننا أن نحدد هنا بعض هذه الأهداف المشروعة للإعلام التنموي أهمها التالي:‏
1.    فهم و ادراك ما يحيط بالإنسان من ظواهر و أحداث.
2.    نقل التراث الثقافي من جيل إلى آخر.
3.    تنمية الحس الوطني و القومي لدى المواطنين.
4.    كشف الأفكار الهدامة و الداعية إلى تعميق التخلف في المجتمع.
5.    تنمية الحس الديمقراطي و ممارسة الديمقراطية.
6.    التركيز على دور الشباب و قضاياهم.
7.    التركيز على الاحساس بالمال العام و تقديره و الحفاظ عليه.
يتبين ان الهدف الأساس من الاعلام التنموي هو التدخل النشيط الإيجابي لتعزيز قدرات كافة أفراد المجتمع المحلي من أجل المشاركة الإيجابية في عملية التنمية والقضايا التي تشغل
المجتمع الذي يعيشون فيه.
 IX.            وظائف الإعلام التنموي
يقوم الإعلام التنموي بمجموعة من الوظائف و المهام و منها:
1.    يقوم بوظيفة الرقابة والتوعية والإرشاد والتثقيف، والإخبار فهو يقوم بنشر المعرفة التنموية بين افراد المجتمع وتزويد بأكبر قدر ممكن من الحقائق والمعلومات الدقيقة عن التنمية وشروط نجاحها وكيفية إنفاق المال العام واختيار المعلومات بشكل دقيق وجذاب، وتشجيع الجمهور للقيام بدور فعال في تنمية مجتمعهم وتوعيتهم ليكونوا على إدراك ووعي بمشكلاتهم. واستخدام أساليب مشوقه من أجل جذب كل شرائح المجتمع للتفاعل مع الوسائل الإعلاميه وكل ما يخص القضايا التنموية، بطريقة تعمل على خلق التواصل التنموي في أوساط المجتمع الواحد من جهة وبين الأجيال المتعاقبة من جهة أخرى بنقل القيم من المواطنين الحاليين إلى المواطنين القادمين من أجل استمرارية العملية التنموية.
2.    يعمل على توسيع الآفاق الفكرية ولفت انتباه الناس إلى القضايا العامة باعتبار التنمية تتطلب قيمًا ومعايير ومعتقدات اجتماعية متجددة، فنظام الاتصال هو أداة للتغير نحو نظام اجتماعي شامل.
3.    التعليم، حيث يقوم بتعليم الناس المهارات والأساليب اللازمة التي تتطلبها عملية التنمية، ترسيخ التطورات الإيجابية في مجال التعليم، والاهتمام بالتربية جنبًا إلى جنب مع التطور الاقتصادي والاجتماعي، فالتنمية عملية إنسانية حضارية ونسبية و ودعم التعليم و التدريب في المجال التنموي ونشر الأفكار المستحدثة.
4.    تقديم قيادة الإدارة الحكومية لشعبها لبث أفكارها ومعتقداتها وخطوات عملها.
5.    بعث الطموح والتطلع إلى حياة أفضل وإيجاد مناخ فكري يحفز الناس على التغيير والتطور.
6.    البحث الحثيث عن مكامن الخلل الذي يعتري المجتمع، سواء في بعده البيئي، أم التعليمي، أم الاجتماعي، أم الثقافي، أم التنظيمي، وما إلى ذلك، فلا يكتفي الإعلام التنموي بوصف المشكلة، وإنما مدعو إلى التنقيب في العوامل المؤدية إليها، ثم تقديم الحلول الناجحة و الممكنة لها.
7.    التأثير في اتجاهات و مواقف الأفراد و الجماعات لجعلهم أكثر استشعارا بالمشكلات التي تواجه عملية التنمية و أكثر استعدادا للمساهمة في حلها. و في هذا الشأن يمكن لوسائل الاتصال بأساليبها و رسائلها تعديل و تغيير المفاهيم والسلوكيات السلبية إلى إيجابية
   X.            عوامل ظهور الإعلام التنموي
توجد عوامل عديدة أسهمت بشكل كبير في ظهور الأعلام التنموي ومن اهمها: 
·        الفجوة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، حيث خلفت انعكاسات اقتصاديه ونفسيه وثقافيه على سكان أوروبا وقد التفت علماء الاتصال إلى مفهوم المسؤولية الاجتماعية والتي تعني مسؤولية الإعلام لترميم الدمار الذي خلفته الحروب
·         استقلال العديد من الدول وخاصة في جنوب العالم، وهذه المجتمعات الجديدة كانت تعاني من فجوه اقتصاديه واجتماعية سياسية هائلة بالمقارنة مع دول الشمال ولهذا ظهر هناك ضرورة لقيام الأعلام بدور لتقليص هذه الفجوة.
·         ظهور نظرية التحديث الغربية (Modernisation) وهذه النظرية هي التي وقفت في وجه نموذج النمو الاشتراكي. في سياق الحرب الباردة بإبعادها الإيديولوجية والإعلامية والصراع أيضا بين النماذج التنموية التي كان يقترحها كل من المعسكرين و يدافع عن خياراته
·        التراكم العلمي في بحوث الإعلام والاتصال وظهور مراكز البحوث المتخصصة التي تدرس الإعلام والتجارب العلمية حيث اظهر التراكم العلمي إمكانيات واسعة يتمتع بها الإعلام في الإسهام نحو التغيير الاجتماعي والثقافي والاقتصادي الايجابي الذي ينعكس على نوعية حياة الإفراد والجماعات المعوقات الإعلاميه للتنمية في المجتمعات المحليه
·          ظهور تكنولوجيا المعلومات التي تعد عنصرا أساسيا في الإعلام و صارت من صور التسريع التنموي بفائدة الإعلام الذي تسارع تأثيره بتسارع الابتكارات التكنولوجية والتطور السريع وتعقد المجتمعات المدنية البسيطة وظهور المدن الكبيرة وتشابك مصالح المجتمعات فضلاً عن المصالح الفردية، أدي ذلك إلى تغير نمط
الاتصال بين أفراد المجتمع
 XI.            متطلبات نجاح الإعلام التربوي
·        توفير وسائل إعلام واتصال متطورة مختلفة سمعيه بصريه مقروءة- مسموعة- مرئية- إنترنت، ومن خلال هذه الوسائل يمكن تعريف الناس بحقيقة مشاكلهم ونقل أفكارهم لتحقيق التطور المنشود
·        توزيع وسائل الإعلام المتعلقة بالتنمية بشكل جغرافي يتناسب مع مساحة البلد بحيث تشمل كل المناطق والنواحي والقرى ذات الكثافة السكانية العالية.
·        تأمين الكوادر الإعلاميه المتخصصة وذلك من خلال الاعتماد علي خريجي كليات الإعلام والصحافة وتقنيي الصحافه الإعلاميه وتوفير الكادر الإعلامي اللازم لإعداد البرامج الاعلامية.
·        التنسيق ما بين توجهات الدولة التنموية ومؤسسات الإعلام، كوضع الخطط والبرامج
المشتركة لتحقيق الأهداف المطلوبة.
·        فسح المجال واسعا أمام مشاركة الجماهير وبشكل مباشر في طرح قضاياهم ومساءلة المسيئين عبر حوارات جادة و عقلانية و شفافة و ديمقراطية.
·        إبراز فلسفة التنمية وتوجهاتها، واستخدام أدوات البحث العلمي لزيادة المقدرات الإعلامية على التحليل والاستقراء، والمهنية والمصداقية واحترام الحرية الصحافية والاستقلالية في تحديد مشكلات وقضايا وتحديات التنمية، والاستفادة من العلم والتكنولوجيا الإعلامية والثورة التقنية، لبناء قاعدة معلومات وتحليلات يستفاد منها في
وضع إستراتيجيات و تحليل السياسات
XII.            مستويات العمل في الإعلام التنموي
المستوى الرسمي: وذلك يكون بعرض الواقع الاقتصادي والتنموي، بإيجابياته وسلبياته، وطرح
الحلول العملية للمشكلات التنموية و عرض معوقاتها و أهدافها.
المستوى الشعبي: ويكون بخلق وعي جماهيري بالسياسات التنموية، والتوعية بأساليب النهوض باقتصاد الفرد والأسرة والجماعة، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال شرح السياسات التنموية بصورة مبسطة يفهمها المواطن العادي والمتخصص، وتوضيح مفاهيم الإنتاج الوطني وقيمته بالنسبة لتدعيم الإنتاج الاقتصادي، وترشيد الاستهلاك لدى المواطنين بكافة طبقاتهم، وتنمية الوعي
و الاستثمار لديهم.
XIII.            الأسس العلمية لاختيار وسائل الاعلام التنموي
هناك العديد من الدراسات و البحوث الهادفة للوصول إلى الوسائل الأكثر فعالية في مجال الاعلام التنموي، وعادة ما يقوم المؤسسات المعنية بالتخطيط للإعلام التنموي بدراسة جميع الوسائل المتاحة حتى يمكن تحديد الوسائل المناسبة على ضوء قدراتها الذاتية و قدرتها على حل المشكلات القائمة و على التأثير في الجمهور المستهدف أي في ضوء النتائج المتوقعة.
 
ويتم اختيار الوسائل الاتصالية في المجال التنموي وفقا للاعتبارات التالية:
ü     الوسيلة الاتصالية المناسبة للفكرة التي قد تأخذ أشكالا مختلفة : لفظية أو فعلية أو تأخذ
شكل أشياء أو لغة الإشارات
ü     الوسيلة الاتصالية المناسبة للأهداف المتوقعة التي تتأثر إلى حد كبير بحاجات الجمهور المستقبل لهذه الرسالة. فهناك وسائل تحدث تأثيرات آنية أو طويلة المدى.
ü     قدرة الوسيلة على إشباع احتياجات الجمهور ذي الاختلافات و الخصائص المتعددة: السن، الجنس، التوزيع الجغرافي، المستوى التعليمي، الميول و السمات النفسية.
ü     مناسبة الوسيلة للقدرات الاتصالية للقائم بالاتصال من خلال توفر فيه بعض المهارات والإمكانات الاتصالية و مدى إلمامه بأصول العملية الاتصالية.
ü     الخصائص العامة للوسيلة من حيث عمرها الافتراضي و مكانتها بين المتلقين وخصائصها الفنية و الإنتاجية و إمكاناته في التغطية الجغرافية و سرعتها في توصيل الرسالة و قدراتها التأثيرية.
XIV.            اشكاليات الإعلام التنموي
 لقد شخص معظم الباحثين الإعلاميين أهم الاشكاليات التي يعاني منها الإعلام التنموي وهي:
-    يفسر و يلون حسب فهم الدولة للأسس التنموية، فمثلا اذ اعتبر بان التنمية في الاصل تنمية اقتصادية يصبح الاعلام التنموي عندئذ أقرب إلى مفهوم الإعلام الاقتصادي .  
