السبت، 12 فبراير، 2011

هجرة العقول

كتب الدكتور خضير عباس النداوي دراسة جد مهمة تبرز خسارة العالم العربي الإسلامي بسب هجرة أبنائه إلى الدول الغربية و أمريكا  وكندا مبينا الأسباب التي تجعل الباحث و المفكر و العالم يفضل البقاء في البلد الذي درس فيه على أن يعود إلى موطنه ليفيد بخبرته و معارفه و قد بين العوامل الدافعة لهجرة العقول العربية و التي قد تكون دوافع ذاتية كما يمكن أن تكون موضوعية غير أن القول بأن عزوف العلماء لهذه الأسباب يحتاج لتأكيد ذلك إلى دراسة ميدانية موضوعية تلم بجميع الأسباب لأن الأسباب متداخلة و متشعبة و هذا النص الكامل للدراسة
      شهد العالم ومنذ أوائل القرن العشرين تطورات متسارعة في كافة مجالات الحياة العلمية والأدبية  وهكذا أصبحت النهايات مفتوحة لقنوات التطور العلمي تستوعب كل ما هو جديد ومبتكر، بل وتتطلع نحو الأفضل باستمرار، كما وتزداد شراهة  لجذب الكفاءات من العقول العلمية التي تتقدم بإمكانياتها الذهنية المتفردة على سلم التقدم المتوفر آنيا في شتى بلدان العالم. وبذلك أصبحت هجرة العقول ظاهرة عالمية جلبت انتباه الساسة والحكام ، والباحثين وصناع القرار واستطاعت بعض الدول – خاصة الدول الأوروبية في بادئ الأمر  ومن ثم الولايات المتحدة الأميركية وكندا – توظيف هذه الهجرة بما يخدم أهدافها الآنية  والمستقبلية ، مستفيدة من النبوغ الذهني المتطور لهؤلاء المهاجرين  بينما أغفلت العديد من الدول الأخرى –  لاسيما دول العالم  الثالث، ومنها الدول العربية – هذه الظاهرة، مما أدى إلى خسارتها الجسيمة لهؤلاء العلماء لا كمواطنين فحسب، بل الاستغناء عن خدماتهم وإمكانياتهم المتطورة التي باتت ضرورية ومؤكدة في ظل الحركة المتسارعة للتنمية والتي لا يمكن لأي بلد من بلدان العالم التغاضي عن أهميتها و بالذات في دول العالم العربي.
     ومما زاد من خطورة هجرة العقول أو الأدمغة العربية، كونها أصبحت من أهم العوامل المؤثرة على تطور الاقتصاد الوطني والتركيب الهيكلي للسكان والقوى البشرية في المجتمع العربي، وذلك بسبب تزايد أعداد المهاجرين من العلماء والمفكرين والاختصاصيين، وبالتالي حرمان الوطن العربي من الاستفادة من خبراتهم ومؤهلاتهم العلمية المختلفة، فضلا عن الخسائر المالية والاقتصادية التي تتحملها بلدانهم جراء استمرار هذه الظاهرة مما يتطلب دراستها و محاولة الوقوف عند أسبابها و دوافعها و تحديد مخاطرها و الاجتهاد في تقديم بعض المقترحات العملية للحد من تأثيراتها السلبية على المجتمع العربي.    