- ما زال يتطور كمًا ونوعًا بإيقاع بطيء يجعله عاجزًا عن مواكبة الحياة التنموية في المجتمع  - لا يمتلك الامكانيات الكبيرة الكافية للبحث في الامور المركزية والقضايا الأساسية والجوهرية في التنمية
-  قد يساهم الاعتبارات سياسية واقتصادية، في التأثير السلبي على الاعلام التنموي بحيث يقدم لنا الأحداث معزولة عن سياقها الاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي كما يقدم نصوصًا سلطوية بعيدة عن جوهر التفاعل و الحوار.
كما وان هناك معوقات عديدة تواجه الاعلام التنموي اثناء قيامه بعملية التنمية من أبرزها أن برامجه ورسالته الإعلامية لا تنبع من واقع البيئة التي يخدمها وعدم الاهتمام بعنصري المشاركه والتدريب. وغياب التخطيط. وندرة التدريب. وقلة الخبره. وعجز الإمكانيات الماديه المتاحة امامه وعدم التزامه بالموضوعية في الموضوعات المقدمة. ونقص وعدم شفافية المعلومات المتوفرة لوسائل الإعلام التنموي. وضيق الوقت وعدم تحديد المساحة الزمنية المتاحة للمعالجة. وسيطرة مشاعر القلق والتوتر لدى الجمهور. ونظرة الإعلامي لدوره على أنه غير مؤثر. وعدم تحري الدقة في المعلومات المقدمة. لا يوجد اهتمام بالقدر الكافي بتنمية المفاهيم العلمية والعملية والارتقاء بالخصائص المهنية للإعلاميين. عدم توفير الموارد
و الامكانات الإعلامية للتغطية.
XV.            ملامح الإعلام التنموي
يتفق العديد من الأكاديميين والباحثين والمتخصصين في علوم الإعلام بان هناك ملامح اساسية
للإعلام التنموي و تتحدد أهم هذه الملامح بما يلي
ü     أن الإعلام التنموي قد تجاوز الأساليب التقليدية المتمثلة في نقل المعلومة فقط، إلى المشاركة الفعالة في كافة خطط التنمية، وتتبع سيرها من خلال مختلف الأنشطة والأشكال الإعلامية.
ü      يظهر دور الإعلام التنموي بوضوح أثناء تعرض الواقع إلى أزمات وحالات طوارئ مفاجئة، من خلال اعتماد الإعلام على استفزاز الواقع اليومي وخلق جو من الألفة والتفاعل مع الضحايا و المتضررين.
ü     يساهم الإعلام التنموي في تلقين الناس المهارات والأساليب اللازمة التي تقتضيها عملية التحديث والتطور، لاسيما الجرأة وانتقاد المسئولين وعدم الخوف منهم.
ü     يشارك الإعلام التنموي في تنمية المجتمع المباشرة من خلال شتى الأنشطة والإسهامات، كمحو الأمية الهجائية، وتنظيم الدورات التكوينية، والتثقيف النسائي، والتربية و غير ذلك.
ü     كلما كان الإعلام التنموي متطورا في أدائه ووسائله، كلما أثر ذلك أكثر في الواقع، فالدراسات تجمع على أن ثمة ارتباطا وثيقا بين النمو الاقتصادي ونمو وسائل الإعلام.
XVI.            الإعلام التنموي و دوره في المجتمع
   يمثل الاعلام التنموي عنصرا مهما وحيويا وفاعلا في المجتمع لتحقيق أهداف وغايات سياسية وإعلامية وهي لا تكتفي عند هذا الحد، بل تتعدى ذلك إلى المهمات الأساسية لملامسة حياة الناس و التصدي للظواهر السلبية و الفساد.
    تبرز اهمية الإعلام التنموي في المجتمع من خلال اسهامه في عملية التنمية بجميع اشكالها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها. فهو يقوم برصد ومتابعة ونشر المخطط التنموي وتفعيل الوعي الفردي في المشاركة الفاعلة والهادفة. ويرتبط تطور أداء الإعلام التنموي ارتباطاً وثيقاً برغبة الدول في تحسين أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى مستوى أفضل، وتمتلك وسائل الإعلام التنموي مسؤولية المساهمة في عملية التنمية، وخاصة بعد أن أصبحت وسائل للتأثير في الأفكار والسلوك والاتجاهات، ووسائل مساعدة في التعليم والتوجيه والتثقيف، ونشر الأفكار المستحدثة، وقد حققت بعض المؤسسات التنموية المحلية نجاحا ملحوظا في استخدام وسائل الإعلام في المساهمة في بعض مجالات التنمية.
يتميز الاعلام التنموي بتأثيره الايجابي المتعاظم فهو يساهم في بناء العقول والنفوس، وبذلك فقد تعاظم اثره في التنمية فهو يعبر عن هموم الناس وتحدياتهم ويقترب من مشاكلهم ويحظى بثقتهم وقبولهم. وبالتالي تقع على عاتق الاعلام التنموي مسؤولية المشاركة في انضاج مفاهيم تنموية نابعة من التحديات المرتبطة بالمواطنين والابتعاد قدر المستطاع عن المفاهيم المستوردة ونشرها كما هي من دون تطويرها واغنائها لتصبح ملائمة للواقع المحلي. وهو بذلك يؤدي ادوارا متعددة، من سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية تساهم في انفتاح المجتمع على افكار ومبادئ حديثة، كما تساهم في توعيته على مصالحه وحثه على الاجتهاد بحثا عن البدائل. وتساعد التقنيات الحديثة على تنمية وتطوير هذا الدور وتحسين أدائه. إن الاعلام التنموي هو اعلام مسؤول عن طرح القضايا وتوجيه الرسالة وتوضيح الاهداف، ويدعو الى التغيير من خلال التثقيف والتوعية، ومن خلال خطط وبرامج معدة بعناية وبتنسيق مع منظمات المجتمع المدني، ويعتمد على نقل المعلومة والخبر ونشر الآراء بشكل موضوعي، وإعداد التحاليل. 
يتميز الاعلام التنموي بأنه يمتلك رؤية وإستراتيجية تنموية وتفكير علمي وقدرة على استخدام التقنيات الحديثة، فهو يعتمد على وسائل مهنية عالية الدقة تتوفر لديها الشروط اللازمة لإنجاح العملية التنموية.
   للإعلام التنموي دورا مهما في التوعية بقضايا التنمية، حيث يعمل على توعية الناس ورفع طموحاتهم وشد انتباههم إلى قضايا محددة وخلق مناخ ملائم للتنمية وصولا إلى جعل الموضوع التنموي جزءا من الوعي المجتمعي والفكر المؤسسي. كما انه يساعد في التركيز على العمل مع المجتمع من خلال البرامج التلفزيونية والإذاعية، وحلقات النقاش التي تنظمها الصحف اليومية والأسبوعية، التي تفيد في نشر الوعي من ناحية، وفي جمع المعلومات من ناحية أخرى. 
يعمل الاعلام التنموي على التمهيد للخطط والبرامج والسياسات التنموية التي تتخذها الدولة، وتواكب عملية تنفيذ الخطط والبرامج، وتعمل على شرح معانيها ومصطلحاتها للجمهور، وتتعقب نتائجها بعد التنفيذ، و تكشف عن مواطن الخلل و تقوم بتصحيح الأخطاء إن للإعلام التنموي أدوار اجتماعية وسياسية وثقافية، فمن الناحية الاجتماعية يقوم الاعلام التنموي بدور اجتماعي من خلال تحويل وتعديل موقف الناس وتصرفاتهم ازاء مسائل ومواضيع التحديث والتطوير لا سيما اصلاح الإدارة وإصلاح القضاء وتطوير التشريعات ومحاربة الفساد والمشاركة بالرأي، توسيع الآفاق الفكرية عند الناس من خلال منظور جديد يتطلب منهم اعتماد وسائل جديدة اكثر عصرية واعتماد انماط سلوكية وأساليب عمل اكثر تطورا وإشعارهم بان التحديث والتطوير وما يتضمنه من اهداف ومبادئ هو الكفيل لتلبية حاجاتهم حيث توجد بعض الفئات التي تقاوم التحديث من حيث لا تدري، وترويج الاساليب والمواقف والأنماط السلوكية العصرية التي تلاءم حاجات التطوير والتحديث كالمشاركة والحوار وقبول الاخر والانفتاح على التجارب المهمة وتجنب البدء من الصفر في أي مجال من مجالات الحياة.
   وعلى صعيد دوره السياسي يقوم الاعلام التنموي بدور سياسي مهم وذلك من خلال تقوية الاواصر بين القيادة والناس ومن خلال توسيع الحوار بين جميع افراد المجتمع وبين المجتمع والدولة. فإنه يهدف إلى تأكيد أهمية مبدأ الوحدة الوطنية وتوسيع دائرة الحوار السياسي، ودفع الناس باتجاه المشاركة السياسية واتخاذ القرار وتوضيح الأبعاد الوطنية للتنمية. ومن الناحية الثقافية يسعى في خلق الظروف المواتية للتنمية ودعم التحولات الاجتماعية، وترسيخ التطورات الإيجابية في مجال التعليم، والاهتمام بالتربية جنبًا إلى جنب مع التطور الاقتصادي والاجتماعي، فالتنمية عملية إنسانية حضارية ونسبية. وهكذا فالإعلام التنموي يهدف إلى خدمة قضايا المجتمع وأهداف عامة أخرى فهو يسعى في تحقيق أهداف وغايات اجتماعية مستوحاة من حاجات المجتمع الأساسية ومصالحه الحيوية. ويسهم أيضًا في ترسيخ الوعي الحقيقي بالتنمية القائم على المصارحة وتقديم الحقائق ومن ثم تبني الخطط التنموية اللازمة. كما يؤدي الاعلام التنموي دورا تثقيفيا كبيرا من خلال رفع المستوى الثقافي للناس وتعليمهم لكي يتمكنوا من المساهمة الجادة في تطوير وتحديث مجتمعهم ومن الواضح والمعروف آن التحديث والتطوير لا ينجح في ظل مجتمع تكثر فيه نسبة الامية حيث لا يبدع الامي في عصر العلم والتقنية وكذلك لا تستطيع إدارة تأهيلها منخفض المستوى ان تحقق التطوير والتحديث لذا لا بد من احداث تغير نوعي في بنية الإدارة والقوى العاملة بحيث توظيف كل المؤهلين تأهيلا جامعيا عاليا والتخلص من منخفضي التأهيل كي تتمكن الدولة من المنافسة مع الاطراف العالمية الاخرى. وبهذا ستدرك بان الدور الأساسي للإعلام التنموي في الحقيقة يكمن في التركيز على بناء الإنسان والمشاركة في بناء المجتمع، فهو يهدف إلى التطوير الاجتماعي والتغيير الحضاري للمجتمع، ويقوم بعملية التحفيز والحث وتغيير الاتجاهات، بحيث يدفع الجمهور لمراجعة اتجاهاته وقيمه، وصولا الى انجاح خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهنا يتبين بان الاعلام التنموي احد اهم وسائل التنمية البشرية على الإطلاق. 