     تعني الهجرة من الناحية اللغوية، وبشكل عام: الخروج من بلد لآخر  ويسمى الشخص مهاجراَ عندما يهاجر ليعيش في ارض أخرى بفعل ظلم ظالم لا يعرف الرحمة، أو المغادرة إلى أرض ثانية  طلباً للأمن والعدل والعيش[1] أما عبارة (هجرة العقول أو الأدمغة) فقد ابتدعها البريطانيون لوصف خسارتهم  خلال السنوات الأخيرة من العلماء والمهندسين والأطباء بسبب الهجرة من بريطانيا إلى الخارج، خاصة الولايات المتحدة الأميركية إلا أن العبارة الآن أصبحت تطلق على جميع المهاجرين المدربين تدريباً عالياً  في بلدانهم الأصلية إلى بلدان أخرى[2] فيما اعتبرت منظمة اليونسكو أن ( هجرة العقول ) هي نوع شاذ من أنواع التبادل العلمي بين الدول يتسم بالتدفق في اتجاه واحد ( ناحية الدول المتقدمة ) أو ما يعرف بالنقل العكسي للتكنولوجيا، لان هجرة العقول هي فعلاً نقل مباشر لأهم عناصر الإنتاج و هو العنصر البشري[3]
     يقصد بهجرة العقول أو الكفاءات نزوح حملة الشهائد الجامعية العلمية والتقنية والفنية، كالأطباء، والعلماء  والمهندسين  والتكنولوجيين والباحثين، والممرضات الاختصاصيات، وكذلك الاختصاصيين في علوم الاقتصاد  والرياضيات والاجتماع وعلم النفس والتربية والتعليم والآداب والفنون والزراعة والكيمياء والجيولوجيا ويمكن أيضا أن يشمل هذا التحديد الفنانين والشعراء  والكتاب والمؤرخين  والسياسيين والمحامين وأصحاب المهارات والمواهب والمخترعين  وشتى الميادين الأخرى، أي أصحاب الكفاءات والمهارات الجامعية العلمية والتقنية[4]
      بدأت ظاهرة هجرة العقول العربية بشكل محدد منذ القرن التاسع عشر، وخاصة من سوريا ولبنان  والجزائر، حيث اتجهت هجرة الكفاءات العلمية السورية واللبنانية إلى فرنسا ودول أميركا اللاتينية، فيما اتجهت الهجرة من الجزائر إلى فرنسا. وفي بداية القرن العشرين ازدادت هذه الهجرة لاسيما خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية وفي السنوات الخمسين الأخيرة هاجر من الوطن العربي ما بين 25و50 % من حجم الكفاءات العربية. لذا فإن ظاهرة هجرة العقول  أصبحت من أهم العوامل المؤثرة على الاقتصاد العربي وعلى التركيب الهيكلي للسكان والقوى البشرية، واكتسبت هذه الظاهرة أهمية متزايدة عقب مضاعفة أعداد المهاجرين وخاصة من الكوادر العلمية المتخصصة، وانعكاسات ذلك على خطط التنمية العلمية و الاقتصادية و الاجتماعية في الوطن العربي. ولإدراك جانباً من أبعاد هذه الظاهرة  وتلمس بعضاً من تأثيراتها على واقع الدول العربية ومستقبل عملية التنمية فيها لابد من إيراد بعض من المعطيات الإحصائية المتاحة عنها طبقاً لإحصاءات جامعة الدول العربية، ومنظمة العمل العربية  ومنظمة اليونسكو، وبعض المنظمات العربية والدولية المهتمة بهذه الظاهرة و نبين ذلك كما يأتي:
- 1 يهاجر حوالي مائة ألف من أرباب المهن وعلى  رأسهم، العلماء، والمهندسين والأطباء والخبراء كل عام من ثمانية أقطار عربية هي لبنان، سوريا، العراق، الأردن، مصر، تونس  المغرب والجزائر. كما أن 70% من العلماء الذين يسافرون للدول الرأسمالية للتخصص لا يعودون إلى بلدانهم
- 2 منذ عام 1977 ولحد الآن هاجر أكثر من سبعمائة وخمسون ألف عالم عربي للولايات المتحدة الأمريكية.
- 3 إن 50% من الأطباء، و23% من المهندسين، و15% من العلماء من مجموع الكفاءات العربية يهاجرون إلى أرويا و الولايات المتحدة الأمريكية و كندا.
- 4 يساهم الوطن العربي في ثلث هجرة الكفاءات من البلدان النامية خاصة وأن 54% من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون إلى بلدانهم.