تكمن أهمية الإعلام التنموي كوسيلة فاعلة في عملية التنمية الشاملة، أي بمعنى أن التنمية هي القضية الرئيسية والمحورية والسبيل الوحيد للارتقاء بالإنسان وجعله قادراً على مواجهة تحديات الحاضر ومتغيرات المستقبل، أن أمام الإعلام مسؤولية كبيرة وأساسية عبر التوجيه والتصدي والمشاركة في كافة القضايا التي تهم المجتمع والارتقاء به فكريا وثقافياً. تقوم وسائل الإعلام التنموي من وسائل مكتوبة ومقروءة ومسموعة ومرئية من حيث مسئولياتها في تقديم المعلومات الصحيحة التي تسهم في الدفع والارتقاء بوعي المواطنين وإثراء فكرهم وفهمهم لسياسات التنمية وما تطرحه من مهمات ومسئوليات وتطوير إسهاماتها إعلاميا وسياسياً، ومن هنا نفهم جلياً أن على هذه الأجهزة الإعلامية الارتقاء بمستوى عملها وتقديم المعلومة ذات المضمون العلمي والفكري والتنموي والاقتصادي والسياسي إدراكاً منها لطبيعة دورها الإعلامي في عملية التنمية بشكل إيجابي وإيجاد رؤية إعلامية تلبي احتياجات العصر ومتطلباته بما يدعم القيم الايجابية للإعلام وتجعله مسئولاً مسئولية مباشرة وقادراً على التحدي ومواجهة
المخاطر التي تعيق النشاط الإعلامي
   إن الاعلام التنموي تقوم بمهمة أساسية وكبيرة للتخطيط الإعلامي في مجال التنمية هي تزويد المجتمع بأكبر قدر ممكن من الحقائق والمعلومات الدقيقة التي يمكن للمعنيين بالتنمية التحقق من صحتها. وبقدر ما يقدم الإعلام من حقائق ومعلومات بقدر ما تحقق التنمية أهدافها، وهذا ما يسمى باسم (الهندسة الاجتماعية للإعلام الجماهيري). ان دور التخطيط الإعلامي في التنمية ينصب في تحقيق الأهداف الوطنية والقومية لأن أهم الأسس التي يرتكز عليها منهج تنمية المجتمع هي توجيه الأفراد لمساعدة أنفسهم، والإسهام بفاعلية في الجهود المبذولة لتحسين مستوى معيشتهم، وتشجيعهم للقيام بدور فعال في تنمية مجتمعهم وتوعيتهم ليكونوا على إدراك ووعي بمشكلات ببيئتهم. خاصة وأن الدور ينصب على كيفية توجيه الجماهير لخدمة الرخاء ويكمن المنطلق الأساسي للتخطيط الإعلامي في إدراك الاتجاهات المتعارضة لأفراد المجتمع وجماعاته الصغيرة. وعندما ينجح الإعلام في توحيد الاتجاه بين الأفراد والجماعات فإن المحصلة ستكون توحيد أفراد وجماعات المجتمع نحو هدف واحد عام للمجتمع أو عدة أهداف مجلة جزئية. ولا شك أن التخطيط الإعلامي هو مفهوم شامل لا يقتصر على التنمية فقط. لذا من ضروري تحلي التخطيط الإعلامي بالشمولية، والتكامل، وضمان الأداء الجيد، بمختلف أنواعه. وذلك وفق الأساس الزمني: من قصير، ومتوسط، وبعيد المدى. وحسب نطاق الخطة: من فرعية، ورئيسة. ومن حيث استمراريتها: من خطط مستمرة بالتتابع أو خطط لاستعمال واحد. يعتبر الاعلام التنموي العمود الفقري للاستراتيجيات التنموية فهي لا تستغني عنه وإن علاقتهما علاقة تشابكية موغلة في الترابط على نحو لا يقبل الفصام، فحاجة الخطط التنموية للإعلام كحاجة الإنسان لأطرافه الحيوية التي يتوصل بها إلى حاجاته الأساسية والكمالية. يعد الإعلام التنموي في عصرنا الراهن فرعا أساسيا وهاما من فروع النشاط الإعلامي وهو قادر علي إحداث التحول الاجتماعي والتغيير والتطوير والتحديث، يتم فيه وضع النشاطات المختلفة لوسائل الإعلام في سبيل خدمة قضايا المجتمع وأهدافه العامه أو بمعني أخر هو العمليه التي يمكن من خلالها توجيه أجهزة الإعلام ووسائل الاتصال الجماهيري داخل المجتمع بما يتفق مع
 أهداف الحركة التنموية و مصلحة المجتمع العليا.
   يقوم الإعلام التنموي بعدة أدوار في التنمية الوطنية والتغير الاجتماعي أهمها: دور الإعلام في محو الأميه الهجائية والوظيفية الثقافية لتعليم الكبار. دوره في التعليم المدرسي. دور وسائل الإعلام في تنمية المجتمعات المحلية وفي هذا المجال تقوم وسائل الإعلام التنموي بشقيها الجماهيري والشخصي بتنفيذ الحملات الإعلاميه المتكاملة من أجل التنمية.
XVII.            دور الاعلام التنموي في التثقيف النسائي و في التوعية و التربية.
   تسهم وسائل الإعلام التنموي المختلفة في إحداث تغييرات ذات مغزى في سلوكيات الأفراد والجماعات والمنظمات من خلال الحملات الإعلامية التي تسهم في توعية الجمهور وتخليه عن السلوكيات الضارة وتشجيعه على المشاركة في التنمية وتشجيعه على إلحاق الأطفال بالتعليم والاهتمام بالتغذية السليمة ونشر أفضل الممارسات في مجال التقنيات الزراعية ووسائل الوقاية من الأمراض والتوعية بخطورة الإدمان بل والحد من العنف ضد المرأة والأطفال ويعتبر المحتوى الرقمي عنصرا متزايد الأهمية في اقتصاديات منظمة التعاون والتنمية ولكن ما زال هذا الدور في الدول النامية ضعيفا جداً بسبب ضعف البنية التحتية للإعلام، ولكن تنامي أعداد شبكات الاتصال النقال(الهاتف الخلوي، الانترنيت الخلوي) في الدول النامية يزيد من تقديم حلول مبتكرة للتنمية مثل استخدامها في الخدمات المصرفية أو في التغطية الإعلامية للانتخابات أو في أعمال تجارية أو التعليم و ترسيخ الأواصر الاجتماعية... وغيرها.
    إن للإعلام التنموي دورا من خلال الافلام الوثائقية في تحفيز الإنتاج وتشجيع الصناعات المحلية في العديد من الدول وتنشيط قطاع السياحة والدفع قدمًا نحو الأمام لمسار التنمية وإنجازها بالشكل المطلوب، اذ إن إنجاز التنمية يفترض تعبئة الموارد الذاتية للمجتمع وفق استراتيجية واضحة ومدروسة لكيفية تحقيق التنمية وحصر أولوياتها من ناحية وتوسيع نطاق المشاركة الشعبية من ناحية ثانية وإنشاء وتحديث الأجهزة والمؤسسات التي تنهض بالدور الرئيسي في تنفيذ الخطط والبرامج التنموية من ناحية ثالثة وتحقيق قدر من العدالة في توزيع أعباء التنمية و عوائدها من ناحية رابعة.
   يمتلك الاعلام التنموي قدرات عديدة يستطيع من خلالها ان يخلق مناخا ملائما للتغير وتعليم المعارف الجديدة والعمل لمضاعفة مصادر المعلومات وإيصال الخبرات المتراكمة ورفع مستويات الطموح لدى الأفراد لتحفيزهم على العمل وجعل الأفراد أكثر ميلا إلى المشاركة في صنع القرار والمساعدة في خلق القيم الجديدة وتحقيق الانسجام في المجتمع المحلي وتغيير هيكل القوة وتعزيز الشعور بالمواطنة وجعل اغلب الأفراد يتعرفون على اهميتهم وقيمتهم مما يزيد نشاطهم وتسهيل تخطيط وتنفيذ البرامج التنموية المتعلقة بحاجات المجتمع المحلي وجعل تنمية المجتمع المحلي عملية ذاتية دائمة التطور.
   من الادوار المهمة للإعلام التنموي من خلال القيام بتعريف الجمهور بعمليات التنمية ومراحلها وكيفية المشاركة فيها وفي عملية اتخاذ القرارات التي تمس شؤون حياتهم. كما ويعمل على تقديم صورة حقيقية عن أهدافها ومشروعاتها ونشاطاتها وتصحيح المفاهيم عن تنمية المجتمعات المحلية و القائمين عليها، كما تظهر اهميته الكبيرة من خلال قيامه بتشجيع الأفراد و الهيئات داخل وخارج المجتمع على المساهمة في عملية التنمية. إضافة إلى إقامة عملية جذب لمزيد من المتطوعين الجدد وترغيبهم وحفزهم من خلال تبصيرهم بأهمية التطوع والمشاركة. والمساهمة في ترتيب أو إعادة ترتيب اهتمامات أبناء المجتمع المحلي بحيث تصبح قيمة التطوع والاعتماد على الذات بين أولوياتهم.
XVIII.            الخاتمة
   يلاحظ ان الاعلام التنموي بات يشكل املاً مستقبليا على نطاق دولي، اذ يعول عليه في المنظمات الدولية خاصة الامم المتحدة بكافة مكاتبه وفروعه وخاصة اليونسكو، في تسيير حملات التنمية عن بعد من خلال وسائل الاتصال، وكان تجربة الاكوادور يمثل تحولاً نوعيا وأملا باعثا في تدعيم نشاطات التنموية من خلال الاعلام، يعتبر الاعلام التنموي(الانمائي) آفاقاً رحبا في تدعيم انجاح التنمية في مجالاتها كافة وخاصة التنمية السياسية والتنمية البشرية والتنمية المستدامة، لذا نوصي اصحاب الرأي والنخب السياسية والثقافية في الاهتمام بهذا الجانب.
المصادر:
1.    Gareth Locksley, the media and Development, The International Bank for Reconstruction and Development Washington2009
2.    إسلام عبد العزيز: الإعلام التنموي، موقع على الانترنيت:http://forums.selze.net
3.     اكرم سالم: الاعلام من منظور اداري تنموي، الحوار المتمدن - العدد: 2270 - 2008 / 5 / 3 موقع على الانترنيت: http://www.ahewar.org
4.     جمال جاسم محمود: دور الاعلام في تحقيق التنمية والتكامل الاقتصادي العربي، دمشق، 2004، (نسخة الكترونية).