- 5 يشكل الأطباء العرب العاملون في بريطانيا نحو34% من مجموع الأطباء العاملين فيها .
- 6 تجتذب ثلاث دول غربية غنية هي : الولايات المتحدة الأميركية  وبريطانيا وكندا نحو 75% من العقول العربية المهاجرة[5]
          ثالثا: العوامل الدافعة لهجرة العقول العربية.
      بهدف معرفة أسباب هذه الظاهرة، وتحليل الدوافع الأساسية للعناصر المهاجرة من العلماء العرب بصورة علمية وموضوعية تبرز الحاجة إلى وجود ( دراسة ميدانية ) تعتمد الأسلوب العلمي المبرمج لدراسة هذه الظاهرة الخطيرة ، ولصعوبة القيام بمثل هذه الدراسة ، لأسباب موضوعية وذاتية ، متداخلة ومتشعبة ، منها ما يتعلق بالمهاجرين أنفسهم ومنها ما يرتبط بالدول التي استقروا فيها. إلا أن هذا المبرر، لا يعني كواقع حال، عدم معرفة الأسباب التي تدفع العلماء إلى الهجرة، حيث يمكن تحديد أهم هذه الدوافع كالأتي:
- 1 ضعف المردود المادي لأصحاب الكفاءات العلمية ، وانخفاض المستوى المعاشي لهم وعدم توفير الظروف المادية والاجتماعية التي تؤمن المستوى المناسب لهم للعيش في المجتمعات العربية.
- 2 وجود بعض القوانين والتشريعات والتعهدات و الكفالات المالية التي تربك أصحاب الخبرات ، فضلا عن البيروقراطية والفساد الإداري وتضييق الحريات على العقول العلمية المبدعة، والتي تبدأ من دخولهم البوابات الحدودية لدولهم وصولا لأصغر موظف استعلامات في الدوائر الرسمية، مما يولد لديهم ما يسمى بالشعور بالغبن.
- 3  عدم الاستقرار السياسي أو الاجتماعي والإشكاليات التي تعتري بعض تجارب الديمقراطية العربية ، والتي تؤدي في بعض الأحيان إلى شعور بعض أصحاب الخبرات بالغربة في أوطانهم ، أو تضطرهم إلى الهجرة سعياً وراء ظروف أكثر حرية وأكثر استقرارا.ً
- 4 سفر أعداد من الطلاب إلى الخارج، أما لأنهم موهوبون، بشكل غير اعتيادي ويمكنهم الحصول على منح دراسية أو لأنهم من عائلات غنية، والنتيجة يندفعون إلى التوافق مع أسلوب الحياة الأجنبية وطرقها حتى يستقروا في الدول التي درسوا فيها[6] إذ أن فرصة ( السفر ) هذه وفرت لهؤلاء الطلاب الإطلاع على تجارب المجتمعات الأخرى والتأثر بما موجود فيها من وسائل العيش، إضافة إلى توفر الجو العلمي المناسب بالمقارنة بين الحالة الموجودة في الدول العربية وبين ما موجود في الدول المتقدمة.
- 5 إن تكيف كثير من طالبي العلم مع الحياة في الدول الأجنبية، ومن ثم زواجهم من الأجنبيات، وبالتالي إنجابهم للأولاد، مما يضع المهاجر أمام الأمر الواقع فيما بعد، إذ يصعب عليه ترك زوجته وأولاده لاعتبارات عديدة منها  أن زوجته وأولاده قد لا يستطيعون العيش في بلده الأصلي، وهم غير مستعدين لمصاحبته، كما أن كثيرا من التشريعات التي تضع إمامه العراقيل في حالة رغبته العودة إلى البلد الأصلي  وعلى  سبيل المثال، عدم تعيين المواطنين المتزوجين بأجنبيات بمناصب عالية في بعض الدول العربية. وقد لا يستطيع توفير امتيازات لعائلته كتلك التي كانت متوفرة لديه سابقاً، ومع تقادم الأيام تنتهي لدى المهاجر فكرة العودة إلى الوطن الأصلي[7]
- 6 ويرى بعض الباحثين، بان من الأسباب الرئيسية، في بعض الدول العربية لهجرة العقول العربية، هو حالة الركود في تطور القوى المنتجة والذي وجد تعبيرا له في بقاء وسائل الإنتاج في الصناعة والزراعة وصيد الأسماك والرعي وغيرها دون تغيير، وحرمان سكان المجتمع من أبسط الخدمات الإنسانية، كتوفير مياه الشرب والكهرباء والرعاية الصحية[8] وبرزت هذه الحالة في الدول العربية الفقيرة (الغير النفطية) بصورة خاصة.
- 7 يعاني بعض العلماء من انعدام وجود اختصاص حسب مؤهلاتهم كعلماء الذرة وصناعات الصواريخ والفضاء ، ناهيك عن مشاكل عدم تقدير العلم والعلماء في بعض الدول وما أصدق  قول رو برت مكنمار مدير البنك الدولي السابق، والذي قال في هذا الصدد ( إن العقول تشبه القلوب بصفة عامة في أنها تذهب إلى حيث تلقى التقدير ) وكذلك العقبات الناتجة من عدم ثقة بعض الدول العربية، لما يحملون من أفكار جديدة، وتخلف النظم التربوية والبطالة العلمية التي يواجهونه، ومشاكل عدم معادلة الشهادات[9]
- 8 صعوبة أو انعدام القدرة على استيعاب أصحاب الكفاءات الذين يجدون أنفسهم أما عاطلين عن العمل أو لا يجدون عملا يناسب اختصاصاتهم العلمية في بلدانهم وعدم توفير التسهيلات المناسبة وعدم وجود المناخ الملائم لإمكانية البحث العلمي. ولعله من الطريف بمكان أن نذكر في هذا المجال نادرة قديمة خلاصتها : إن فيلسوفاً اقترف ذنباً، فعلم به سليمان الحكيم بذلك فطلبه للمحاكمة، وبعد نقاش، لفظ حكمه قائلاً ( سنحكم عليك حكماً أقوى من الموت )  فاطرق الفيلسوف متملكه العجب وسأل ما هو ؟؟ فأجاب الحكيم ( حكمنا عليك أن تقيم بين قوم يجهلون قدرك)[10]
      تشكل هذه الدوافع، غالبية الأسباب التي تؤدي إلى هجرة العقول  العربية، ولا نستبعد وجود دوافع أخرى، كحب المغامرة، والعقد الشخصية، أو غيرها  إلا أنها لا تأخذ صفة الشمولية  وهي في كل الحالات دوافع فردية، ولا تحتل الأهمية بحيث تضاف كدوافع إلى مجمل الدوافع السابقة للهجرة .
          رابعا: العوامل الجاذبة لهجرة العقول العربية
- 1 رغم وقوف الدول الغربية ضد هجرة مواطني الدول النامية إليها إلا إنها تتبنى سياسات مخططة ومدروسة بدقة لاجتذاب أصحاب الكفاءات والمهارات الخاصة من هذه الدول، وعلى سبيل المثال، أصدر الكونغرس  الأميركي قراراً بزيادة تصريحات الحصول على بطاقة الإقامة للخريجين الأجانب في مجالات التكنولوجيا المتطورة من (90 ) ألفا في السنة إلى ( 150 ) ألف ثم إلى ( 210 ) ألف خلال العام الماضي[11]
- 2 تهيئ الدول الرأسمالية المتقدمة المحيط العلمي الأكثر تقدماً والذي يحفز على مواصلة البحث والتطوير وزيادة الخبرات حيث أن ظروف العمل في البلدان المتقدمة وسيلة لتحقيق الطموحات العلمية بما توفره من فرص للبحث العلمي و وسائله المختلفة.