5.     حسن الحسن: الإعلام والدولة، بيروت، 1965. (نسخة الكترونية)
6.     د. ابراهيم إمام: الإعلام و الاتصال بالجماهير، القاهرة، 1969. (نسخة الكترونية)
7.     د. اديب خضور: الاعلام العربي على ابواب القرن الحادي والعشرين، دمشق، 2000.
8.     د. أديب خضور: الإعلام المتخصص، الاقتصادي، الرياضيضي، الثقافي، السكاني، العلمي، دمشق،٢٠٠٣.
9.     د. اسامة بن صالح حريري: تهيئة الدور للاعلام لتنمية الوعي لدى الجماهير، موقع المنشاوي للدراسات والبحوث. موقع على الانترنيت:www.minshawi.com.
10.     د. انتصار ابراهيم عبدالرزاق و د. صفد حسام الساموك: الاعلام الجديد تطور الاداء والوسيلة والوظيفة، بغداد، 2011.
11.     د. بسيوني ابراهيم حمادة: دراسات في الاعلام وتكنولوجيا الاتصال والرأي العام، القاهرة، 2008.
12.     د. حيدر الفريجي: التنمية الانسانية في العراق، مركز العراق للابحاث، قسم الدراسات الاقتصادية، أوراق اقتصادية، العدد (6)، أيلول، 2004.
13.     د. خالد إبراهيم المحجوبي: الإعلام والتنمية نظرة في الترابطية والتفاعلية، الحوار المتمدن - العدد: 2937 - 2010  موقع على الانترنيت
:http://www.ahewar.org
14.     د. راسم محمد الجمال: الاتصال والاعلام في العالم العربي في عصر العولمة، القاهرة، 2006.
15.     د. سمير سعيد حجازي: معجم المصطلحات الحديثة، بيروت، 2005.
16.     د. علي عجوة: الإعلام وقضايا التنمية، القاهرة، 2004.
17.     د. عمر الخطيب: الاعلام التنموي، بيروت، 1983.
18.     د. كرم شلبي: معجم المصطلحات الاعلامية، القاهرة، 1989.
19.     د. محمد حجاب: الإعلام والتنمية الشاملة، القاهرة، 1998.
20.     د. منى الحديدي و د. سلوى امام: الاعلام والمجتمع، القاهرة، 2006.
21.     د. مي العبدالله: الاتصال في عصر العولمة الدور والتحديات الجديدة، بيروت، 1999.
22.     زبير سيف الإسلام: الإعلام والتنمية في الوطن العربي، دمشق، 1981.
23.     صلاح أبو أصبع: دراسات في الإعلام والتنمية العربية، دبي، 1989.
24.    عبد الرحمن تيشوري: الاعلام التنموي الفعال، الحوار المتمدن، العدد: 1328 http://www.ahewar.org
25.    عبدالغني عبدالغفور: الإعلام العربي واقعه مهماته، بغداد، 1973.
26.    عواطف عبد الرحمن : إشكالية الإعلام والتنمية الاجتماعية في الوطن العربي، القاهرة 1984
27.    فلاح خلف الربيعي: دور الإعلام في عملية التنمية في العراق، الحوار المتمدن، العدد: 2562  http://www.ahewar.org
28.    محمد سيد محمد، الإعلام والتنمية، القاهرة، 1988.
29.    محمد عبد القادر أحمد :دور الإعلام في التنمية، بغداد، 1982
30.    مصطفى المصمودي : النظام الاعلامي الجديد، الكويت، 1985.
31.    ولبر شرام: اجهزة الإعلام والتنمية

الأربعاء، 1 مايو 2013

دراسة نقدية لكتاب الاحكام السلطنية


   

 الدراسات التي تهتم بالفكر السياسي الإسلامي ظنينة و قليلة و مرد ذلك أن الباحثين في صدر الإسلام لم يهتموا بالبحث في قضايا سياسية كنظام الحكم و حدود سلطة الحاكم و علاقته بالمحكوم فرغم أن ارهاصات البحث في هذه المسائل بدأت و ظهرت في عصر الرسول محمد صلى الله عليه و سلم.
و لعل من الذين اهتموا بالبحث في هذه المبحث و صنفوا فيه الماوردي فكيف نظر لنظام الحكم و ما هي طبيعة الحكم الذي ارتضاه هذه الدراسة تحاول الاجابة عن ذلك.
التصنيف السياسي الفلسفي لدى المسلمين
من كتاب " فقه الأحكام السلطانية "
محاولة نقدية للتأصيل والتطوير
الفصل الأول
تمهيــــــــــــــــــــــــــد
    
بدأ تدوين الفقه السياسي متأخرا جدا عن تدوين كثير من العلوم، كالحديث والتاريخ والتفسير والفقه والأدب. وامتدت فترة التمهيد له مدة طويلة، من أواخر الخلافة الراشدة إلى عصر المأمون العباسي . كما ساهم في تكوين بنيته الفكرية كل العناصر الثقافية المحلية والوافدة جاهلية وإسلاما.
ونظرا لكون الأمة العربية كانت قبل البعثة وصدر الإسلام شفوية الثقافة فقد ظل التفكير السياسي لديها شفويا تتداوله الألسن شعرا وحكمة وأخبارا. ولم تكن الحاجة ماسة إلى تدوينه في فجر الإسلام مثلما كانت بالنسبة للعلوم المتصلة اتصالا واضحا مباشرا بالعقيدة والعبادة. لذلك تأخر التدوين السياسي إلى أوائل القرن الهجري الثاني حيث ظهر ضمن مصنفات أدبية وأخبارية على هيئة مواعظ ونصائح وأساطير مقتبسة من تجارب الإنسان وتقاليد الأمم. ومن ثم انتقل إلى مرحلة ثانية هي مرحلة المصنفات المستقلة الخاصة به، ولكن على غير يد الفقهاء ومن مرجعية غير إسلامية. فقد ظهر أول المصنفات فيه ترديدا للفلسفة الإشراقية هندية وصينية وبابلية وآشورية وفـارسية ويونانية. وكان ذلك على يد الفـارابي( 260  - 339 هـ / 874 - 950 م ) المتأثر بالآراء السياسية لأفلاطون وأرسطور، حيث تناول الفلسفة السياسية في عدة مؤلفات منها: " رسالة تحصيل السعادة "  "السياسة المدنية "  و"رسالة السياسة " و" الفصول المدنية "  و" آراء أهل المدينة الفاضلة  ".
وفي منتصف القرن الهجري الرابع ـ العاشر الميلادي ( 373 هـ / 983 م ) ظهرت الكتابات السياسية لجماعة " إخوان الصفا وخلان الوفا "  متأثرة بنفس المؤثرات. وكانت السياسة لديها تمثل علما مستقلا بذاته، له خمسة أقسام: السياسة النبوية، والسياسة الملوكية، والسياسة العامية، والسياسة الخاصية، والسياسة الذاتية.                                            
     وفي بداية القرن الهجري الخامس ـ الحادي عشر الميلادي ـ  ظهرت المرحلة الثالثة بأول الكتابات السياسية المستقلة عن الفكر الفلسفي، المتأثرة بالفقه والشريعة، على يد الماوردي ( 364 - 450 هـ / 975 – 1058 م ) ومن نهج نهجه ونحا نحوه.
ولقد سار الفقهاء والمتكلمون في هذه المرحلة، على نهج تشريعي لما ينبغي وما يجب وما يجوز وما لا يجوز في نظام الخلافة وتدبير أمر الدولة. واستوفت أبحاثهم نظم الملك والوزارة والإدارة والقضاء، والحسبة والأموال وتنظيم الجيوش والعلاقات مع داري الحرب والمهادنة. كما بذلوا جهودا جبارة من أجل تبرير تصرفات الملوك وإضفاء الشرعية عليها، وإرشادهم إلى ما يحفظ عروشهم ويحببهم إلى الرعية.
ثم تدهور التصنيف في هذه المرحلة إلى مستوى من الإسفاف والمداهنة الخانعة، بأسلوب متودد يحاول حفظ ماء وجه الفقهاء، ولا يزعج الحكام أو يضايقهم، من خلال الإعراض عن ذكر الأحكام الشرعية الخاصة بتصرفات الخليفة، والاقتصار على تقديم النصائح ذات الطابع الأخلاقي والتعليمي التي من شأنها أن تحفظ العروش أطول مدة ممكنة، والتذكير بوصايا من تراث الأمم، ومأثورات الطرائف والأساطير ومختارات الشعر والنثر والحكم والأمثال، وآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية ما صح منها وما لم يصح، مثلما هو حال كتاب " سير الملوك " لنظام الملك ( 408 - 485 هـ / 1018 – 1092 م ) و "سلوان المطاع في عدوان الأتباع " لمحمد بن ظفر الصقلي المكي ( 497 - 565هـ / 1104 - 1169 م ) و" النهج المسلوك " لابن نصر الشيزري (ت 589 هـ ).
ثم بعد ذلك ظل التصنيف السياسي لدى المسلمين متأرجحا بين هذه المراحل، لا يغادرها ولا يتطور لما هو خير منها، إلى عصر النهضة الحديثة التي حاول استنهاض الهمم فيها كل من الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده ومن جاء بعدهم. ولكن محاولاتهم ظلت حبيسة ازدواجية عقيمة، تتخذ مرجعية في فقه الماوردي من جهة، وتحاول تطويرا بالديموقراطية الغربية من جهة أخرى، لذلك لم تثمر تأصيلا حقيقيا لنظام حكم إسلامي متميز في الكتاب والسنة.
ولئن كان من الصواب البدء بدراسة التصنيف الفلسفي نظرا لأسبقية ظهوره، فإن بعضا من الإسلاميين قد لا يوافق على إقحام الآراء السياسية لفلاسفة المسلمين الأوائل في هذه الدراسة، لأسباب عقدية تتعلق بتصورهم الإيماني، أو مبررات أصولية لها علاقة بطرق استنباطهم التي لا تمت إلى منهجية الاستنباط الشرعي بصلة، أو مسوغات فقهية خاصة بمرجعيتهم غير الإسلامية استنادا واستدلالا.
إلا أن ذلك لا ينفي وجوب التزام الموضوعية في دراسة نظم الحكم عند المسلمين بكل اتجاهاتهم، وكشف مختلف المؤثرات والعوامل التي ساهمت في تكوين فكرهم السياسي، كي تتضح رؤيتنا لمسار الدولة الإسلامية نظرا وتطبيقا على مدار التاريخ، ولأوضاعنا المعاصرة بكل مساربها ومتاهاتها، ونقائصها ونواقضها، وذبذباتها المتأرجحة بين عوامل الداخل والخارج، الأصيل والدخيل، سلبا وإيجابا.
ولنتبين مدى قرب الفكر السياسي الحديث لدى المسلمين أو ابتعاده من التشريع الإسلامي في الكتاب والسنة، ونستبين أوجه الانحراف وسبل التقويم، إذ التعلم باكتشاف الخطأ أبلغ في النفس وأشد تأثيرا .
ولا ريب أن منهجنا الذي نلتزم به ونسير على هديه، مرتكز على قاعدة أساسية متينة، هي أن النظام السياسي الإسلامي ما كان منبثقا من مرجعية الكتاب والسنة، عقيدة وأصولا وفروعا. وما عدا ذلك يُحتمل أن يكون متأثرا بالإسلام أو ملتقيا به في بعض جزئياته أو كلياته، إلا أنه لا يمثل النظام السياسي الإسلامي الحق تمثيلا صادقا.  ذلك لأن بوصلة التوجه إلى أي هدف هي التصور الإيماني السليم الواضح. وكل غبش يشاغب على هذا التصور ينعكس سلبا على التصرفات، عقلية كانت أو سلوكية.
وهذا يفرض علينا ألا نغفل ملاحظة اهتزاز عقيدة هؤلاء الفلاسفة، واضطراب مرجعيتهم الفكرية ؛ وإن التقت في بعض جزئياتها بالعقيدة الإسلامية، التقاءً عفويا بسبب انتمائهم إلى المجتمع الإسلامي وثقافته، أو التقاء إراديا بقصد التمويه على انحرافهم  الديني باعتناقهم آراء وثنية لفلاسفة من الفرس والهند واليونان، في نظرتهم إلى عالمي الغيب والشهود، وبدعوتهم إلى نظم للحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية منبثقة عنها.
ولعلنا لا نحيد عن الصواب إن ركزنا في بحثنا هذا على المرجعية الفكرية والفلسفية والدينية التي اتخذها هؤلاء الفلاسفة مستندا ومتكأ. ثم على تصورهم السياسي المنبثق من عقيدتهم وموقفهم الإيماني  وأعرضنا مطلقا عما رُموا به من قبل العامة والخاصة، من انتماء باطني أو صابئي أو أصول يهودية، مما لا يُدفع عنهم بشغب سوفسطائي يثيره أنصار لهم، لأهواء مشتركة أو جذور متقاربة أو نزعات طاغية. علما بأن فكرهم السياسي لم يتبلور قط إلى مستوى صياغة نظام للحكم متكامل، بمنهجه ونظمه للإدارة والمال والتدبير العام، وإنما كان مبثوثا في كتبهم الفلسفية التي التزموا فيها بالنهج الأفلاطوني شكلا ومضمونا، فوردت أفكارهم ضمن رسائل حول قضايا الغيب والشهود، والمادة والروح والطبيعة وما وراءها، والاجتماع البشري والسعادة والشقاوة، مثلما هو حال رسائل إخوان الصفا والفارابي، وما صنفه ابن سينا في القضاء والقدر والفيض الإلهي والمبدأ والمعاد والأخلاق والحكمة.
أما التصنيف السياسي المباشر فقد ظهرت أولى بواكيره على شكل رسائل مستقلة تبحث موضوع " السياسة " بمفهومها الذي هو حسن التدبير والحكمة في التسيير، وكان من أول مؤلفيها تحت عنوان " رسالة في السياسة " كل من الفارابي وأبو القاسم المغربي وابن سينا .
ولئن اختلفت بعض مضامين هذه الرسائل التي تطابقت عناوينها فإنها اتفقت كلها في ثلاث هن:
1 ـ أن السياسة حاجة ملحة لكل البشر رفيعهم ووضيعهم، ولكن الملوك ثم أعوانهم أشد حاجة إليها.
2 ـ لم يعتمدوا في تصانيفهم على الكتاب والسنة مرجعا أو استشهادا.
3 ـ كانت منطلقاتهم الفكرية والفلسفية معتمدة اعتمادا مطلقا على الفكر اليوناني.
ثم بعد ذلك أخذت تظهر مصنفات فلسفية موجهة للملوك فقط، ترشدهم إلى ما ينبغي عمله وإقامته في سياستهم، مثل كتاب " سلوك المالك في تدبير الممالك " لابن أبي الربيع.


الفصل الثاني
المرجعية الفكرية لدى فلاسفة المسلمين
يذهب البعض إلى أن الفلسفة اليونانية عند أفلاطون وسقراط وأرسطوطاليس وغيرهم هي الأساس الذي بُني عليه تفكير فلاسفة المفكرين المسلمين الأوائل. إلا أن في هذه الدعوى تجاوزا كبيرا للحقيقة ؛ لأن الفلسفة اليونانية نفسها ليست إلا امتدادا وخلاصة للأوهام الميتافيزيقية التي كانت منبتا لأديان القارة الآسيوية، وذلك ما نُقل إلى الثقافة العربية في صدر دولة بني العباس وكان مرجعا لأول حركة فلسفية في الإسلام.
إن الإنسان عندما نسي المنهج الرباني الذي أنزل مع آدم عليه السلام ، وفقد الصلة بالله، وارتكس في حمأة الجاهلية والبدائية، ملأت الهواجس والأوهام قلبه وعقله  واستبد به الخوف من الظواهر الطبيعية برقا ورعدا وخسفا وزلازل وعواصف، وأخذ به الرعب والرهبة من الموت والمصير والمجهول كل مأخذ، فأقبل على نفسه ينسج لها استجلابا للطمأنينة، خيالات وتصورات وأساطير وخرافات، عما لا يفهمه وما يرجوه أو ما يرهبه ويخافه. فتراكم بذلك لدى البشرية على مر السنين  تراث ضخم من المعتقدات الضالة المضطربة، التي اتخذت فيما بعد مادة للتفكير والاستقراء، والبحث عن الذات أصلا ومآلا، وعن الكون والطبيعة ماضيا واستقبالا. ثم تحول هذا التراث إلى قاعدة للفكر الديني الوضعي المفضي إلى عبادة الأوثان والطواطم والنجوم والكواكب، واتخاذها آلهة وأربابا.
ثم بعد ذلك اتُخذت هذه المعتقدات الدينية منطلقا ومادة للتفكير الفلسفي الآسيوي الذي نُقل إلى اليونان وتطور فيه. وظل مجردا من أهم أداتين للفهم هما: المعرفة المادية الصحيحة لحقائق الطبيعة بسبب التخلف العلمي آنئذ، والمعرفة الغيبية اليقينية التي لا مصدر لها إلا الوحي.
ولعل الأسطورة التي رواها أفلاطون عن منشأ الفكر السياسي في محاورة "بروتاجوراس"  تقدم لنا خير مثال على ما نذهب إليه من أن الفكر البشري عامة والسياسي خاصة منبثق من الخرافة والأساطير والأوهام [1].
لقد زعم أفلاطون أن الآلهة عندما شكلوا المخلوقات الفانية، أخذوا يوزعون عليها صفاتها الخاصة بها والمحتاجة إليها، فكان من المخلوقات ما سلحوها بوسائل الدفاع، ومنها ما تركوها عزلاء وزودوها بأساليب للمحافظة على البقاء. ولكنهم اكتشفوا في نهاية الأمر أنهم وزعوا جميع الصفات والقدرات على الحيوانات، ونسوا الإنسان الذي تُرك عاري الجسم لا يملك مأوى ولا أسلحة للدفاع  فعمد "برومثيوس" إلى سرقة الفنون الآلية والنار مع طريقة استخدامهما ـ وهما خاصتان بالآلهة ـ من معبد أثينا، وسلمهما للإنسان. وكان ذلك سبب حصوله على قسط من الصفات الإلهية التي علمته الحكمة.
على هذه الأسس نشأ الفكر الفلسفي وتطور، مادة بحثه خيالات البشر وأساطير الخرافة وأوهام سدنة الأوثان وعبادها، مفتقدا أهم وسائل الاستقراء والدراسة والفهم  عاجزا عن تحقيق هدفه في كشف حقيقة الكون وطرق السعادة.
إن هذه المعتقدات هي المنشأ الأول والمبدأ الأساس لكل فلسفات البشر الوضعية في ما قبل اليونان:
ـ في بلاد ما بين النهرين، آشور وبابل ومعتقداتهما الخاصة بعبادة الشمس والنور، وأبناء الطبقة الحاكمة الذين هم " أبناء الشمس ".
ـ وفي الصين حيث الكونفوشيوسية، وعقيدة إحياء وميض الأنوار في الإنسان عن طريق المعرفة  والإنسان الكامل الذي هو الملك أو النبي أو القائد، الذي يجمع في ذاته سائر القوى المادية والروحانية  وعلى قدر كماله تكون سعادة عصره، وهو بمثابة الإمام عند الباطنية أو القطب عند الصوفية.
ـ وفي الهند لدى البراهمة، وعقيدة اتصال النفس بالمبدأ الروحاني " براهمان "  الذي يحل في جميع مظاهر الوجود. وعقيدة شرائع " مينو " التي تقسم الناس إلى أربع طبقات:
طبقة البراهمة، رجال الدين والنخبة السياسية، الذين خلقوا حسب زعمهم من رأس الإله، وهم أعلى الناس وخلاصة الجنس البشري.
وطبقة الجند، حماة البلاد الذين خلقوا من منكبي "براهما " ويديه، ويحق لهم بعد البراهمة قراءة الكتب المقدسة.
وطبقة التجار والزراع المكلفة بالإنتاج والنشاط الاقتصادي والفلاحيوخلقوا من ركبتي "براهما "
وطبقة الخدم والأسرى المخلوقين من قدمي " براهما " ، وليس لهم إلا خدمة الطبقات التي فوقهم.
ـ وفي بلاد فارس حيث ظهرت الهرمسية والزرادشتية والصابئة والكلدانيون عبدة النجوم، ممن يؤمن بفناء الجسد وخلود النفس في النعيم أو الشقاء، وبالقائد البشري الكامل الذي يعرف حقيقة الوجود.
ـ وفي الفكر المصري الفرعوني ومدرسة الإسكندرية التي التقت فيها تيارات أوروبا وآسيا وإفريقيا، ونشأت بها طقوس نظمت مفهوم الألوهية وعلاقتها بالبشر، ووضعت قواعد الثواب والعقاب، وأنشأت عقيدة ثنائية التركيب البشري وخلود النفس، وأبوة الشمس والنجوم لبعض النخب السياسية.
هذه المعتقدات الهلامية والتصورات الضالة هي التي ورثها اليونان وظهرت فيما كان لديهم من علوم وفنون وآداب وفلسفة.
ظهرت لدى الفيتاغوريين عقيدة تؤمن بثنائية التركيب البشري، وضرورة تطهير النفس بالعلوم الطبيعية والعمليةكالموسيقى والرياضيات وما وراء الطبيعة، كي تتمكن من الصعود إلى عالم الأفلاك، حيث سعادتها الأبدية واتحادها بواجب الوجود.
ولدى الأفلوطينيين في عقيدة الآلهة المتعددة من النجوم والكواكب التي ترى وتسمع وتدبر الكون، وعقيدة المعرفة الحدسية التي يختص بها قادة الشعوب أنبياء وملوكا وفلاسفة، والمعرفة العقلية الجدلية التي هي الطريق العادي لاكتساب العلوم.