- 3 توفير الثروات المادية الضخمة التي تمكنها من تمويل فرص عمل هامة ومجزية مادياً وتشكل إغراء قويا للعقول العربية بما توفره من مستوى معاشي ممتاز وضمانات اجتماعية وخدماتها العديدة، فضلا عن توفر كل وسائل الاستهلاك و الرفاه المادي و تسهيلاته[12]
- 4 انخفاض نسبة العقول العلمية في الدول المتقدمة صناعياً بسبب انخفاض نسب الولادة وعدد المتخصصين في الفروع العلمية والتقنية مما يجعلها تبحث عن عقول وكفاءات أجنبية وتقدم لها الإغراءات المادية لملء هذا الفراغ، وبخاصة في السنوات الأخيرة، حيث وصلت غالبية الدول المتقدمة إلى مستوى دون النمو السكاني الصفري بينما يسير هذا المعدل في دول العالم الثالث، ومنها الدول العربية في الاتجاه المعاكس[13]
          خامسا: مخاطر هجرة العقول العربية:  
من البديهيات المعروفة، بان العناصر السكانية، أي عدد السكان وتلاحمهم القومي ومستواهم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والصحي  إلى جانب عدة عناصر أخرى كالعناصر الطبيعية والاقتصادية  تشكل عناصر قوة للدولة[14] ورغم مصداقية هذه البديهية، إلا أن واقع الحال، وكما ثبت بتجارب العالم، بأن هناك دور بارز ومؤثر لمدى التطور العلمي والتقني الذي وصله أي شعب، على قوة الدولة و بالتالي على دورها الإقليمي والدولي.
      صحيح أن التطور العلمي والتقني هو عملية دينامية  تعتمد في المقام الأول على الموارد المخصصة لها والأشخاص المتوفرين للعمل فيها والأساس التعليمي الذي يدعمها ، وأخيرا وليس أخرا التجديد[15] ولكن في الدول العربية ،  ورغم توفير الرأسمال النفطي لبعضها والذي لا يمكن لوحده أن يفعل شيئاً عجائبياً وإن أي فهم جاد لمتطلبات النمو الحضاري العربي المتكامل مع تاريخ الحضارة العربية نفسها يرجع إلى استيعاب ( دور العقل العربي) في صياغة الواقع المعاصر للحياة العربية  فمنذ عدة عصور تراجع العقل العربي وتسارعت الدورات الاقتصادية  لا على صعيد الإنتاج الصناعي و الزراعي والعلاقات العشائرية فحسب بل على صعيد التعامل مع العقل. ولدرجة إن الأرقام المتوفرة عن إعداد المهاجرين من العلماء العرب إلى الغرب، تشير طبقا لإحصاء أجرته منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة بان (حوالي100,000) من أرباب المهن وعلى رأسهم العلماء والمهندسين والأطباء والخبراء والطلاب يهاجرون من ثمانية أقطار عربية هي: لبنان ، سوريا، الأردن،  العراق ، مصر، تونس، المغرب، والجزائر  كما أن 70% من العلماء الذين يسافرون إلى الدول الغربية للتخصص لا يعودون إلى دولهم[16]  لذا فان المخاطر المترتبة على هجرة العقول العربية، ذات تأثيرات مركبة، كونها خسارة فادحة في ميادين عديدة أهمها:
- 1 تمثل هجرة العقول العربية استنزافاً لشريحة مؤثرة وفاعلة في المجتمع العربي، ولها دور بارز وبالذات في المرحلة الحالية حيث شرعت اغلب البلدان العربية، وبخاصة النفطية منها بتنفيذ خطط تنموية واسعة النطاق وهي بل شك بأمس الحاجة إلى الكفاءات العلمية والأيدي العاملة المدربة القادرة على النهوض بالأعباء الملقاة على عاتقها إلى مستوى الطموح.