على هدي هذه المعتقدات الدينية المتفلسفة والتصورات المضطربة الوثنية ، سار الفكر السياسي وعلى أركانها تأسس:
من مفاهيم الدولة والعدل والحياة السعيدة لدى البابليين والفراعنة والصينيين والهنود، إلى ما طوره من نفس المفاهيم كل من اليونان والرومان، إلى ما نقل إلى اللغة العربية في القرنين الهجريين ، الثالث والرابع، وعمل فلاسفة المسلمين على إعادة صياغته في صباغ إسلامي لم يستطع أن يخفي أصله الوثني.
ومن أفكار كونفوشيوس في" التعليم الأكبر" و"عقيدة الوسط"و" الأغاني"  حول فساد الحكم  ومهام الحكومة وواجبها في توفير حاجات الناس أمنا وطعاما، وشروط الكفاءة في الحاكم وممارساته السياسية والتدبيرية، إلى تصورات الحكماء السبعة في أثينا لنظام الدولة وتشريعاتها الخاصة بقواعد الإدارة وأساليب تحقيق السعادة، إلى نظريات فيتاغورس في العدالة والمساواة، وما يرى الأبيقوريون من وجوب الخضوع للدولة ولو كانت استبدادية ما دامت تحقق الأمن والنظام، وما ذهب إليه أفلاطون في مدينته الفاضلة التي اتخذت مظهرا خياليا قوامه اعتبار السلطة عملا معجزا لا يستطيع القيام به إلا أفراد ملهمون، لهم على بني جنسهم تميز خاص يصلهم بالعقل الفعال ويجعلهم قادرين على تحقيق السعادة لشعوبهم.
إلى ما تطور إليه الفكر السياسي الأرسطي باستحداثه فكرة الدولة الدستورية، التي تبنى علاقات شعبها بالحاكم على أساس الحرية والمساواة والمواطنة المشتركة بين أحرار، مما جعل الدولة مجرد اتحاد أفراد في مجتمع واحد تحت حاكمية القانون الذي حل محل الملك أو الفيلسوف أو النبي. وما سار عليه الفكر السياسي الروماني الذي ميّز بين الدولة والفرد، وجعل لكل منهما حقوقا وواجبات، وبلور فكرة سيادة الدولة ونظرية العقد الحكومي، ونظرية القانون الطبيعي التي وضعها " شيشرون " على أساس أن للكون خالقا واحدا، وأن للدولة قانونا واحدا يجب أن يطبق على الجميع. إلى ما عربه المسلمون في دار الحكمة التي أسسها المأمون العباسي، وجعلوه أساسا لفكرهم السياسي والفلسفي.
إلا أن مما يثير الاستغراب أن العرب لم يقتبسوا من هذا التراث السياسي الذي عكفوا على تعريبه، إلا ما تعلق منه بالاتجاه الاستبدادي، وهو الفكر الأفلاطوني الخاص بالقائد الملهم، المتصل بالعقل الفعال المحتكر للمعرفة، القادر وحده على إسعاد الشعب. أما النظرية الأرسطية الخاصة بفكرة الدستور، الذي يضمن العدالة والمساواة والمواطنة الحرة المشتركة، ويلغي حاكمية الفرد لصالح حاكمية القانون، وما ورد في الفكر الروماني عن نظرية العقد الحكومي وسيادة القانون وحقوق الدولة والفرد وواجباتهما، فإن النقل العربي قد أهمله وأغفله، ولم نجد له أثرا في فكرهم وتراثهم. ولعل ذلك راجع إلى أسباب سياسية متعلقة بكون حركة التعريب والترجمة، تمت على يد المؤسسة الرسمية الحاكمة وبإشرافها. وكانت هذه المؤسسة ذات نمط في الحكم فردي استبدادي، لا يوافق على نقل التراث الأرسطي والروماني أو نشره والتبشير به .
هذه خلاصة المرجعية الفكرية والسياسية التي نُقلت إلى اللغة العربية، وصادفت ظروفا بيئية مناسبة للغراس فنمت وأثمرت.
ولقد التقى العرب المسلمون قبل هذه الفترة بهذه المعتقدات الدينية والفلسفية عدة مرات فاستعلوا عليها ولم تؤثر فيهم.
التقوا بها وهم رسل للنبوة الخاتمة بدعوة الحق لدى ملوك الفرس والروم والقبط، يملأ قلوبهم نور العقيدة واستعلاء الإيمان، والحرص الصادق الأمين على إخراج الناس من عبادة العباد إلى رحابة عبادة رب العباد، فاحتقروا تلك المعتقدات وترفعوا حتى عن اعتبارها فكرا أو فلسفة أو مجرد عقل سوي.
ثم التقوا بها بعد أن استعصى أهلها على الرشد، مجاهدين وغزاة وفاتحين، فحطموا  الأوثان ونشروا رسالة التوحيد والإيمان.
والتقوا بها مرة أخرى حين وقع الانقلاب على الخلافة الراشدة، وتحول أمر المسلمين إلى الاستبداد  وفر الصادقون من الأمة مضطهدين ومهاجرين شرقا وغربا؛ فنشروا دين الحق وقوضوا أركان الشرك والكفر.
ثم لما كان عهد بني العباس ذو النـزعة الأعجمية فرسا وتركا، وانفرط عقد الوحدة العقدية بتمزق الأمة مللا ونحلا ومذاهب، وضعف الالتزام بالدين بين الحاكمين والمحكومين، وتمكن العسف والاضطهاد والاستبداد من رقاب العباد، أُرسلت عاصفة المترجمات الفلسفية اليونانية والسريانية والقبطية والفارسية، فتلقفتها النخبة المقربة من أصحاب النفوذ، وأصبحت الرطانة بمصطلحات اليونان والإغريق ميزة الصفوة وبدعة ذوي المقامات.
وإذ أخذ الفقهاء والعلماء الصادقون يضجون من موجة الانحراف هذه، ويوضحون خطرها على الأمة وعظا وكتابة وحوارا وجدلا، أُثيرت للتغطية والتمويه وصرف الأنظار، معركة كلامية حول ما دُعي علاقة بين العقل والنقل، تقديما وتأخيرا، حاكما ومحكوما. وبذلك أسبغت على الصراع بين الإسلام وبين الوثنيات الفلسفية صفة الجدل العلمي الرصين، على رغم ما في ذلك من خلط وتلبيس وتدليس. ذلك أن هذه التيارات التي زعمت أنها تحكم العقل في النص ليس لها ما يؤيد دعواها، لأن العقل السليم المجرد السوي، المتحرر من الخرافة والأوهام، المدجج بالمعارف المادية الصحيحة والتصورات الغيبية اليقينية ذات المصدر الرباني، ليس له إلا أن يسخر من هذه الفلسفات ذات الجذور الخرافية الأسطورية.
إن هذه التيارات التي تزعم تحكيم العقل في النص، لم تحكم في واقع الأمر إلا عقلا وثنيا مضللا، لأقوام عبدوا الأصنام والكواكب والنجوم والأشباح، واتخذوا لعباداتهم هذه أرضية من أوهام سموها فلسفة. وإذْ صارت هذه التصورات الفاسدة هي المتحكمة في النص فلا بد من الضلال.   
الفصل الثالث
التصـور السيـاســــي لنظــــــــام الحكـم
لــــدى فلاسفة المسلمين
     التصور الإيماني والموقف من قضايا الغيب والألوهية والربوبية هو أساس الأفكار والتصرفات لدى الإنسان، لذلك فالنظرية السياسية لفلاسفة المسلمين منبثقة من تصورهم لهذه القضايا وموقفهم منها. ولئن كان التوحيد الإسلامي الحق ينبني على ثلاث قواعد هي: توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، فإن نظرية هؤلاء الفلاسفة لا تنبني على أي قاعدة من هذه القواعد. فهم يسمون الله تعالى " واجب الوجود "  ويتصورون علاقته بالكون والخلق على غير حقيقتها، ولا أصل في الإسلام لهذا الإسم ولا لهذا التصور. وعقيدتهم التي انبثق منها فكرهم السياسي هي ما ابتدعه فلاسفة اليونان وأطلقوا عليه مصطلح  "الفيض".
فما هي هذه العقيدة ؟ وما جذورها ؟ وكيف انبثق منها تصورهم السياسي؟
ينبغي أولا أن نبين أن مصطلح "الفيض " هذا، لا يخفي خلفه أي معنى معقد أو فكرة راقية أو تصور مثير، فالفيض لغة من "فاض"  ويدل على جريان شيء سائل بسهولة ويسر، ومنه: فاض الإناء بعد أن امتلأ، وفاض الدمع من العين إذا خرج، وفاضت الروح من الجسد: إذا غادرته، وفاض السر من صدر المرء: إذا عجز عن كتمه، فباح به.
والفيض عند الفلاسفة يعنون به أن الله تعالى ـ واجب الوجود كما يسمونه ـ لا يخلق الموجودات، ولكنها تفيض عنه وتنبثق منه بدون إرادته، أي تصدر منه وتتولد عنه بطريق الفيض  بدون وعي منه أو إرادة. وهذا الفيض أو الصدور أو الخروج، في عقيدتهم، دائم وضروري وواجب. وكما تخرج الشجرة الثمرة ليس لها إلا ذلك والدجاجة البيض ليس لها إلا ذلك، كذلك يصدر الوجود عن الله ـ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ـ .
تُنسب هذه العقيدة إلى أفلوطين (205 - 270 م ) ولكنها في أصلها مزيج وتلفيق لهلوسات أفلوطين وفيلون والمعتقدات الوثنية والمجوسية. وعندهم أن الموجود الأول " الذي يعنون به الله تعالى" واحد، ولذلك لا يفيض عنه إلا واحد هو العقل الكلي، أو العقل الأول، أو العقل الفعال، تختلف التسميات والمقصود واحد. ومن هذا العقل الكلي تفيض النفس الكلية، وعن النفس الكلية تفيض الأشياء المادية. وكلما فاض شيء من شيء تعلق الفائض بمصدره وامتلأ منه نورا. فالعقل تعلق بالموجود الأول وتلقى منه النور، والنفس تعلقت بالعقل وتلقت منه النور، والموجودات المادية كذلك تعلقت بالنفس. والإنسان الذي يتلقى الفلسفة، يتحول إلى عقل متصل بالموجود الأول، يتلقى منه النور والحقيقة، ولذلك له حق التحكم فيمن سواه من البشر لأنه هو الوحيد الذي يستطيع أن يبلغهم إلى السعادة، وهو الملْهَمُ القادر، نبيا كان أو فيلسوفا أو ملكا.
ولئن كانت هذه المعتقدات قد ظهرت لدى الكندي بصورة خافتة ، بأن جعل الحركة مفعولة لله، ولكنها تخضع مباشرة للفلك الأقصى الحيّ العاقل المميز الفاعل، الذي هو أول فائض عن واجب الوجود ومنفعل به، وهو نائبه في تحريك الكون وتسييره، فإن هذه التصورات الضالة قد ظهرت بعد ذلك بصورة صارخة لدى الفارابي وابن سينا ومن سار على نهجهما.