- 2 تعتبر هجرة العقول العربية، خسارة في مجال التعليم في جميع مراحله  فمن المعلوم أن البلاد العربية تعد من أكثر المناطق في العالم (أمية).إذ يبلغ معدل الأمية في الوطن العربي حالياً نحو 49% ولا يزال هذا المعدل هو (الأعلى ) في العالم مقارنة بمعدل 30% في الدول النامية و1,4% في الدول المتقدمة ، ويعني المعدل الحالي وجود أكثر من ( 70) مليون أمي في الوطن العربي[17] ويشكل هذا الرقم أحد المعوقات الرئيسية أمام التنمية العربية في عصر تمثل فيه الكفاءات العلمية والتقنية والمعرفة المصدر الرئيسي للميزة النسبية و أساس التفوق و التنافس بين الأمم.
- 3 ومن المخاطر البالغة الأثر لهجرة العقول العربية ، تلك الخسائر المتأتية في هدر الأموال الطائلة على الطلبة الذين نالوا هذه الكفاءات المتقدمة، حيث تتحمل دولهم، سواء أكان الطالب يدرس على حسابه الخاص أم على حساب حكومته، فان راس المال المصروف يمثل خسارة للاقتصاد الوطني، ومما لا يقبل الجدل  أن قيمة العلماء والاختصاصيين تتجاوز كل حساب بالعملة، ولكن إذا ما تم حساب الخسارة بالدولار، فإن تعليم وتدريب العالم الواحد قدر بحدوده الدنيا بنحو ( 20,000) ألف دولار أميركي طبقاً لسعر أساس اتخذ عام 1972[18] ولو تم إضافة فروقات الأسعار الحاصلة في الأسواق العالمية للسنوات التالية لسنة سعر الأساس فربما تصبح التكلفة مضاعفة هذا الرقم لعدة مرات وعموماُ، قدرت دراسة حديثة الخسائر المادية العربية بسبب استمرار ظاهرة هجرة العقول العربية بنحو ( 1,57 )مليار دولار سنوياً[19] والاهم من ذلك جسامة الخسارة المتأتية عن فقدان الدور الخلاق المباشر في رفع المستوى الاقتصادي و الاجتماعي و الصحي في الوطن العربي من خلال إنتاجهم العلمية.
- 4  كما تؤدي هجرة العقول العربية إلى توسيع الهوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة ، لأن هجرة          الأدمغة إلى الدول المتقدمة تعطي هذه الدول فوائد كبيرة ذات مردود اقتصادي مباشر بينما تشكل بالمقابل خسارة صافية للبلدان التي نزح منها أولئك العلماء ، خاصة وإن التكنولوجيات والاختراعات المتطورة التي أبدعها أو أسهم في إبداعها أولئك العلماء المهاجرين تعتبر ملكا خاصا للدول  الجاذبة لهم[20]  وحرمان دولهم من الاستفادة من إبداعاتهم الفكرية و العلمية في مختلف المجالات.
- 5 تكرس هذه الظاهرة التبعية للبلدان المتقدمة وتأهيلها في اتجاهات خطط التنمية غير المدروسة، وتبرز مظاهر التبعية في هذا المجال بالاعتماد على التكنولوجيا المستوردة، والتبعية الثقافية والاندماج في سياسات تعليمية غير متوافقة مع خطط التنمية من خلال تفضيل (الكم) على (النوع) في هذا الميدان[21] ما يتسبب في اتساع المسافة بين مستويات تطور المجتمعات العربية بالمقارنة مع مجتمعات الدول المتقدمة.
- 6 كما تمثل هجرة العقول العربية ، اقتطاعا من حجم القوة العاملة الماهرة المتوفرة في الوطن العربي ، مما يؤدي إلى خسارته لقسما مهما من القوى المنتجة في مختلف الميادين ، وبالتالي زيادة التوتر في سوق القوى العاملة العالية المستوى، والذي يؤدي بدوره إلى التأثير على مستوى الأجور، فضلا عن اضطرار الدولة إلى استيراد الخبرات العلمية الأجنبية لتلافي النقص الحاصل جراء هجرة الكفاءات لديها.