يرى الفارابي أن العقل الأول صدر عن الله فيضا واجبا لا دخل للإرادة والوعي فيه، ومن هذا العقل الأول صدر عقل ثان وفلك أعلى، واستمر الفيض والصدور على هذه الوتيرة، من كل عقل عقلٌ وفلك إلى تتمة عشرة عقول، آخرها العقل الفعال الذي فاضت عنه النفس، ومن النفس فاضت المادة بعناصرها الأربعة، النار والهواء والماء والتراب. فبالفيض في نظره صدرت الموجودات تباعا عن واجب الوجود حتما ولزوما، دون تعقل منه أو إرادة، إلى أن ظهر الإنسان. وكل فائض يتلقى النور والسعادة بالتعلق بمصدره والشوق إليه. كذلك الإنسان سعادته القصوى أن يشتاق إلى مصدره الأول " الموجود الأول "  ويتلقى منه النور ويتحد به. وطريقه إلى ذلك السعي إلى الكمال وتحصيل الخيرات والفضائل، وهذا سبيل السعادة التي لا يمكن الوصول إليها إلا بالفضائل النظرية والفضائل الفكرية والفضائل الخلقية والصناعات العملية.
وبما أن كل موجود ـ في عقيدتهم ـ تكوَّن ليبلغ كماله الأقصى الذي له أن يبلغه بحسب رتبته في الوجود، فإن سعادة الإنسان القصوى هي الاتحاد بالموجود الأول. إلا أن هذه الرتبة ليست لأي إنسان، فالفضائل العظمى نظرية كانت أو فكرية أو خلقية أو عملية تُجعل فيمن أُعِدَّ لها بطبيعته. ومَنْ أُعد لها بالطبع، وبأعلى الدرجات  هو القادر على إيجادها في الأمم والمدن. والملوك تبعا لذلك ليسوا ملوكا بالإرادة فحسب، ولكنهم ملوك بالطبيعة أيضا لأنهم خُلقوا ملوكا. ولا ينقص من قدرهم أنهم يصلون إلى الحكم أو لا يصلون. والملك أو الفيلسوف أو النبي أو الإمام عند الفارابي  هو الوحيد القادر على تأديب الأمم وتعليمها، مثلما هو حال رب المنـزل في تأديبه أهل بيته، أو القيِّم على الصبيان والأحداث.
والنبي واضع النواميس والملك والفيلسوف والإمام والرئيس الأول عندالـفارابي بمعنى واحد يدل على الاقتدار والتسلط المطلق على من تحت يده. واقتداره ليس بقوة خارجة عنه فقط، بل بما يكون في ذاته من عظم المقدرة. كل هذه الألفاظ تعني الشخص الذي اجتمعت فيه صفات القدرة المطلقة لصلته بالعقل الفعال، سواء انتفع به غيره أم لم ينتفع ، إذ ليس عدم الانتفاع به من قِبل ذاته، ولكن من جهة مَنْ لا يصغي إليه. وسواء وُجد مَن يقبل منه أو لم يوجد فهو دائما الفيلسوف والنبي والملك والرئيس الأول والإمام. وكما أن الطبيب طبيب بمهنته وقدرته على علاج المرضى وجد مرضى أم لم يجد، وجد آلة يستعملها في فعله أم لم يجد، كان ذا يسار أو فقر، إذ ليس يزيل طبه ألا يكون له شيء من ذلك. كذلك لا يزيل إمامة الإمام والفيلسوف والملك والنبي ألا تكون له آلات يستعملها في أفعاله، ولا ناس يستخدمهم في بلوغ هدفه.
وأهل المدينة الفاضلة الذين يؤدبهم الملك طبقتان خاصة وعامة ، والخاصة هم الذين لهم رئاسة ما  مدنية أو صناعية، يرصدون بها لرئاسة ما مدنية. ولا يقتصرون في معلوماتهم على ما يوجبه بادي الرأي المشترك. أما العامة فمن ليس لهم رئاسة ما، مدنية أو صناعية، يرشحون بها لرئاسة ما مدنية  ويقتصرون في علمهم على ما يوجبه بادي الرأي المشترك.
هكذا وظف الفارابي الفلسفة اليونانية سياسيا ليبشر بفكرة الإمام الغائب المنتظر، أو الإمـام الموجود الذي لا يستمع له الناس ولا يقبلون منه، أو الإمـام المتمكن المستبد الذي يفعل ما يشاء وله العصمة من الخطأ، لأنه على اتصال بالموجود الأول.
وما ذهب إليه ابن سينا يكاد يكون نفس ما لدى الفارابي ، ولا غرابة في ذلك فمرجع الرجلين واحد ، هو كتاب " أتولوجيا " المقتبس من " تاسوعات" أفلوطين التي جمعها الإسكندر الأفروديسي. وذلك لأن عقيدة الفيض عند ابن سينا تستند إلى ثلاثة مبادئ  هي:
1 - القول بأن الوجود ينقسم إلى واجب بذاته هو الله تعالى، وإلى ممكن، أي واجب بغيره هو العالم.
2 - الزعم بأن الواحد من حيث هو واحد لا يصدر عنه إلا واحد ، والله واحد فيجب ألا يصدر عنه إلا واحد ـ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ـ.
3 - الزعم بأن تعقل الموجود الأول هو علة للوجود على ما يعقله، فإذا عقل شيئا وُجد ذلك الشيء على الصورة التي عقله بها.
ثم سار ابن سينا بعد ذلك على نهج رواد الفلسفة الإشراقية، بالتشريع والتنظير لنظم الاستبداد السياسي في شخص الرئيس الأول، الذي هو الفيلسوف والنبي والملك والإمام  الذي يحتكر المعرفة، ويفعل في شعبه ما يشاء، ويختص بالاتصال بالله تعالى. ثم تدثرت هذه المعتقدات لديه من أجل تقريبها إلى العامة، بفكرة الإمام المعصوم أو الغائب المنتظر.
نفس المسار العقدي والفكري تقريبا سارت عليه جماعة "إخوان الصفا وخلان الوفا"، ومحور فكرهم السياسي أن العقل خليفة الله الباطن ورئيس الفضلاء. والإمام عندهم هو وحده المتصل بالفلك الأقصى أو العقل الفعال أو واجب الوجود، وهو صورة الصور وخليفة الله الظاهر في الأرض، والمتحكم في الجن والإنس والحيوان والنبات والمعادن والخيرات، وهو المعصوم من الخطأ، كلامه وحي وأعماله سنة، وله أن يفسر النصوص  قرءاناً وسنةً، فيخصص عامها ويقيد مطلقها ويؤول معانيها وينسخ بعض أحكامها، ويضيف إلى شريعتها. كما أن من معتقداتهم الباطنية التي لا يبوحون بها لغيرهم أن الإمام بمنزلة العقل الفعال أو الموجود الأول، في حالة عدم وجود الناطق الذي هو النبي، لأنه يحل محله في رتبته. وفي حالة وجود النبي يحمل الإمام عندهم مرتبة النفس الزكية، وهو لديهم في عالم الدين والصنعة النبوية الرئيس الروحي الأعلى، ووجوده ضروري في كل زمان ، ليكون حجة الله في أرضه والضامن لعباده التسرمد والخلود.
هكذا نشأت في صدر الدولة العباسية فكرة الحكم المطلق لدى فلاسفة المسلمين كافة، ولئن كان الحكم الفردي المطلق قائما قبل ذلك منذ سقوط الخلافة الراشدة، فإنهم قد سبقوا إلى تبريره فكريا وفلسفيا والتشريع له عقديا ودينيا. وكانوا يستطيعون أن يلتزموا الموضوعية والتوازن فلا يكتفوا بعرض آراء مدرسة الاستبداد الأفلاطوني، بل يعرضون بجانبها آراء المدرستين الأرسطية الدستورية والرومانية القانونية. ولو فعلوا لكسروا على الأقل الحلقة المفرغة التي حاصرت المسلمين بين نظامين استبداديين، نظام الملكية الوراثية الجبرية عند أهل السنة، ونظام الإمامة الاستبدادية الوراثية عند الشيعة والباطنية، ولاقتربوا بذلك شيئا ما، من المفهوم الإسلامي للحكم الذي يرى أن المجتمع مجموعة أفراد أحرار متساوين في الحقوق والواجبات، تحكمهم شريعة واضحة في الكتاب والسنة، بمنهج شوروي عام شامل، يتيح لهم التسلط على أمرهم كله، قرارا وتنفيذا ومراقبة ومحاسبة.
من هذا العرض المختصر، يمكن أن نوجز التصور السياسي العقدي، للرعيل الأول من فلاسفة المسلمين عامة، في سبعة أسس قام عليها هي:
1 - استنادهم إلى نظرية الفيض وهي كفر صريح.
2 - الفلك الأقصى حيّ عاقل مميز، يسير الموجودات ويحركها نيابة عن الله، وهذا أيضا تصور لا علاقة له بالإسلام.
3 - الحاكم والفيلسوف والملك والنبي والإمام والرئيس الأول ألفاظ مترادفة، تعني الاتصال المباشر بواجب الوجود، والعصمة التامة، والقدرة المطلقة على إصلاح الخلائق الذين هم مجرد أدوات لأفعالهم. وهذا التصور أيضا بعيد كل البعد عن العقيدة الإسلامية.
4 - الحاكم والفيلسوف والملك والنبي والإمام، يستمد النور من العقل الفعال الذي يستمد بدوره النور من الموجود الأول، ولذلك لا يصدر منه إلا الحسن. وهذا أساس الفكر السياسي لدى المعتزلة، ورئيسهم إبراهيم بن سيار النظام صاحب نظرية "الأصلح"  بمعنى أن الله تعالى لا يفعل إلا الصلاح وليس له إلا ذلك، لأنه لا يستطيع إلا فعل الخير، فهو جواد كريم كالنبع الذي لا يصدر عنه جفاف، والشمس التي لا يصدر عنها ظلام ، وفعل الخير واجب عليه. وهذه النظرية بلا شك تعبير مراوغ عن نظرية "الفيض" الوثنية .
5 - الحاكم أو الفيلسوف أو الملك أو النبي أو الإمام، لا يلتزم بالفضائل لأنها أوامر إلهية نزل بها الوحي قرءانا وسنة، ولكن لأنه مجبول على ذلك بالفطرة بسبب اتصاله بمصدر النور، فهو المعصوم ومرتبته فوق الخاصة والعامة.
6 - السعادة القصوى في الدنيا هي بلوغ كل فرد قمة كماله المـؤهـل لـه بالفطرة، إنْ ملكا أو خاصة أو عامة. أما الحياة الأخروية فقد جحدها كل هؤلاء الفلاسفة، إذ أنكروا المعاد الجسماني والبعث، وأولوا ما ورد في الشرع من نصوص حول اليوم الآخر والبعث والنشور والعرض والحساب والثواب والعقاب والجنة والنار، بأنه مجرد تمثيل بالمحسوسات لتقريب المعاني إلى أذهان العامة، وأن التسليم بالمعاد الجسماني وحياة الآخرة مجرد وسيلة للمحافظة على الأخلاق .
7 - البشر ثلاث طبقات، الأرفعون والخاصة والأوضعون، ولكل طبقة سماتها وفطرتها ودورها. وهم تبعا لذلك ثلاثة أصناف، حكام وأدوات حكم ومحكومون. وجذور هذه العقيدة تجد تربتها لدى البراهمة.
هذه زبدة التصور السياسي الفلسفي، وهو كما يتضح بجلاء يتعارض تعارضا مطلقا مع التصور الإسلامي، عقيدة وسلوكا ونظام حكم واجتماع.
ولئن حاولوا التمويه على هذا التعارض بتأويل بعض النصوص الإسلامية تأويلا يخدم هدفهم، وتأويل بعض الآراء اليونانية الوثنية بما يجعل بينها وبين الإسلام شبهة علاقة ووشيجة، فإن مثل هذه المحاولات البائسة ليست بجديدة في هذا الميدان. لقد سبقهم إليها فيلون الإسكندري (ت 50 م ) فحاول تأويل الشريعة الموسوية بما يقربها من المعتقدات اليونانية، ومن الكنيسة المسيحية حاول ذلك أوريجنس (ت 254 م) والراهب أوغستينوس (ت430 م) ثم تداولها بعد ذلك من المسلمين، الكندي (185-250 هـ / 801 - 871 م) الذي رأى في رسائله، أن صدق المعارف الدينية يُعرف بالمقاييس العقلية معرفة لا ينكرها إلا جاهل، ثم تبعه في ذلك من تلاه ممن سار على نهجه.         








[1] - محاورة لأفلاطون ، ترجمة محمد كمال الدين علي يوسف ، سلسلة مذاهب وشخصيات ص 55 وما بعدها .

الأحد، 28 أبريل 2013

رفض دسترة المجلس الإسلامي الأعلى أسبابه، وتداعياته



     أعلنت وسائل الإعلام خلال الأسبوع الأول من هذا الشهر، أن لجنة التشريع العام بالمجلس الوطني التأسيسي، قد رفضت دسترة المجلس الإسلامي الأعلى، وعلى الرغم من أن هذه الوسائل لم تذكر الأسباب التي استند إليها الرافضون للمشروع، فإن المتابع للسجال الدائر بالمجلس الوطني التأسيسي، ولا سيما مواقف المعارضة من العديد من القضايا يدرك بما لا يدع مجالا للشك، أن السبب الرئيس هو التقليص من الشأن الديني في الدستور الجديد، بل السعي إلى قطع رائحة الدين من هذا الدستور، وبذلك يمكن إفراغ الفصل الأول الذي حصل بشأنه الإجماع من محتواه بكل يسر وسهولة، وعندئذ تطبق العلمانية كما طبقت في عهدي بورقيبة، وبن علي، ولكن تحت غطاء الديمقراطية، وهو التوافق، أو الاحتكام إلى التصويت  عوضا عن أسلوب القسر، والإكراه الذي اعتمده بورقيبة و بن علي.
     ويبدو أن السير في هذا الاتجاه سيعيد البلاد إلى المربع الأول، و سيؤزم العلاقة بين الدين والدولة من جديد، وقد يدخل البلاد في صراع مرير لا قدر الله، نظرا لتغير الأوضاع، وتبدل الكثير من المعطيات.
      وهنا قد تطرح بعض الأسئلة وهي: لماذا يصر عدد من نواب المعارضة على استبعاد الدين، و كل ماله صلة مباشرة، أو غير مباشرة به ؟ 
     هل هو التعصب الإيديولوجي الذي كثيرا ما يعيق الإنسان عن إدراك الحقيقة، ويجعل صاحبه يعيش في أوهام المسرح كما يقول فرنسيس بايكو؟ أو أن هناك معطيات قد غابت عن هؤلاء المعارضين، فدفعتهم إلى اتخاذ مثل هذه المواقف؟
     إن من حسن خلق المسلم أن يحسن الظن بالناس، وبناء على ذلك أنزه السادة النواب عن التعصب الإيديولوجي، أما عدم معرفتهم بمعطيات هذه القضية، فقد يكون ذلك حاصلا، لأنه ليس من الضرورة أن يكون النائب على معرفة تامة ودقيقة بتاريخ بلاده، ولذا سنحاول أن نذكر السادة النواب المعارضين ببعض المعطيات التاريخية  لأن التاريخ صانع الضمير، والمستقبل لا يبنى إلا على الماضي، ومن هذه المعطيات:
1.    إن العامل الديني هو الذي حمى البلاد التونسية من الحملة الصليبية التي قادها لويس التاسع سنة 668هـ/1270م بتأييد من ملوك النصارى وبمباركة من البابا والتي استمر فيها الكفاح نحو ستة أشهر إلى أن فشا الوباء في الجيش الفرنسي فاضطر إلى الانسحاب، وفرض المستنصر بالله الحفصي شروطه على المنهزمين .
2.    إن العامل الديني هو الذي خلص السواحل التونسية كسوسة والمهدية وصفاقس من أيدي النرمان الذين دخلوها سنة 543هـ/1148م ولا سيما بعد أن وحدت الرابطة الدينية بين الشعب التونسي وبين الموحدين بقيادة عبد المؤمن بن علي فاطردوا النرمان  سنة 555هـ/1160م وبقيت تونس عربية مسلمة.
3.    إن العامل الديني هو الذي أنقذ البلاد التونسية من الاحتلال الأسباني، ولا سيما بعد أن وحدت الرابطة الدينية بين التونسيين والأتراك من أجل تخليص البلاد من الأسبان، وجورهم و عسفهم .
4.    إن العامل الديني هو الذي حمى الشعب التونسي من التمسيح، والفرنسة والتغريب منذ انتصاب الحماية إلى الاستقلال، وهذا العامل كان أكبر حافز على أن يقدم الشعب التونسي جحافل الشهداء من أجل الحفاظ على هويته العربية الإسلامية، ومقوماته الثقافية.
5.    إن العامل الديني هو الذي دفع آلاف المواطنين الأحرار إلى الوقوف ضد العلمنة والتغريب والدكتاتورية في عهدي بورقيبة وبن علي، وتحملوا في سبيل ذلك أفظع أنواع الاضطهاد من إعدام وتعذيب وسجن ونفي وتشريد .
6.    إن العامل الديني كان من أهم العوامل في نجاح الثورة المجيدة لاعتقاد الثائرين بأن من مات في سبيل الحرية هو شهيد، والشهداء مع الأنبياء خالدين في الفردوس.
     أليس بعد هذا كله أن يقف بعض نواب المعارضة ليستبعدوا الدين من مشروع الدستور ويضيفوا عليه صبغة علمانية ؟
     أليس من الأجدى أن نحافظ على هذا المقوم الرئيس الذي حمانا في كل الأزمات والخطوب في الماضي وسيظل كذلك في المستقبل ؟
     أليس من مصلحة البلاد والعباد أن يتفق النواب على المصالحة بين الشعب وهويته وأن يتجاوزوا الاستقطاب الخطير الذي يلوح في الأفق وبذلك يقع حل هذه المعضلة  حتى لا تكون مصدر قلق للأجيال القادمة ؟
     أليس من الأجدى أن يستفيد النواب من تجارب الدول الأخرى، ولا سيما تجربة روسيا وأوروبا الشرقية بعد انهيار الشيوعية حيث عمدوا إلى المصالحة بين الدين والدولة بعد أن كان الدين أفيون الشعوب، و أيضا تجربة العديد من بلدان أمريكا اللاتينية التي تحالف فيها اليسار مع رجال الدين الكاثوليك.
ثم تجارب النمور الآسيوية التي حققت نهضة مشهودة على مختلف الصعد من غير أن تتخلى عن مقوماتها الثقافية.
     أليس من الأحسن أن نفكر في الاستفادة من الدين في التنمية وفي التضامن الاجتماعي وفي نشر قيم الخير والفضيلة بدلا من استبعاده و تهميشه.
     وإلى جانب ذلك فإن دسترة المجلس الإسلامي الأعلى لها فوائد جمة تعود بالنفع العميم على الدولة والمجتمع ومن هذه الفوائد:
1.    إن دسترة المجلس الإسلامي من شأنه أن يعطي لهذه المؤسسة مكانة دستورية في هياكل الدولة فضلا عن المكانة الدينية و العلمية حتى تضع إستراتجية لنشر الفكر الديني الوسطي وتعيد التجانس العقدي والمذهبي بين أفراد المجتمع وتحقق ما يمكن أن نسميه بالأمن الديني.
2.    إن الدعوة إلى دسترة المجلس الإسلامي من شأنها أن تخرجه من الجمود والتهميش الذي فرضه بن علي ليضرب الإسلام السياسي و الرسمي على حد سواء ، وهو ما كان له أسوأ الأثر في الحياة الدينية في البلاد التونسية حيث تكشف بعد الثورة أن الوضع الديني في البلاد قد اتسم  بكثير من التوتر  والاضطراب، والاختلال ،ولذا لابد من مؤسسة دينية قوية قادرة على إخراج البلاد من هذه الفوضى الدينية العارمة .
3.    إن دسترة المجلس الإسلامي ليست بدعة حيث نجد مثل هذا المجلس في العديد من دساتير البلدان العربية والإسلامية، فقد نص الدستور الجزائري على المجلس الإسلامي الأعلى، وعلى مهامه، وتركيبته، وتبعيته، كما نص الدستور المغربي على المجلس العلمي الأعلى مبينا تركيبته وأهدافه ورئاسته حيث يرأسه الملك محمد السادس نفسه.
4.    إن دسترة المجلس الإسلامي ليس معناه أن يتحول إلى مجلس تنفيذي أو تشريعي، وإنما هو مجلس استشاري قد يمد النصح والمشورة إلى المؤسسات التشريعية في القوانين التي لهل علاقة بالإسلام عقيدة أو شريعة.
     وحصيلة الرأي أن السياسة التي تعتمد على تهميش الدين وإبعاده عن الحياة قد أثبت الواقع فشلها وتهافتها فضلا عن الآثار السلبية التي تحدثها، ولذلك لابد من المصالحة بين الشعب ومقوماته الثقافية ولا سيما الدين واللغة، حتى نتفرغ لمشاكل أخرى كالتنمية والتوازن الجهوي وغيرها وننخرط في الحداثة الحقيقية وليست الحداثة المزيفة .      
       د.سليمان الشواشي: أستاذ العقيدة وتاريخ الأديان بجامعة الزيتونة سابقا