          سادسا: الخاتمة و المقترحات.
       إن هذه المشكلة، أصبحت ظاهرة عامه، على مستوى الوطن العربي، ومعالجتها تحتاج إلى وقفة جادة  موضوعية وأفق شمولي يتلمس تعقيدات الواقع العربي، ويستهدف الإحاطة بكل تناقضاتها، ومن ثم وضع الحلول الناجحة المتعلقة بهذه الظاهرة كونها تعكس خطراً متواصل التأثير، وهو مرشح في ظل تأثيرات العولمة نحو التزايد. وعلى أهمية تحديد الدوافع المختلفة لهذه الظاهرة سواء أكانت السياسية أم الاقتصادية أم الاجتماعية أم الفكرية وغيرها، ألا أن العوامل الاقتصادية كانت ولا تزال، تحتل الأولوية في التأثير المباشر على العقول والكفاءات العربية، ولاسيما وأن الأشخاص الأكثر تأثرا بهذا العامل هم الأشخاص الأفضل إعداداً والأكثر كفاءة لتسيير أجهزة الإنتاج والتعليم والتدريس في الوطن العربي. مما يتطلب ايجاد سبل علمية لصيغ التعامل الإنساني والحضاري مع الكفاءات العلمية وبحرص  وطني، فضلاً عن محاولة وضع إستراتيجية عمل عربية تشارك فيها الحكومات العربية كافة ومؤسسات العمل العربي المشترك وتستهدف، على أقل تقدير، تقليل هجرة العقول العربية وإزالة قسماً من العقبات التي تواجهها ومن ثم معالجة المشاكل التي تعترض مسيرتها العلمية، عبر إجراءات عملية عديدة في مقدمتها:
- 1 اجراء مسح شامل لإعداد الكفاءات العربية المهاجرة بهدف التعرف على حجمها ومواقعها وميادين اختصاصها و ارتباطها و ظروف عملها.
- 2 صياغة سياسية عربية مركزية للقوى العاملة على أساس تكامل القوى العاملة العربية بحيث تمكن الدول العربية التي تواجه اختناقات في مجال القوى العاملة من التخلص من مواقعها، وتتيح للبلدان العربية الأخرى التي تواجه عجزا في هذا الميدان من سد العجز لديها.
- 3 وضع البرامج الوطنية لمواجهه هجرة العقول وإنشاء مراكز للبحوث التنموية والعلمية والتعاون مع الهيئات الدولية والإقليمية المعنية لإصدار الوثائق والأنظمة التي تنظم أوضاع المهاجرين من العلماء أصحاب الكفاءات.
- 4 حث الحكومات العربية على تكوين الجمعيات والروابط لاستيعاب أصحاب الكفاءات المهاجرة من بلدانهم وإزالة جميع العوائق التي تعيق ربطهم بأوطانهم ، ومنحهم الحوافز المادية وتسهيل إجراءات عودتهم إلى أوطانهم للمشاركة في عملية التنمية و التحديث.
- 5 الاستمرار بتنظيم مؤتمرات للمغتربين العرب، وطلب مساعداتهم والاستفادة من خبراتهم سواء في نقل التكنولوجيا أو المشاركة في تنفيذ المشروعات.
- 6 التعاون مع منظمة اليونسكو لإقامة مشروعات ومراكز علمية في البلدان العربية لاجتذاب العقول العربية المهاجرة للإشراف على هذه المراكز والإسهام المباشر في أعمالها وأنشطتها[22]
- 7 احترام الحريات الأكاديمية وصيانتها وعدم تسييس التعليم أو عسكرته  وهذا الموضوع له صله وطيدة باحترام حقوق الإنسان وخضوع الدولة والأفراد للقانون، وذلك بإعطاء أعضاء الهيئات الأكاديمية والعلمية حرية الوصول إلى مختلف علوم المعرفة والتطورات العلمية وتبادل المعلومات والأفكار والدراسات والبحوث والنتاج والتأليف والمحاضرات وفي استعمال مختلف وسائل التطور الحديثة ودون تعقيد أو حواجز وصولا لخير المجتمع الإنساني[23]
- 8 احترام الحريات الأكاديمية وصيانتها وعدم تسييس التعليم أو عسكرته  وهذا الموضوع له صله وطيدة باحترام حقوق الإنسان وخضوع الدولة والأفراد للقانون ، وذلك بإعطاء أعضاء الهيئات الأكاديمية والعلمية حرية الوصول إلى مختلف علوم المعرفة والتطورات العلمية وتبادل المعلومات والأفكار والدراسات والبحوث والنتاج والتأليف والمحاضرات وفي استعمال مختلف وسائل التطور الحديثة دون تهميش.
      في ضوء ما تقدم ، فان معضلة هجرة العقول العربية ، أضحت مشكلة مزمنة يعاني منها الوطن العربي لاسيما وأن ( المعرفة العلمية ) في دول العالم المتقدم اعتبرت كثروة وقوة ، وحددت أطر التعامل معها بقوانين شاملة في الإدارة والمالية وخضعت لإجراءات صارمة لحقوق الملكية[24] وتضيف هذه الإشكالية عبئاً جديداً لتداعيات وتأثيرات استمرار هجرة العقول العربية ، مما يتطلب من جهات صنع القرار العلمي والسياسي والاقتصادي في الوطن العربي أن تعمل ما بوسعها لتقليل تأثير هذه الظاهرة أخذين في الاعتبار أن هذه المعضلة مستمرة ويصعب إيقافها بقرار سياسي، ولكن قد يتم تقليل تأثيراتها بشكل تدريجي بتظافر جهود المؤسسات العلمية العربية سواءً أكان ذلك في المدى المنظور أم على الصعيد الاستراتيجي.
خضير عباس النداوي


د. منذر الفضل: إهدار الحريات الأكاديمية وهجرة العقول العربية، شبكة الإنترنت، موقع خليجية 2/6/2002،  [1]
 د. الياس زين: هجرة الأدمغة العربية المؤسسة العربية للدراسات و النشر بيروت 1972 ص 13[2]
 الاتحاد البرلماني العربي السنة22 العدد 1982 ديسمبر 2001[3]  
 د.الياس رزق المصدر السابق ص 13[4]
 الاتحاد البرلماني العربي مصدر سابق[5]
 فاطمة الزهراء فريجة: عوامل هجرة الكفاءات بالجزائر من بحوث ندوة هجرة الكفاءات العربية التي نظمتها الأكوا  [7]
 محمد جعفر زين المصدر السابق[8]
 المصدر السابق ص 96[9]
 المصدر السابق106[10]
 شبكة الأنترنت مجلة البلاغ[11]
 مجلة الاتحاد البرلماني العربي ص2[12]
 ليسترو ثرو مستقبل الرأسمالية  ترجمة فالح عبد القادر حلمي بيت الحكمة [13]
صباح محمود محمد: الأمن القومي العربي طبع مؤسسة دار الكتاب للطباعة و النشر بغداد 1980 ص 85 [14]
 زبينغو بريجنسكي: المصدر السابق ص 43[15]
 د.الياس زين مصدر سابق ص 7 [16]
التقرير الاقتصادي العربي الموحد. سبتمبر 2000 ص27
 الياس زين المصدر السابق ص7[18]
صحيفة البيان الإماراتية 10 أفريل 2002  [19]
 مجلة اتحاد البرلمانيين العرب ص3[20]
 محمد رياض الهجرة العلمية و استنزاف الكفاءات مجلة  النبأ عبر شبكة الانترنت في 9/3/1423هـ[21]
 مجلة اتحاد البرلمانيين العرب ص 4 [22]
 المصدر السابق ص 10[23]
 أنطوان زحلان: الطبيعة الشاملة للتحدي التقني مجلة العربي 1 جانفي 2001  ص57[24]

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق