السبت، 19 يناير 2013

رسالة محمد بن عبد الوهاب إلى علماء تونس



في أواخر القرن 18 بعث محمد بن عبد الوهاب (الذي تنسب إليه الطائفة الوهابية) إلى الأقطار مشرقا ومغربا رسالة دعوية لإتّباع الناس له والولاء له والتهديد من خالفه بالشرك واستباح قتله. يمكن اعتبار هذه الرسالة موجزا لكتابه "التوحيد الذي هو حق الله على العبيد".
رسالة بن عبد الوهاب كان لها صدى و شاعت فى القطر التونسي ممّا أضطّر حمودة باشا، باي تونس من 26 ماي 1782 إلى 15 سبتمبر 1814، أن يطلب من علماء عصره أن يوضِّحوا للنّاس الحقّ. كتب الردّ على هذه الرسالة عمر المحجوب، فقيه، قاضي الجماعة بتونس و إماما ثالثا بجامع الزّيتونة ( 1724 ـ 1807 م)
ردّ عمر المحجوب كان مفحما إلى درجة أن محمد بن عبد الوهاب لم يجب على هذه الرسالة الرسمية التي أرسلها له حمودة باشا باي تونس. ودليلا على عدم نزاهة الوهابيون نجد فى كتبهم التى توزع مجانا فى العالم كله وفى مواقعهم الكثيرة على الإنترنت نص رسالة محمد بن عبد الوهاب ولكن لا تجد أبدا ردّ عمر المحجوب!
نصّ الردّ للعلامة عمر المحجوب موجود بكتاب المؤرخ التونسي أحمد بن أبي الضياف : "إتحاف أهل الزمان في أخبار ملوك تونس وعهد الأمان" وبكتاب إبراهيم السمنودي : "سعادة الدارين في الردّ على الفرقتين الوهابية ومقلدة الظاهرية" ج 2 ص 181ـ192 وقد وسمها بالرسالة الرحمانية
فيما يلي نص ردّ عمر المحجوب على رسالة محمد بن عبد الوهاب ويتبعها نص رسالة عبد الوهاب.
ردّ عمر المحجوب علي رسالة محمد عبد الوهاب :
"{ربنا افتَحْ بيننا وبينَ قومِنا بالحَقِّ وأنتَ خيرُ الفاتحين} [سورة الأعراف/89]، {ربنا لا تجعلنا فتنةً للقومِ الظالمين* ونجِّنا برحمتِكَ من القومِ الكافرين} [سورة يونس/85-86]، {يا أيُّها الذينَ ءامنوا عليكُم أنفُسَكُم لا يضُرُّكُم من ضَلَّ إذا اهتَدَيتُم إلى الله مرجِعُكُم جميعًا فيُنَبِّئُكم بما كنتم تعملون} [سورة المائدة/105]، {يا أيُّها الذينَ ءامنوا لا تُحِلُّوا شعائرَ اللهِ ولا الشهرَ الحرامَ ولا الهَدْيَ ولا القلائِدَ ولا ءامِّينَ البيتَ الحرامَ يبتغونَ فضلاً مِن ربِّهم ورِضوانًا وإذا حَلَلْتُم فاصطادوا ولا يَجْرِمَنَّكُم شَنَئَانُ قومٍ أن صَدُّوكُمْ عنِ المسجدِ الحرامِ أن تعتدوا وتعاونوا على البِرِّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثمِ والعُدوان} [سورة المائدة/2].
أما بعد هذه الفاتحة التي طلعت في سماء المفاتحة، فإنك راسلتنا تزعمُ أنك القائم بنصرة الدين، وأنك تدعو على بصيرة لما دعا إليه سيد الأولين والآخرين، وتحثُّ على الاقتفاء والاتباع، وتنهى عن الفرقة والابتداع، وأشرت في كتابك إلى النهي عن الفرقة واختلاف العباد، فاصبحت كما قال الله تعالى: {ومِنَ الناسِ مَن يُعجبُكَ قولُهُ في الحياةِ الدنيا ويُشهِدَ اللهَ على ما في قلبهِ وهوَ ألدُّ الخِصام* وإذا تولَّى سعى في الارضِ ليُفسِدَ فيها ويُهلِكَ الحرْثَ والنسلَ واللهُ لا يحبُّ الفساد} [سورة البقرة/204-205].
وقد زعمت أن الناس قد ابتدعوا في الإسلام أمورًا، وأشركوا بالله من الأموات جمهورًا في توسلهم بمشاهد الأولياء عند الأزمات، وتشفعهم بهم في قضاء الحاجات، ونذر النذور إليهم والقربات، وغير ذلك من أنواع العبادات، وأن ذلك كله إشراك برب الأرضين والسموات، وكفر قد استحللتم به القتال وانتهاك الحرمات، ولعمر الله إنك قد ضللت وأضللت، وركبت مراكب الطغيان بما استحللت، وشنّعت وهوّلت، وعلى تكفير السلف والخلف عوَّلت، وها نحن نحاكمك إلى كتاب الله المحكم، وإلى السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أما ما أقدمت عليه من قتال أهل الإسلام، وإخافة أهل البلد الحرام، والتسلط على المعتصمين بكلمتي الشهادة، وأدمتم إضرام الحرب بين المسلمين وإيقاده، فقد اشتريتم في ذلك حُطام الدنيا بالآخرة، ووقعتم بذلك في الكبائر المتكاثرة، وفرقتم كلمة المسلمين، وخلعتم من أعناقكم ربقة الطاعة والدين، وقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيَّنوا ولا تقُولوا لمن ألقى إليكم السلامَ لستَ مؤمنًا تَبْتَغونَ عَرَضَ الحياةِ الدُّنيا فعِندَ اللهِ مغانِمُ كثيرةٌ} [سورة النساء/94]، وقال عليه الصلاة والسلام: "أُمرتُ أنا أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" –أي ومحمد رسول الله- "فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله" [10].
وحيث كنت لكتاب الله معتمدًا [11]، ولعماد سنته مستندًا [12]، فكيف بعد هذا –ويحك- تستحلُّ دماء أقوام بهذه الكلمة ناطقون، وبرسالة النبي صلى الله عليه وسلم مصدقون، ولدعائم الإسلام يُقيمون، ولحوزة الإسلام يحمون، وبعبدة الأصنام يقاتلون، وعلى التوحيد يناضلون، وكيف قذفتم أنفسكم في مهواة الإلحاد، ووقعتم في شق العصا والسعي في الأرض بالفساد؟.
وأما ما تأوَّلته من تكفيرهم بزيارة الأولياء والصالحين، وجعلهم وسائط بينهم وبين رب العالمين، وزعمت أن ذلك شنشنةُ الجاهلية الماضين، فنقول لكم في جوابه: معاذ الله أن يعبد مسلم تلك المشاهد، وأن يأتي إليها معظمًا تعظيم العابد، وأن يخضع لها خضوع الجاهلية للأصنام، وأن يعبدها بسجود أو ركوع أو صيام، ولو وقع ذلك من جاهل لانتهض إليه ولاة الامر والعظماء، وأنكره العارفون والعلماء، وأوضحوا للجاهل المنهج القويم، وهدوء الصراط المستقيم.
وأما ما جنحت إليه وعوَّلت في التفكير عليه، من التوجه إلى الموتى وسؤالهم النصر على العدى، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، التي لا يقدر عليها إلا رب الأرضين والسموات، إلى ءاخر ما ذكرتم، موقدًا به نيران الفرقة والشتات، فقد أخطأت فيه خطأ مبينًا، وابتغيت فيه غير الإسلام دينًا، فإن التوسل بالمخلوق مشروع، ووارد في السنة القويمة ليس بمحظور ولا ممنوع، ومشارعُ الحديث الشريف بذلك مفعمة، وأدلته كثيرة محكمة، تضيق المهارق عن استقصائها، ويكلُّ اليراع إذا كُلف بإحصائها، ويكفي منها توسل الصحابة والتابعين، في خلافة عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، واستقساؤهم عام الرمادة بالعباس، واستدفاعُهم به الجدب والبأس، وذلك أن الارض أجدبت في زمن عمر رضي الله عنه، وكانت الريح تذرو ترابًا كالرماد لشدة الجدب، فسميت عام الرمادة لذلك، فخرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالعباس بن عبد المطلب يستسقي للناس، فأخذ بضبْعَيْهِ وأشخصه قائمًا بين يديه وقال: اللهم إنّا نتقرب إليك بعم نبيك، فإنك تقول وقولك الحق: {وأمَّا الجِدارُ فكانَ لغُلامَينِ يتيمَيْنِ في المدينةِ وكانَ تحتهُ كنزٌ لهُما وكانَ أبوهُما صالحًا} [سورة الكهف/82]، فحفظتهما لصلاح أبيهما، فاحفظ اللهم نبيك في عمه فقد دنونا به إليك مستغفرين ثم أقبل على الناس وقال: استغفروا ربكم إنه كان غفارًا، والعباس عيناه تنضحان يقول: اللهم أنت الراعي لا تُهمِلِ الضالةَ ولا تدعِ الكسير بدار مَضْيَعة، فقد ضرع الصغير ورقّ الكبير وارتفعت الشكوى، وأنت تعلم السر وأخفى، اللهم فأغثهم بغياثكَ قبل أن يقنطوا فيهلكوا، إنه لا يبأس من رَوْحك إلا القوم الكافرون، اللهم فأغثهم بغياثك فقد تقرَّب القومُ إليك بمكانتي من نبيك عليه السلام، فنشأت سحابة ثم تراكمت، وماسَتْ فيها ريح ثم هزّت، ودرَّت بغيثٍ واكفٍ، وعاد الناس يتمسحون بردائه ويقولون له: هنيئًا لك ساقيَ الحرمين [13].
فأخبرني –يا أخ العرب- هل تكفّر بهذا التوسل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، وتكفر معه سائر من حضر من الصحابة والتابعين، لكونهم جعلوا بينهم وبين الله واسطة من الناس، وتشفّعوا إليه بالعباس، وهل أشركوا بهذا الصنيع مع الله غيره، وما منهم إلا من أنهضته للدين القويم غيرة. كلا والله، وأقسم بالله وتالله، بل مكفّرهم هو الكافر، والحائد عن سبيلهم هو المنافق الفاجر، وهم أهدى سبيلاً، وأقوم قيلاً، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "اقتدوا بمن بعدي: أبي بكر وعمر" [14].
وإذا قدحت في هذا الجمع من الصحابة الذين منهم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وغيرهما فمن أين وصل لك هذا الدين، و[من] رواه لك مبلغًا عن سيد المرسلين؟ ثم ما تصنع يا هذا في الحديث الآخر الذي رواه مسلم [15] في صحيحه مرفوعًا للنبي صلى الله عليه وسلم في أويس، وأنه أخبر به عليه الصلاة والسلام وهو من أعلام النبوءة، وأمر عمر بطلب الاستغفار منه، وأنه طلب منه ذلك واستغفر له، وقد قال الله تعالى عن إخوة يوسف عليه السلام: {يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنَّا كُنَّا خاطِئين} [سورة يوسف/97].
فالزائر للأولياء والصالحين إما أن يدعو الله لحاجته، ويتوسل بسرّ ذلك الولي في إنجاح بُغيته، كفعل عمر في الاستسقاء، أو يستمدَّ من المزور الشفاعة له وإمداده بالدعاء كما في حديث أويس القرني، إذ الأولياء والعلماء كالشهداء أحياء في قبورهم [16]، إنما انتقلوا من دار الفناء إلى دار البقاء.
فأيُّ حرج بعد هذا يا أيها القائم للدين، في زيارة الأولياء والصالحين؟ وأي منكر تقوم بتغييره، وتقتحم شقّ العصا وإضرام سعيره؟ ولعلك من المبتدعة الذين ينكرون أنواعًا كثيرة من الشفاعة، ولا يثبتونها إلا لأهل الطاعة، كما أنه يلوح من كتابك إنكار كرامات الأولياء، وعدم نفع الدعاء، وكلها عقائد عن السنة زائغة، وعن الطريق المستقيم رائغة.
وقولكم إن ما قلتموه لا يخالف فيه أحد من المسلمين، افتراء ومَيْن، وإلحاد في الدين، لأن أهل السنة والجماعة يثبتون لغير الأنبياء الشفاعة، كالعلماء والصلحاء وءاحاد المؤمنين، فمنهم من يشفع للقبيلة ومنه من يشفع للفئام من الناس كما ورد أيضًا أن أويسًا القرني يشفع في مثل ربيعة ومضر [17].
وأما المعتزلة فإنهم منعوا شفاعة غير النبي صلى الله عليه وسلم وأثبتوا الشفاعة العظمى من هول الموقف، والشفاعة للمؤمنين المطيعين أو التائبين في رفع الدرجات، ولم يثبتوا الشفاعة لأهل الكبائر الذين لن يتوبوا في النجاة من النار بناء على مذهبهم الفاسد من التكفير بالذنوب، وأنه يجب عليها التعذيب.
وأما ما جنحت إليه من هدم ما بُنيَ على مشاهد الأولياء من القباب، من غير تفرقة بين العامر والخراب، فهي الداهية الدهياء والعظيمة العظمى من الظلم التي أظلك الله فيها على علم: {ومَنْ أظلمُ مِمَّن منَعَ مساجِدَ اللهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُهُ وسعى في خرابِها أولئِكَ ما كانَ لهم أن يدخُلوها إلا خائِفينَ لهُمْ في الدنيا خِزْيٌ ولهُم في الآخرةِ عذابٌ عظيمٌ} [سورة البقرة/114]. وكأنك سمعت في بعض المحاضر بعض الأحاديث الواردة في النهي عن البناء على المقابر، فتلقَّفْته مجملاً من غير بيان، وأخذته جُزافًا من غير مكيال ولا ميزان، وجعلت ذلك وليجةً إلى ما تقلدته من العسف والطغيان، في هدم ما على قبور الأولياء والعلماء من البنيان. ولو فاوضت الأئمة، واستهديت هداة الأمة، الذين خاضوا من الشريعة لُججها، واقتحموا ثَبَجها، وعالجوا غِمارها، وركبوا تيارها، لأخبروك أن محلّ ذلك الزجر، ومطلع ذلك الفجر، في البناء في مقابر المسلمين المعدّة لدفن عامّتهم لا على التعيين، لِما فيه من التحجير على بقية المستحقين، ونبش عظام المسلمين.
وأما ما يبنيه المسلمون في أملاكهم المملوكة لهم، ليصلوا بمن يُدفن هناك حبلهم، فلا حرج يلحقهم، ولا حرمة ترهقهم. فكما لا تحجير عليهم في بناء أملاكهم دُورًا أو حوانيت أو مساجد، كذلك لا حرج عليهم في جعلها قبابًا أو مقامات أو مشاهد.
ثم ليتك إذ تلقفت ذلك منهم، ووعيته عنهم، أن تعيد عليهم السؤال، وتشرح لهم نازلة الحال، وهل يجوز بعد النزول والوقوع، هدم ما بُني على الوجه الممنوع، وهل هذا التخريب محظور أو مشروع. فإذا أجابوك أنه من معارك الانظار، ومحل اختلاف العلماء والنُّظار، وأن منهم من يقول بإبقائه على حاله، رعيا للحائز في إتلاف ماله، وأن له شبهة في الجملة تحميه، وفي ذلك البناء منفعة للزائر تقيه. ومنهم من شدد النكير، وأبى إلا الهدم والتغيير.
فإذا تحقق عندك هذا، فكيف تقدم هذا الإقدام وتخوض مزالق الأقدام، وتطلق العنان في هدم كل مقام، من غير مراعاة في الدين ولا ذمام. فإذا انفتحت لك هذه الأبواب، نظرت بنظر ءاخر ليس فيه ارتياب، وهو أن المنكر الذي اقتضى نظرُك تغييره، ليس متفقًا عليه عند أهل البصيرة، وأنه من مدارك الاجتهاد، وقد سقط عنك القيام فيه والانتقاد.
ثم بعد الوصول إلى هذا المقام، أعد نظرًا في إيقاد نار الحرب بين أهل الإسلام، واستباحة المسجد الحرام، وإخافة أهل الحرمين الشريفين، والاستهوان لإصابة لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فسيتضح لك أنك غيَّرت المنكر في زعمك، ويحسب اعتقادك وفهمك، وأتيت بجمل كثيرة من المناكر، وطائفة عديدة من الكبائر، ءاذيت بها نفسك والمسلمين، وابتغيت بها غير سبيل المؤمنين، وتعرضت بها لإذاية الأولياء والصالحين، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث رواه البخاري [18] والإمام، قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل قال من عادى لي وليًّا فقد ءاذنني بحرب"، فكفى بالتعرض لحرب الله خطرًا، وقذفًا في العطب وضررًا.
وأما إنكار زيارة القبور، فأي حرج فيها أو محظور، وأي ذميمة تطرقها أو تعروها، مع ثبوت حديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" [19]، فإن هذا الحديث ناسخ لما ورد من النهي عن زيارتها، وماحٍ لما في أول الإسلام من حماية الأمة من أسباب ضلالتها، لقرب عهدها بجاهليتها، وعبادة أصنامها وءالهتها. وكيف تمنع من زيارتها والنبي صلى الله عليه وسلم قد شرعها، وسامَ رياضها وأربعها، فقد ثبت في حديث عائشة أم المؤمنين أنه صلى الله عليه وسلم زار بقيع الغرقد واستغفر فيه لموتى المسلمين [20]، وثبت أيضًا أنه زار قبر أمه ءامنة بنت وهب [21] واستغفر بها [22].
وأخذ بذلك الصحابة والتابعون، ودرج عليه العلماء والسلف الماضون، فقد ثبت في الاحاديث المروية عن أئمة الهدى ونجوم الاقتداء، أن فاطمة سيدة نساء العالمين زارت عمها سيد الشهداء، وذهبت من المدينة إلى جبل أحد، ولم ينكر من الصحابة أحد، وهم إذ ذاك بالمدينة متآمرون، وعلى إقامة الدين متناصرون. أفنجعل هؤلاء أيضًا مبتدعين، وأنهم سكتوا عن الابتداع في الدين؟ كلا والله، بل يجب علينا اتباعهم، ومن أدلة الشريعة إجماعهم.
وقد مضت على ذلك العلماء في جميع الاقطار، وانتدبوا بأنفسهم للاستمداد من قبور الصلحاء وقضاء الأوطار، و[دونوا] [23] ذلك في كتبهم ومؤلفاتهم، وسطروه في دواوينهم وتعليقاتهم، وقسموا الزيارة إلى أقسام، وأوضحوا ما تلخص لديهم بالأدلة الشرعية من الأحكام.
وذلك أن الزيارة إن كانت للاتعاظ والاعتبار، فلا فرق في جوازها بين قبور المسلمين والكفار، وإن كانت للترحم والاستغفار من الزائر، فلا منع فيها إلا في حق الكافر، فإن الشريعة أخبرت بعدم غفران كفره وعليه حملوا قوله تعالى: {ولا تُصَلِّ على أحدٍ منهُم ماتَ أبدًا ولا تَقُمْ على قبرهِ} [سورة التوبة/84]. وإن كانت الزيارة لاستمداد الزائر من المزور، وتوخي المكان الذي فضله مشهور، والدعاء عند قبره لامر من الأمور، فلا حرج فيها ولا محظور، بل هو مندوب إليه، ومرغّب فيه، وإنه مما تشد المطي إليه، ومن خالف في هذا الحكم سبيل جمهورهم، واتبع من الشبهات مخالف منشورهم، فقد شدد العلماء في النكير عليه، وسددوا سهام النقد إليه، وأشرعوا نحوه رماح التضليل، وأرهفوا له سيوف التجهيل، واتفقت كلمتهم على بدعته في الاعتقاد، وثنوا إليه عنان الانتقاد، ومن يُضلل الله فما له من هاد.
وأما النهي [24] الوارد في شد المطي لغير المساجد الثلاثة فإنما هو بالنسبة لنذر الصلاة فيها، فإنه لا يختلف ثواب الصلاة لديها [25].
وأما المزارات فتختلف في التصريف مقاماتها، وتتفاوت في ذلك كراماتها، وذلك لسرّ في الاستمداد والأمداد لا تطلع عليه، وضُرب بسور له باب بينك وبين الوصول إليه، وقد اوضح ذلك حجة الإسلام، ومن شهد له بالصديقية العلماء والاولياء العظام.
وأما ادماجكم لقبور الأنبياء في أثناء النكير، والتضليل لزائرها والتكفير، فهو الذي أحفظ عليكم الصدور، وأترع حياض الكراهة والنفور، وسدد إليكم سهام الاعتراض، وأوقد شُواظ بغض والارتماض.
فقل لي –يا أخا العرب- هل قمت لنصرة الدين أن لنقض عراه، وهل أنت مصدق بالوحي لنبيه أن قائل: إن هو إلا إفك افتراه؟ وما تصنع بعد اللتيَّا والتي، في حديث "من زار قبري وجبت له شفاعتي" [26]؟ وأخبرني هل تضلل سليمان بن داود في بنائه على قبر الخليل ومن معه من أنبياء بني إسرائي؟ وما تقول –ويحك- في الحديث الذي رواه جهابذة الرواة، وصححه المحدثون الثقات، وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لما أسري بي إلى بيت المقدس، مرّ بي جبريل على قبر إبراهيم عليهما السلام، فقال لي انزل فصلّ هنا ركعتين، فإن ههنا قبر أبيك إبراهيم عليه السلام" [27]. وعنه صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر أنه قال: "من لم تُمكنْه زيارتي فليزُر قبر إبراهيم الخليل عليه السلام" [28]. فأين تذهب بعد هذا يا هذا؟ وهل تجد لنفسك مدخلاً أو معاذًا؟ وهل أبقيت بعد تضليل جميع الأنبياء ملاذًا؟ {ربنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذْ هَدَيْتنا وهبْ لنا من لدُنكَ رحمةً إنكَ أنتَ الوهاب} [سورة ءال عمران/8].
وأما تلميحكم للأحاديث التي تتلقفونها، ولا تحسنونها ولا تعرفونها، فهِمْتُم بسبب ذلك في أودية الضلالة، ولم تشيموا بها إلا بُرُوق الجهالة، وسلكتم شِعابها من غير خبير، ونحوتم أبوابها بلا تدبرر ولا تدبير، فإن حديث: "لا تتخذوا قبري مسجدًا" [29]، محمله عند البخاري على جعله للصلاة متعبدًا، حفظًا للتوحيد، وحماية للجاهل من العبيد، لأن المصلي للقبلة يصير كأنه مصلٍّ إليه [30]، فحمى صلى الله عليه وسلم حمى ذلك من الوقوع فيه. وأما قصده للزيارة والاستشفاع والاستمداد ببركته والانتفاع، وقصد المسلمين إياه من سائر البقاع، فما يسعنا إلا الاتباع.
وكذلك ما لوَّحْتَ به إلى شدّ الرحال، فإنك أخطأت في الاستشهاد به في نازلة الحال، وذلك أن الحصر في المساجد، دون سائر المشاهد.
وكذلك ما لمحت إليه من حديث تعظيم القبر بإسراجه، فإنك أخطأت فيه واضح منهاجه، مع بهرجة نقده في رواجه، ومحمله –على فرض صحته- على فعل ذلك للتعظيم المجرد عن الانتفاع للزائرين، أما إذا كان القصد به انتفاع اللائذين والمقيمين، فهو جائز بلا مَيْن.
وأما ما تدَّعونه من ذبح الذبائح والنذور، وتبالغون في شأنها التغيير والتنكير، وتصف ألسنتكم الكذب، وتثيرون في شأنها الهرج والشغب، فكون الذبائح المذكورة مما أهِلَّ به لغير الله مكابرةٌ لليعان، وقذفٌ بالإفك والبهتان، فإنا بلونا أحوال أولئك الناذرين، فلم نر أحدًا منهم يسمي عند ذبحها اسم ولي من الصالحين، ولا يلطخ الضرائح، بدم تلك الذبائح، ولا يأتون بفعل من الأفعال، الحاكمة على تحريم الذبيحة والإهلال.
وأما نذرها لتلكم المزارات، فليس على أنها من باب الديانات، ولا أن من لم يفعل ذلك يكون ناقص الدين في العادات، وإنما يقصدون بذلك مقاصد الرُّقى والنشر [31]، والانتفاع في الدنيا بسر في التصدق بها استتر، ولم يدر منها إلا ما اشتهر.
والواجب علينا وعليكم الرجوع في حكم نذرها إلى العلماء الأعلام، المتضلعين من دراية الاحكام، المقيمين لقسطاسها، المسرجين لنبراسها، الناقبين على أساسها، ومن لديهم محك عسجدها ونحاسها.
فإن كنتم تقيمون، ومن مخالفة الشريعة تتجرمون {فسْئَلوا أهلَ الذِّكرِ إن كنتم لا تعلمون} [سورة النحل/43]، {ولا تَقْعُدوا بكُلِّ صِراطٍ تُعدون} [سورة الأعراف/86]، فإنهم يهدونكم السبيل، ويفتونكم في هذه المسألة بالتفصيل، وأن هذا الناذر إن نذر تلك الذبائح للولي المعيّن بلفظ الهدي والبدنة، فقد جاء بالسيئة مكان الحسنة، ولكن ما رأينا من خلعَ في هذا المحظور رسَنَه، ولا من اهتصَرَ فَتَنه، وإن نذر تلك الذبائح لمحل الزيارة، بغير هاته العبارة، وكان من الذبائح التي تقبل أن تكون هديًا، فهل يلزمه أن يسعى به لذلك المزار سعيًا، أو لا يلزمه إلا التصدق به في موضعه رعيًا، خلاف في مذهب مالك شهير، قرره النحارير.
وإن كان ذلك النذر مما لا يصح إهداؤه، فالقاصد للفقراء الملازمين بمحل الشيخ يلزمه بعثه وإنهاؤه، والقاصد للولي في نذره وتشرعه، لا يلزمه إلا التصدق به في موضعه.
وإذا اتضح لديك الحال، فأي داعية للحرب والقتال؟ وهل يتميز المشروع من هذه الصور بالمحظور، إلا بالنيات التي لا يعلمها إلا العالم بما في الصدور؟ والله إنما كلفنا بالظاهر، ووكل إليه أمر السرائر. ولم يقيّض بالخواطر نقيبًا، ولا جعل عليها مهيمنًا من الولاة ولا رقيبًا.
وإذا التزمت سدَّ الذريعة بالمنع من المشروع، خوفًا من الوقوع في الممنوع، فالتزم هذا الالتزام، في سائر العبادات الواقعة في الإسلام، التي لا تفرقة فيها بين المسلم والكافر، إلا بما انطوت عليه الضمائر. فإن المصلي في المسجد يحتمل أن يقصد عبادة الحجارة، بمثل ما احتمل صاحب الذبائح والزيارة، والصائم يحتمل أن يقصد بصومه تصحيح المزاج، أو المداواة والعلاج، والمزكي يحتمل أن يقصد مقصدًا دنيويًا، أو معبودًا جاهليًا، والمُحرِم بحج أو عمرة، يحتمل أن ينوي ما يوجب كفره.
وإذا وصلت إلى هذا الالتزام، نقضت سائر دعائم الإسلام، والتبس أهل الكفر بأهل الإيمان، وأفضى الحال إلى هدم جميع الأركان، واستبيحت دماء جميع المسلمين، وهدمت صلواتهم ومساجدهم وصوامعهم أجمعين.
فانظر أيها الإنسان، ما هذا الهذيان، وكيف لعب بك الشيطان، وماذا أوقعك فيه من الخسران. فارجع عن هذا الضلال المبين، وقل ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين.
وأما ما جلبتم من الاحاديث الواردة في تغيير النبي صلى الله عليه وسلم للقبور، وأنه أمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بطمسها وتسويتها، فقد أخطأتم الطريق في فهمها، ولم يأتِكم نبأ علمها، ولو سألتم عن ذلك ذويه، لأخبروكم بأن محمله طمس ما كانت الجاهلية عليه، وكانت عادتهم إذا مات عظيم من عظمائهم، بنوا على قبره بناء كأُطُمٍ من ءاطامهم، مباهاة وفخرًا، وتعاظمًا وكبرًا، فبعث صلى الله عليه وسلم من يمحو من الجاهلية ءاثارها، ويطمس مباهاتها وفخارها، وإلا فلو كان كما ذكرتم، لكان حكم التسنيم [32] كحكم ما أنكرتم.
وإذا استبان لكم واتضح لديكم، انقلبت الحجة التي أتيتم بها عليكم، وكيف تجعلون تلك الأحاديث حجة قاضية على وجوب كون القبور ضاحية [33]، والفرق ظاهر بين البناء على القبور، وحفر القبور تحت البناء، فالأول من فعل الجاهلية الوارد فيه ما ورد، والثاني هو الذي يعوزكم فيه المستند، ولا يوافقكم على تعميم النهي أحد.
وأما ما نزعتم إليه من التهديد، وقرعتم فيه بآيات الحديد، وذكرتم "أن من لم يُجِب بالحجة والبيان، دعوناه بالسيف والسنان"، فاعلم يا هذا أننا لسنا ممن يعبد الله على حرف، ولا ممن يفرُّ عن نصرة دينه من الزحف، ولا ممن يظن بربه الظنون، أو يتزحزح عن الوثوق بقوله تعالى: {فإذا جاءَ أجلُهُم لا يَسْتأخِرونَ ساعةً ولا يستقدِمون} [سورة الأعراف/34]، ولا ممن يميل عن الاعتصام بالله سرًا وعلنًا، أو يشك في قوله تعالى: {قُل لن يُصيبَنا إلا ما كتبَ اللهُ لنا} [سورة التوبة/51]، وما بنا من وهن ولا فشل، ولا ضعف في النكاية ولا كسل، ننتصر للدين ونحمي حماه، وما النصر إلا من عند الله.
وأما ما جال في نفوسكم، ودار في رؤوسكم، وامتدت إليه يد الطمع، وسوَّلته الأماني والخدع، من أنكم من الفئة الذين هم ومن حالفهم لا يضرهم من خالفهم، وأنكم من الطائفة الظاهرين على الحق، وأن هذه المناقب تساق إليكم وتَحقُّ، فكلا وحاشا أن يكون لكم في هذه المناقب من نصيب، أو يصير لكم إرثها بفرض أو تعصيب، فإن هذا الحديث وإن كان واردًا صحيحًا [34]، إلا أنكم لم تُوفُّوا طريقه تنقيحًا، فإن في بعض رواياته "وهم بالمغرب" [35] وهي تحجبكم عن هذه المناقب، وتبعدكم عنها بعد المشارق من المغارب.
فانفض يديك مما ليس إليك، ولا تمدَّنَّ عينيك إلى من حرِّمت عليك، فإنكاح الثريا من سهيل، أمكن من هذا المستحيل.
أما أهل هذه الأصقاع والذين بأيديهم مقاليد هذه البقاع، فهم أجدر أن يكونوا من إخواننا، وتمتدُّ أيديهم إلى خِوانها، لصحة عقائدهم السنية، واتباعهم سبيل الشريعة المحمدية، ونبذهم للابتداع في الدين، وانقيادهم للإجماع وسبيل المؤمنين.
وقد أنبأتنا في هذا الكتاب، وأعربت في طيّ الخطاب، عن عقائد المبتدعة، الزائغين عن السنة المتبعة، الراكبين مراكب الاعتساف، الراغبين عن جمع الكلمة والائتلاف، فالنصيحة النصيحة، أن تنزع لباس العقائد الفاسدة وتتسربل العقائد الصحيحة، وترجع إلى الله وتؤمن بلقاه، ولا تكفّر أحدًا بذنب اجتناه، فإن تبتم فهو خير لكم، وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله.
وزبدة الجواب وفذلكة الحساب، أنك إن قفوت يا أخا العرب نصحك، وأسَوْت بالتوبة جرحك، وأدملت بالإنابة قرحك، فمرحبًا بأخي الصَّلاح، وحيَّهلا بالمؤازر على الطاعة والنجاح، وجمع الكلمة والسماح، وإن أطلت في لُجّة الغواية سبْحَكَ وشيدت في الفتنة صرحك، واختلتَ عارضًا رُمحك، فإن بني عمك فيهم رماح، وما منهم إلا من يتقلد الصفاح، ويجيل في الحرب فائز القِداح.
والله تعالى يسدد سهام الأمة الساعية فيما يحبه ويرضاه، ويُخمد ضرام الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله والسلام" انتهى.
الهوامش:
[1] هو الوزير العالم المؤرخ الاديب أحمد ابن الحاج محمد بن عمر بن أبي الضياف التونسي، ولد بمدينة تونس سنة 1802ر وتلقى علومه الشرعية فيها، ثم تولى عددًا من المناصب في الدولة، وفي سنة 1277هـ-1860ر انتخب عضوًا في المجلس الكبير، وفي سنة 1287هـ-1870ر عين مستشارًا بالقسم الثالث من الوزارة الكبرى، وكان من أبرز الأدباء في عصره، توفي بمدينة تونس سنة 1291هـ-1874ر، ودفن حذ قبر والده بجامع الوزير يوسف صابع الطابع، له عدة تآليف منها: إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان، وفي أربع مجلدات، طبع بعناية وزارة الشؤون الثقافية في تونس سنة 1963ر، وله رسالة في المرأة.
[2] مراده أنه من أتباع ابن تيمية.
[3] أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الإيمان: باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، وقال: "هذا حديث مفسر غريب" عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي [2641]. والحاكم في المستدرك [1/129] من طريق عبد الرحمن بن زياد الإفريقي وقال [1/128]: "لا تقوم به الحجة" اهـ. والطبراني في "المعجم الكبير" [8/152]، قال الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" [15/156]: "رواه الطبراني في الكبير" وفيه كثير بن مروان وهو ضعيف جدًا" اهـ. وللحديث طرق وألفاظ أخرى.
[4] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: {لِما خَلقتُ بيديَّ} [سور ص/75] [7410]، ومسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها [194].
[5] أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الفتن: باب ما جاء لا تقوم الساعة حتى يخرج كذابون، قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح" اهـ [2219]، وأحمد في مسنده [5/278 و284].
[6] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجنائز: باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه [970].
[7] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجنائز: باب الأمر بتسوية القبر [969].
[8] يعني محمد بن عبد الوهاب النجدي.
[9] هو القاضي بتونس إسماعيل التميمي التونسي المتوفى سنة 1248هـ، والكتاب مطبوع بتونس.
[10] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان: باب {فإن تابوا وأقاموا الصلاةَ وءاتوا الزكاةَ فخَلُّوا سبيلهم} [سورة التوبة/5] [25]، ومسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله [20].
[11] و[12] أي على زعمك في ذلك، وإلا فمحمد بن عبد الوهاب النجدي بعيد كل البعد عن الكتاب والسنة المطهرة.
[13] ذكر هذه القصة ابن الأثير في تاريخه "الكامل" [2/557].
[14] أخرجه الترمذي في سننه: كتاب المناقب: باب في مناقب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كليهما، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن" اهـ [3662]، وابن ماجه في سننه: المقدمة: باب في فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم [97].
[15] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب فضائل الصحابة: باب من فضائل أويس القرني رضي الله عنه [2543].
[16] شهداء المعركة من المسلمين أحياء عند ربهم لا تأكل الأرض أجسادهم وهذا ثابت نصًا ومشاهدة، وأيضًا ثبت في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون" صححه البيهقي في جزء حياة الأنبياء بعد وفاتهم [رقم/15]، وأورده الحافظ ابن حجر على أنه ثابت في "فتح الباري" [6/487] وذلك لما التزمه أن ما يذكره من الأحاديث شرحًا أو تتمة لحديث في متن البخاري فهو صحيح أو حسن، ذكر ذلك في مقدمة "الفتح" [ص/4]، فهذا ثابت لكل نبي، وأما غيرهم من الصالحين قد يحصل لبعضهم لكنه ليس عامًا كما حصل للتابعي الجليل ثابت البناني فقد شوهد في قبره بعد موته وهو يصلي، روى ذلك الحافظ ابن رجب الحنبلي في "أهوال القبور".
[17] أخرجه ابن عساكر في تاريخه [9/454]، وورد عن الحسن مرسلاً بلفظ "يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من ربيعة ومضر" انظر "إتحاف السادة المتقين" [8/124] للحافظ الزبيدي.
[18] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق: باب التواضع [6502].
[19] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجنائز: باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه [977].
[20] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجنائز: باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لاهلها [974].
[21] الذي ثبت أنه صلى الله عليه وسلم استأذن ربه أن يستغفر لأمه فلم يأذن له واستأذن أن يزور قبرها فأذن له، وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه: كتاب الجنائز: باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه، وأبو داود في سننه: كتاب الجنائز: باب في زيارة القبور، وابن ماجه في سننه: كتاب الجنائز: باب ما جاء في زيارة قبور المشركين، وأحمد في سمنده [2/441].
[22] هذا غير ثابت فالثابت أنه استأذن ربه أن يستغفر لها فلم يأذن له.
[23] جاء في الأصل عبارة: "وخلدوا" وهي لا تستعمل في هذا المعنى، وقد استبدلناها بمعنى صحيح وأشرنا في الحاشية إلى ذلك.
[24] انظر الحديث في صحيح البخاري: كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة: باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة [1189]، وصحيح مسلم: كتاب الحج: باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد [1397].
[25] وأما الحديث فمعناه الذي فهمه السلف والخلف أنه لا فضيلة زائدة في السفر لأجل الصلاة في مسجد إلا السفر إلى هذه المساجد الثلاثة، لأن الصلاة تضاعف فيها إلى مائة ألف وذلك في المسجد الحرام وإلى ألف وذلك في مسجد الرسول وإلى خمسمائة وذلك في المسجد الأقصى. فالحديث المراد به السفر لأجل الصلاة، ويبين ذلك ما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده من طريق شهر بن حوشب من حديث أبي سعيد مرفوعًا: "لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا" وهذا الحديث حسنه الحافظ ابن حجر، وهو مبيّن لمعنى الحديث السابق، وتفسير الحديث بالحديث خير من تحريف ابن تيمية، قال الحافظ العراقي في ألفيته في مصطلح الحديث: وخيرُ ما فسَّرتهُ بالوارد.
[26] أخرجه الدارقطني في سننه [2/278]، والبيهقي في "شعب الإيمان" [3/490]، وحسنه الحافظ الفقيه الشيخ تقي الدين السبكي في كتابه "شفاء السقام" [ص/11-12-13].
[27] الذي وقفنا عليه أنه صلى في بيت لحم حيث ولد عيسى عليه السلام المسيح ابن مريم، رواه البيهقي في دلائل النبوة [2/356].
[28] لا أصل له، ما ثبت حديثًا ذكرُ موضع قبر نبي من الأنبياء إلا في موسى عليه السلام حيث قال: "عند الكثيب الاحمر".
[29] أخرجه مسلم بلفظ: "لا تتخذوا القبور مساجد": كتاب المساجد ومواضع الصلاة: باب النهي عن بناء المساجد على القبور [532].
[30] ومن بدع الوهابية تحريمهم الصلاة في مسجد فيه قبر واحتجوا بحديث البخاري: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وفيه قول عائشة: "ولولا ذلك لأبرزوا قبره" تعني قبر رسول الله، فالجواب عن احتجاجهم بهذا الحديث: أن الحديث محمول على من يقصد الصلاة إلى القبر لتعظيمه وهذا يُتصور إن كان بارزًا غير مستور وإلا فلا حرمة، وذلك بأن لا يقصد المصلي الصلاة إليه لتعظيمه أو يكون مستورًا فإنه إن لم يكن بارزًا لا يقصد بالصلاة إليه، أما مجرد وجود قبر في مسجد لم يقصده المصلي بالصلاة إليه فلا ينطبق عليه الحديث المذكور ولذلك نصت الحنابلة على أن الصلاة في المقبرة مكروهة ولا تحرم، والوهابية يدعون أنهم حنابلة وما أكثر ما يخالفون الإمام أحمد في الأصول والفروع.
ويكفي في عدم حرمة الصلاة في مسجد فيه قبر قول عائشة: "ولولا ذلك لأبرزوا قبره". ولم يخالف في ذلك أحد من السلف والخلف، ولذلك يصلون في مسجد الرسول في الجهات الأربعة غربي القبر وأمامه وشرقيه وشماليه، فمن صلى شمالي القبر يكون متوجهًا إلى القبر لكن الحرمة والكراهية انتفت لكون القبر مستورًا، فالوهابية في تحريمهم المطلق خالفوا إجماع المسلمين فيكونون ضللوا الأمة، وقد قال الفقهاء كالقاضي عياض وغيره: "من قال قولاً يؤدي إلى تضليل الأمة فهو مجمع على كفره"، فليعرفوا ما يؤدي إليه كلامهم.
ومما يدل على عدم التحريم والكراهية إذا لم يكن بارزًا ما ورد بإسناد صحيح أن مسجد الخيف قُبر فيه سبعون نبيًا، حتى إن قبر ءادم على قول هناك قرب المسجد، وهو مسجد كان يصلى فيه في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا، وهذا الحديث أورده الحافظ ابن حجر في المطالب العالية، وقال الحافظ البوصيري: "رواه أبو يعلى والبزار بإسناد صحيح".
وأما حديث: "لا تصلوا إلى القبور" فليس فيه دلالة على التحريم بل هو محمول على اختلاف أحوال القبر على التفصيل السابق.
قال الشيخ البهوتي الحنبلي في شرح منتهى الإرادات ما نصه: "[وتكره] الصلاة [إليها] –أي القبور- لحديث أبي مرشد الغنوي مرفوعًا "لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها" رواه الشيخان... [بلا حائل] فإن كان حائل لم تكره الصلاة [ولو] كان [كمؤخرة رجل]" اهـ.
ومما يدل على ما قدّمنا ما رواه ابن حبان في صحيحه عن عبيد الله بن عبد الله قال: رأيت أسامة بن زيد يصلي عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج مروان بن الحكم فقال: تصلي إلى قبره، فقال: إني أحبه، فقال له قولاً قبيحًا ثم أدبر، فانصرف أسامة فقال: يا مروان إنك ءاذيتني وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يبغض الفاحش المتفحش"، وإنك فاحش متفحش.
[31] النشرة بضم النون: ضرب من الرقية والعلاج، يعالج به من كان يظن أن به مسًا من الجن.
[32] تسنيم القبر خلاف تسطيحه، وقبر مسنم إذا كان مرفوعًا عن الارض.
[33] الضاحي من كل شيء البارز الظاهر.
[34] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المناقب: باب [28]، ومسلم في صحيحه: كتاب الإمارة: باب قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم".
[35] رواه أبو نعيم في "حلية الاولياء" [3/96] بلفظ: "لا يزال أهل المغرب ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة"، قال أبو نعيم عقبه: "هذا حديث ثابت مشهور"، قال الحافظ في "فتح الباري" [13/295]: "ورفع في بعض طرق الحديث "المغرب" وهذا يرد تأويل الغرب بالعرب".
رسالة محمد بن عبد الوهاب إلى القطر التونسي :
بسم الله الرحمن الرحيم
نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل الله فلا هادي له ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله . من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ، ولا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا.
أما بعد، فقد قال الله تعالى : ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) يوسف (108). وقال تعالى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) آل عمران (31). وقال تعالى (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) الحشر (7).وقال تعالى:(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَام)المائدة (3).
فأخبر سبحانه تعالى أنه أكمل الدين وأتمه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأمرنا بلزوم ما أتى به إلينا من ربنا ،وترك البدع والتفرق والاختلاف. وقال تعالى :(اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) الأعراف (3) .وقال تعالى:() وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )الأنعام(153).
والرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبر بأن أمته آخذة ما أخذه الأمم قبلها شبرا فشبرا وذراعا فذراعا. وأخبر في الحديث أن أمته ستفترق ثلاثا وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ، قالوا : من هي يا رسول الله ؟. قال : من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي .
وإذا عرفت هذا ، فمعلوم ما عمت به البلوى من حوادث الأمور التي أعظمها الإشراك بالله ، والتوجه إلى الموتى ، وسِؤالهم النصر على العدى، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات التي لا يقدر عليها إلا رب الأرض والسماوات ، وكذلك التقرب إليهم بالنذور ، وذبح القربات ، والاستعانةُ بهم في كشف الشدائد وجلب الفوائد ، إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله تعالى.
وصرف الشيء من أنواع العبادة لغير الله كصرف جميعها ، لأنه سبحانه أغنى الأغنياء عن الشركاء ، ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه ، وأخبر أن المشركين يدعون الملا ئكة والأنبياء والصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى ، ويشفعوا لهم عنده ، وأخبر أنه لا يهدي من هو كاذب كفار.
وقال تعالى : (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) يونس(18).، فأخبر أن من جعل بينه وبين الله وسائط لأجل الشفاعة فقد عبدهم وأشرك بهم ، وذلك أن الشفاعة كلها لله كما قال فعالى :( قل لله الشفاعة لله جميعا) الزمر(44) و ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) البقرة (255) ، وقال تعالى (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ) طه(109) . وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد ، كما قال تعالى ،(وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) الأنبياء (28) .فالشفاعة حق ولا تطلب في الدنيا إلا من الله ، كم قال تعالى :(وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) الجن (18). وقال تعالى :(وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ ) يونس (106).
فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد الشفعاء وصاحب المقام المحمود ، وآدمُ فمن دونه تحت لوائه لا يشفع إلا بإذن الله ، ولا يشفع ابتداء ، بل يأتي فيخر ساجدا ، فيحمده بمحامد يعلمه إياها ، ثم يقول له : ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع.، ثم يحد له حدا فيدخلهم الجنة ، فكيف بغيره من الأنبياء والأولياء ؟.
وهذا الذي ذكرنا لا يخالف فيه أحد من علماء المسلمين ، بل قد أجمع عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم ممن سلك سبيلهم ودرج على منهاجهم ، وما حدث من سؤال الأنبياء والأولياء من الشفاعة بعد موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها وإسراجها والصلاة عندها وجعل الصدقة والنذور لها ، فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بوقوعها النبي صلى الله عليه وسلم أمنه وحذر منها ، كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم : ( لا تقوم السلعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد أقوام من أمتي الأوثان).
وهو صلى الله عليه وسلم حمى جانب التوحيد أعظم حماية ، وسد كل طريق موصل إلى الشرك ، فنهى أن يجصص القبر ويبنى عليه ، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر ، وثبت فيه لفظ : أنه بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأمره أن لا يدع قبرا مشرفا إلا سواه . ولذلك قال غير واحد من العلماء : يجب هدم القباب المبنية على القبور ، لأنها أُسست على معصية الرسول صلى الله عليه وسلم.
فهذا الذي أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس ، حتى آل الأمر إلى أن كفرونا وقاتلونا واستحلوا دماءنا وأموالنا ، حتى نصرنا الله عليهم وظفرنا بهم ، وهو الذي ندعو الناس إليه ونقاتلهم عليه ، بعد ما نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع السلف الصالح من الأئمة ، ممتثلين لقوله تعالى ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) الأنفال (39) . فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان دعوناه بالسيف والسنان ، كما قال تعالى ،(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) الحديد (25.
وندعو إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان وحج بيت الله الحرام ، ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ، ولله عاقبة الأمور.
فهذا ما نعتقده وندين الله به ، فمن عمل على ذلك فهم أخونا المسلم ، له ما لنا وعليه ما علينا .

ونعتقد أن لأمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تجتمع على ضلالة ، وأنه لا تزال طائفة من أمته على الحق منصورة ، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم ، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك . انتهى



ذكر بعض من ألف في الرد على محمد بن عبد الوهاب النجدي أو ذمه أو عابه

1- إتحاف الكرام في جواز التوسل والاستغاثة بالأنبياء الكرام: تأليف الشيخ محمد بن الشدي، مخطوط في الخزانة الكتانية بالرباط برقم/1143ك مجموعة.

2- إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الامان: تأليف أحمد بن أبي الضياف، طبع.

3- أجوبة في زيارة القبور: للشيخ العيدروس، مخطوط في الخزانة العامة بالرباط برقم 2477/4د مجموعة.

4- الأجوبة النجدية عن الاسئلة النجدية: لأبي العون شمس الدين محمد بن أحمد بن سالم، المعروف بابن السفاريني، النابلسي، الحنبلي، المتوفى سنة 1188هـ.

5- الأجوبة النعمانية عن الأسئلة الهندية في العقائد: لنعمان بن محمود خير الدين الشهير بابن الألوسي البغدادي، الحنفي المتوفى سنة 1317هـ.

6- إحياء المقبور من أدلة استحباب بناء المساجد والقباب على القبور: تأليف الحافظ أحمد بن الصديق الغماري المتوفى سنة 1380هـ، طبع.

7- الإصابة في نصرة الخلفاء الراشدين: تأليف الشيخ حمدي جويجاتي الدمشقي.

8- الأصول الأربعة في ترديد الوهابية: لمحمد حسن صاحب السرهندي، المجددي، المتوفى سنة 1346هـ، مطبوع.

9- إظهار العقوق ممن منع التوسل بالنبي والولي الصدوق: للشيخ المشرفي المالكي الجزائري.

10- الأقوال السنية في الرد على مدعي نصرة السنة المحمدية: جمعها إبراهيم شحاته الصديقي من كلام المحدث عبد الله الغماري، طبع.

11- الأقوال المرضية في الرد على الوهابية: للفقيه عطا الكسم الدمشقي الحنفي، مطبوع.

12- الانتصار للأولياء الأبرار: للشيخ المحدث طاهر سنبل الحنفي.

13- الاوراق البغدادية في الجوابات النجدية: للشيخ إبراهيم الراوي البغدادي الرفاعي، رئيس الطريقة الرفاعية ببغداد، مطبوع.

14- البراءة من الاختلاف في الرد على أهل الشقاق والنفاق والرد على الفرقة الوهابية الضالة: للشيخ علي زين العابدين السوداني، مطبوع.

15- البراهين الساطعة في رد بعض البدع الشائعة: للشيخ سلامة العزامي، المتوفى سنة 1379هـ، طبع.

16- البصائر لمنكري التوسل بأهل المقابر: لحمد الله الداجوي الحنفي الهندي، مطبوع.

17- تاريخ الوهابية: لأيوب صبري باشا الرومي صاحب مراءة الحر

السبت، 8 ديسمبر 2012

ماذا يريد الاتحاد العام التونسي للشغل؟

تجاذبات سياسية و صراعات و مصالح حزبية و استباق لحملات انتخابية تعيشها الساحة السياسية في  تونس في ظل حكومة هشة و أداء هزيل و إرث اقتصادي و اجتماعي صعب مع انتظارات كبيرة و مطلبية  آنية يقابل ذلك تصعيدا  متعمدا و مقصودا من قياديي الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يبدو أنه تخلى عن دوره في العمل النقابي و أصبح وسيلة ضغط على الحكومة بتبني اضرابات في العديد من القطاعات و المطالبة بالزيادات في الأجور بشكل أثقل كاهل ميزانية الدولة. بل لقد كان وراء اغلاق العديد من المؤسسات الاقتصادية و احالة العديد من العمال على البطالة اليوم هناك اكثر من 200 مؤسسة أغلقت و بقاء قرابة 2500 عامل في حالة بطالة. كل هذا بسبب تعنت قيادة الاتحاد و رفض التفاوض مما دفع المؤسسات التي تعمل تحت قانون أفريل 72 إلى الإغلاق بل وصل الأمر ببعض النقابيين إلى استعمال العنف مع من رفض الدخول في الاضراب للمحافظة على المؤسسة و التزماتها مع الشركات التي تتعامل معها في الخارج. لقد اتضح اليوم للجميع أن الاتحاد يلعب لعبة قذرة كقذارة قيادييه فهو ينفذ بالنيابة برنامج حزب يساري متطرف لم يستطع كسب أصواتا في الانتخابات بل كان من البقايا و الأصفار. 
و لعل الأدهى و الأمر أن أصواتا من الحزب المنحل انبعثت من جديد و انتظمت في ما يسمى نداء تونس و هي وجوه عرفها التونسيون بموالاتها للمخلوع و بفسدها الأخلاقي و السياسي إن وجوها كانت لحد ليلة 13 جانفي مساندة للمخلوع و قد خرجت في شوارع تونس تهلل بالخطاب الذي ألقاه في محاولة لتهدئة الأوضاع. لقد كان البعض بوليسا سياسيا و قد انكشف أمره و فضح حتى أنه لم يستطع التكذيب أو الرد أمام الكم الهائل من الحجج نجده اليوم في المنابر التلفزية يتكلم عن الحرية و الديمقراطية و على أداء الحكومة هذا مع تسلل البعض من هؤلاء في غفلة من الشعب للمجلس الوطني التأسيسي و التجاسر على مدح التجمع و سب الشعب بالقول بأن التجمع سيّدنا.
في خضم كل هذه الأحداث هل نحتاج إلى ثورة لتصحح المسار أم أننا فقدنا استحقاقات الثورة و ارتكسنا للوراء و خسرنا معركتنا مع الفساد و رموزه الذين خرجوا من الباب ليعودوا من الشباك بل قل من نفس الباب الذي بقي مفتوحا دون رقابة و انتباه للداخلين

الأربعاء، 14 مارس 2012

السعودية: دلالات شعار الدولة السلفية الآن



ليس من المستغرب أن تظل الدولة السعودية تبحث عن هوية وشعار تلصقه بها، خاصة في عصر الثورات العربية. في الماضي تقمص النظام مصطلح دولة التوحيد وحليفه جند التوحيد ليكرس في المخيلة ازدواجية توحيد الأرض والبشر من جهة والتوحيد بمفهومه الديني من جهة أخرى، لكن مؤخرا ظهر ولي العهد السعودي بمصطلح جديد يطرح للتداول والنقاش على ألسنة المتلقين من مختلف الأطياف الفكرية والسياسية، وأسقط على النظام السعودي مصطلح الدولة السلفية، فصفق البعض وتحفظ البعض الآخر حيث وجدوا في هذا المصطلح حيزا ضيقا لا يحتوي على هوية الدولة الإسلامية الشاملة.
وهنا ليس لنا أن نقيم مدى انطباق الاسم على المسمى أو صلاحية مثل هذا الوصف لنظام طارئ لم تثبت بعد هويته، بل هي في طور التغير حسب المعطيات السياسية الآنية، وإنما نحاول فهم الطرف التاريخي الآني، الذي دفع بهذا المصطلح للواجهة كهدية واسم لنظام حديث العهد بالعمق التاريخي في قاموس الدول.
هناك عدة أسباب تدفع بالنظام السعودي للترويج لمصطلح كهذا، خاصة في المحيط العربي المتغير والمتبدل.
 السبب الأول: ينطلق من رغبة نظام الحكم أن يدغدغ مشاعر جمهوره السلفي التقليدي الموالي للسلطة والمدافع عنها، والممانع لآي تغيير يطرأ على مؤسساتها لما في ذلك من هزيمة لمصالحه التاريخية المرتبطة بالنظام. ويعتبر هذا الجمهور السلفي متطرفا في ولائه للنظام محرما أي شكل من أشكال العمل السياسي، بل هو ينفي عن المواطن والمجتمع صفة العمل السياسي أو المشاركة في صنع القرار، ويحرم الحراك الجماعي السلمي المطالب بالحقوق، ولا يزال هذا التيار يتمسك بصلاحياته والمؤسسات التي سمح له النظام باحتلالها وتثبيت سلطته عليها وتوزيع شخصياته على المناصب المتوفرة فيها من هيئات فقهية وتعليمية وقضائية واجتماعية وخيرية.
ورغم أن هذا التيار السلفي المحدود فكريا والمنتشر أفقيا قد تلقى ضربات قاسية من السلطة ذاتها وبعض أطياف المجتمع، إلا أن فضله على النظام يحتاج ليس فقط إلى المكرمات من مبدأ المكافأة، بل أيضا هو يطلب الاعتراف به كهوية تلازم الدولة الملكية المطلقة المعتمدة على الحكم الأسري المتشعب. من هنا جاءت شعارات كشعار الدولة السلفية لتكافئ هذه الشريحة على جهدها في قمع أي حراك شعبي وتكفيره والزج به في خندق الفتنة وغيرها من مصطلحات شاعت تحت عباءة هذه الشريحة الدينية السلطوية.
السبب الثاني: وراء استدعاء هذا المصطلح في المرحلة الراهنة هو التغيرات الطارئة في العالم العربي.
كان النظام السعودي يفتخر انه النظام الإسلامي الذي يطبق الشريعة عكس الجمهوريات العربية، التي كان ضمنيا عن طريق سلفيته يروج لها وكأنها بؤر كفر والحاد قامت على يد أشخاص كانت المؤسسة الدينية السعودية السلفية قد أصدرت أحكامها عليهم وكفرتهم منذ أكثر من أربعة عقود، لكن اليوم وبعد سقوط هذه الرؤوس القديمة تواجه السعودية تحديا جديدا يتمثل في هويات الكيانات الجديدة المنبثقة عن مخاضات الربيع العربي، ومن أهم التحديات هو وصول إسلاميين من أطياف متعددة، منها الإخواني والسلفي إلى برلمانات منتخبة وكلها تستمد مناهجها من تفسيرات ومبادئ إسلامية وهذا ما يجعل النظام السعودي يهتز لمثل هذه النتائج التي تفضح مقولة احتكاره للإسلام وتطبيق الشريعة، ومن المفارقات أن تكون دولة تدعي الإسلام تحتقن من بروز الإسلاميين في دول عربية أخرى هم أيضا يستمدون شرعيتهم من شعارات إسلامية صرفة ستخضع لحظة ممارسة السلطة للامتحان القادم. لذلك تبدو هوية الدولة السعودية الإسلامية الشاملة كأنها تتعرض للمنافسة بعد فترة احتكار الإسلام عندما كان النظام يعتبر نفسه الأول والأخير في مسيرة الدول الإسلامية.
ومن هنا جاء الشعار الجديد السلفي ليفرق بين دول إسلامية شاملة كالتي بدأت ملامحها تظهر في العالم العربي وبين ما يسمى بالخصوصية السعودية التي تمثلت في رفع مصطلح الدولة السلفية مؤخرا.
السبب الثالث هو كون السعودية بنظامها الحالي تفتقد لمعطيات وآلية المؤسسات السياسية، حيث إنها لا تزال دولة فئوية تقوم على الحكم الأسري الوراثي، بينما تقدم بعض الأحزاب الإسلامية في المنطقة مشروعا لنظام الحكم يعتمد على مبادئ إسلامية ويجمع بينها وبين مؤسسات حديثة كالمجالس المنتخبة والدستور المكتوب وقوانين الأحزاب، وكلها مؤسسات جديدة جاءت مع مفهوم الدولة الحديثة.
وأكثر ما يزعج النظام السعودي هو المزج بين الهوية الإسلامية والديمقراطية التي قد تتبلور في بعض الدول العربية كتونس ومصر، خاصة أن نتائجها في بلد مثل تركيا جاءت بنقلة نوعية في الممارسة السياسية والنمو الاقتصادي. وعندما ترفع الدولة السعودية شعار الدولة السلفية حسب المفهوم الضيق للمصطلح، الذي ينظر له طيف كبير من علماء المملكة الرسميين فهي تحاول جاهدة أن تتميز عن الحدث الطارئ على الساحة العربية، وهو هذا المزج بين الهوية الإسلامية وآليات الديمقراطية التي طالما اعتبرها منظرو السلفية السعودية نظاما خارجا عن التقليد الإسلامي المعترف به في نصوصهم ومراجعهم. وان جاء هذا المزج من جماعة الإخوان المسلمين فعادة يسلط النظام السعودي عليه خطب أئمته، خاصة تلك التي تطعن بالآخرين من منطلق عقائدهم المميعة وحزبيتهم المقيتة وأهدافهم السياسية على حساب المعايير الدينية الثابتة، في محاولة بائسة لسحب البساط من تحت أقدام مريدي هذا التيار في الداخل السعودي، وأسوأ من ذلك بحسب معايير النظام السعودي هو أن تخرج تيارات من رحم السلفية ذاتها، التي يحاول أن يتقمصها، تطالب بتفعيل معاني سياسية حديثة تستمد شرعيتها من تفسيرات مغايرة لتلك التي تطرحها الفصائل السلفية المرتبطة بالإسلام السعودي الموالي للسلطة المطلقة. وقد ظهرت بالفعل تيارات سلفية تشارك بالانتخابات وتطالب بصياغة دساتير للحكم وتقتنع بالتعددية وتلح على حق الأمة بانتخاب رئيسها وتشارك في الانتخابات منذ فترة غير قصيرة. وإن كان من السهل على النظام السعودي أن يطعن بالتيارات السلفية التي استعملت العنف في سبيل مشروعها، إلا أنه ليس من السهل أن يحيد التيارات السلفية الجديدة والتي تتبنى مشروع العمل السياسي السلمي كالانتخابات والمظاهرات والعصيان المدني، ولا تعتبر مثل هذه الآليات خروجا على الحاكم أو فتنة تشق الصف.
جاء شعار الدولة السلفية الذي يتبناه ولي العهد السعودي باهتا غير قادر على استيعاب الساحة الإسلامية المتشعبة والمتنوعة، ليس فقط في خارج حدود السعودية بل في عقر دارها وضمن المؤسسات القائمة حاليا. وبعد إن كثرت الأطروحات السياسية الإسلامية يجد النظام السعودي حاجة ماسة إلى إعادة تثبيت هويته أمام هذا الزخم من التيارات والممارسات، التي هي أيضا تنهل من نفس المناهل الفكرية والدينية التي يعتقد انه تأسس على أصولها. وفي الماضي كان من السهل على النظام أن يكتفي بشعار الدولة الإسلامية في بيئة عربية تختلف عما هو في طور البزوغ حاليا، ولكنه اليوم في صدد منافسة من الهويات الجديدة على ماهية النظام ومنابعه وآليات عمله ومدى اقترابه من منظومة الدولة الحديثة التي لا تقضي على خلفيات عقدية أثنية أو طائفية، بل تحاول أن تحتضن الاختلاف والتعددية. وان قدر للمشاريع العربية أن تكتمل وتنضج فستكون معيارا جديدا ينافس في شرعيته وهويته الكيان السعودي الذي حتى هذه اللحظة لم يطور أي مؤسسات حديثة لممارسة السياسة وتدبير الشأن العام خارج إطار مفاهيم حكم قديمة قائمة على الاستئثار بالسلطة التي تخضع لها كافة مؤسسات الدولة من مالية وقضائية وتربوية واجتماعية وتحكم عن طريق حلقات الولاء المشخصنة وتبني مفهوم محدود للمواطنة مبني على الولاء المطلق لشخص الحاكم وليس لوطن أو دولة مؤسسات.
لكن يبدو أن إسقاط شعار الدولة السلفية لن يحل أزمة النظام السعودي الوجودية، حيث يبدو يوما بعد يوم وكأنه خارج إطار الزمان والمكان في منطقة عربية تموج فيها مصطلحات جديدة عن الحقوق والمؤسسات والتمثيل الشعبي وفصل السلطات وكلها يحاول النظام السعودي أن لا تصبح متداولة في محيطه، خاصة إن امتزجت هذه المفاهيم الجديدة بنبش للتراث الإسلامي واستلهام المبادئ من تاريخه القديم في محاولة تقريب الإرث الماضي مع متطلبات اللحظة التاريخية الحالية. وبعد أن تبنى النظام السعودي مصطلح السلفية كهوية تتردد على السنة المسؤولين لا بد من طرح السؤال الحرج. عن أي سلفية يتحدث، خاصة بعد أن تشظت وتفرعت تياراتها؟ وان كان يقصد تياره الموالي فلا نعتقد أن المرحلة الحالية بكافة انجازاتها ومخاضاتها مهيأة لتقبل تيار ضيق همه الأول المحافظة على صلاحيات من أهمها التقييد على البشر في حياتهم وحرمانهم من ابسط حقوقهم المدنية والسياسية تحت ذريعة درء الفتن.
 د. مضاوي الرشيد

الثلاثاء، 13 مارس 2012

الجندر: المفهوم و الحقيقة و الغاية


     خَلَق الله سبحانه وتعالى الإنسان مِن ذَكَر وأُنثى ليحقِّقَ التكاملَ بين رُكنَين هامَّين من أركان إعمار هذا الكوْن بل هما الرُّكنان الأساسيَّان اللذان عُمِّر بهما ومن أجْلهما هذا الكونُ وهذه الأرض قال تعالى سبحانه: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) البقرة: 22.
هذا التكامُل ليس حالةً خاصَّة بالإنسان تعْزِله عن سُنَّة الخلق، والسياق الكوني، بل هي حالة تنسجم مع ثنائية تعمُّ وتشمل المخلوقاتِ في هذا الكون، والتي يتحقَّق بها التوازن والاتِّزان، فسبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز: (وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) ق 7 وتَمضي سُنَّة الله في هذا الكون، وهي تكاد تعمُّ لتشملَ كلَّ المخلوقاتِ في هذا الكون الفسيح، الذي يحمل أعظمَ المعاني على عظمة الخالِق البارئ
المصور سبحانه. الذي يقول جلَّ من قائل (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الرعد 3
     فهذه الثنائية الرائعة تمتدُّ، وتعمُّ وتشمل الوجودَ المادي، والوظائفَ الفسيولوجية، والبيولوجية والفيزيائية للمخلوقات؛ وصولاً إلى أرْقى شكل من أشكال الوجود في هذا الكون، والذي يتربَّع عليه الإنسان بمنظوماته القِيميَّة والاجتماعية والثقافية، والتي تلقَّاها من ربِّ العالمين - سبحانه وتعالى - بمعرفةٍ عجزتِ الملائكة عن الوصول لها؛ {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا
سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) البقرة 31
     هذه المعرفة والإدراك الإيماني السائر على دَرْب الهِداية مُحارَب بغَواية إبليس اللعين عدوِّ الإنسان، الذي أقسم حسدًا وحِقدًا على الإنسان ليُحيدَه عن طريق الصواب، ويأخذه إلى دروب الهلاك، وخزي الدنيا والآخرة يُعمِي بصيرتَه عن الحقيقة القرآنية، ويوهمه بخيالات من الكَذِب الذي يُزيِّنه له بأنَّه حقيقة، ويجملها بكلِّ ما يملك من زُخرف فكري كاذب، فيضل الإنسان، ويظلُّ يُكابِر ويقدِّم خِدْماتِه لولي نعمته إبليس اللعين، ويتحوَّل من خاضع للضلالة إلى شخص مفتون بها، ويُضلُّ بها كثيرًا من الناس؛ ليبوءَ بذنبه وذنوبهم.
    
ما دفعني للحديث بهذه المقدِّمة هو تهيئةُ القلوب والأذهان لِمَا سأعرضه من أفكار حولَ قضية يتمُّ الحديث عنها، وتُتداول بفَهْم أو غير فهم، وتُسوَّق بين أبنائنا وبناتنا - خصوصًا الشبابَ - بقصد أو غير قصد، وحتى لا أكتمَ علمًا تعلمتُه أو أعلمه، فأُلْجِم بلجام من نار يومَ القيامة فإني أتناول هذه القضية لأوضح بعض الحقائق المتعلقة بها.
     الرجل والمرأة هما ذكر وأنثى من ناحية التعريف الجِنسي، لهما حسب المصطلح الإنجليزي sex ، يتم وصفُ الصِّفات البيولوجية والفسيولوجية لكلٍّ منهما، وهي صفات واضحة وثابتة، ولا يمكن العبثُ بهما، عِلمًا بأنَّه كانت هناك محاولاتٌ للتغيير في هذه الفسيولوجية بالنسبة للرجل والمرأة، فكانت النتيجةُ إنتاجَ مسوخ بشرية من المتحوِّلين جنسيًّا أو التحولات.
     وأمام هذا العجز في التغيُّر فيما خَلَق ربُّ العالمين الذكر والأنثى، وقف دعاة المساواة المطْلقة بين الرجل والمرأة عاجزين أمامَ هذه الحقيقة الواضحة، غير القابلة للتغيير والعبث، ظهر في السبعينيات مِن هذا القرن مصطلحُ النوع الاجتماعي، أو الجندر، ومفهوم الجندر Gender كلمة إنجليزية تنحدر من أصل لاتيني، وتعني في الإطار اللغوي Genus ؛ أي: (الجنس من حيثُ الذكورة والأنوثة)، وإذا استعرْنا ما ذكرتْه (آن أوكلي) التي أدخلتِ المصطلح إلى عِلم الاجتماع، سنجد أنَّها توضح أنَّ كلمة Sex أي: الجنس، تشير إلى التقسيم البيولوجي بين الذكر والأنثى، بينما يشير النوع Gender إلى التقسيمات الموازية وغير المتكافئة (اجتماعيًّا إلى الذكورة والأنوثة)، ولديها كتاب عن هذا عنوانه (الجنس و النوع و المجتمع عام 1972 بشكل أكثر وضوحًا، فإنه كما أوضحْنا: أنَّ الفروق الفسيولوجية بين الرجل والمرأة لا يمكن إنكارُها، كما لا يمكن العبث بها، وبالتالي فهي تقف كعلامة استفهام كبيرة أمامَ دعاة المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة.
ومِن هنا تمَّ التركيز على (الجندر)، أو النوع الاجتماعي، لأنَّه يوضِّح الفروق بين الرجل والمرأة على صعيد الدور الاجتماعي، والمنظور الثقافي والوظيفة، تلك الفروق النابعة كنِتاج لعوامل دِينيَّة وثقافيَّة، وسياسية واجتماعية؛ أي: إنها فروق صَنَعها البشر عبرَ تاريخهم الطويل، حسب مفهوم الجندر.
     ومن هنا، إذا عجز البشر عن إزالة الفروق البيولوجية، فمِن الممكن إزالةُ الفروق النوعية (الجندرية) بين الرجل والمرأة، وذلك مِن خلال برامجَ تنمويةٍ تعمل على تغيير قِيمي و بنيوي داخل المجتمع، و يكفل إزالة هذه الفروق.
     ومِن القضايا التي تحاول البرامجُ (الجندرية) التصدِّي لها: الوظيفة الاجتماعية للرجل والمرأة، على افتراض أنَّ الرجل يُهيمِن على المرأة، ويمارس قوَّة اجتماعيَّة وسياسية عليها ضِمنَ مصطلح المجتمع الذُّكوري، وبالتالي يجب منحُ المرأة قوَّة سياسيَّة واجتماعيَّة واقتصادية تساوي القوةَ الممنوحة للرجل في جميع المستويات حتى في الأسرة.

     و قد عرفت الموسوعة البريطانية الجندر"هي شعور الإنسان بنفسِه كذَكَر أو أنثى... ولكن هناك حالاتٌ لا يرتبط فيها شعور الإنسان بخصائصه العضوية، ولا يكون هناك توافُق بين الصِّفات العضوية وهُويته الجندرية، إنَّ الهُوية الجندرية ليستْ ثابتة بالولادة؛ بل تؤثِّر فيها العوامل النفسية والاجتماعية بتشكيل نواة الهُوية الجندرية، وتتغيَّر وتتوسع بتأثير العوامل الاجتماعية، كلما نما الطفل"
          الجندر حسب تعريف منظمة الصحة العالمية:
     هو المصطلح الذي يُفيد استعماله وصفَ الخصائص التي يحملها الرجل والمرأة كصِفات مركبة اجتماعية، لا علاقة لها بالاختلافات العضوية وكما جاءت في (المادة الخامسة) من (السيداو) وهي المادة التي تطالب - وبشدة - بتغيير الأنماط الاجتماعيَّة والثقافية لدَور كلٍّ من الرجل والمرأة؛ بهدف تحقيق القضاء على التحيُّزات والعادات العُرفية.
     وقد ورد تعريف (الجندر) حسبَ المنشور في أحد المواقع النسوية العربية على الشبكة الإلكترونية كما يلي: "النوع الاجتماعي (الجندر) يتعلق بالأدوار المحدَّدة اجتماعيًّا لكلٍّ من الذكر والأنثى، وهذه الأدوار تكتسب بالتعليم وتتغيَّر مع مرور الزمن، وتختلف اختلافًا واسعًا داخلَ الثقافة الواحدة، ومِن ثقافة لأخرى، وهذا المصطلح يشير إلى الأدوار والمسؤوليات التي يُحدِّدها المجتمع للمرأة والرجل، وهو يعني أيضًا الصورة التي ينظر بها المجتمعُ للمرأة والرجل، وهذا ليس له عَلاقة بالاختلافات الجسديَّة (البيولوجية والجنسية.) هذا، ويتمُّ تبديلُ مصطلح منْح المرأة القوَّة power بمصطلح تمكين empower medn لتوصيف الأنشطة المتعلِّقة بإزالة الاختلافات الاجتماعيَّة والثقافيَّة والوظيفيَّة كافَّة بين الرجل و المرأة."
     ونحو تحقيق إزالة الفروق الوظيفية بين الرجل والمرأة، فإنَّ الأمومة تأخذ حيزًا كبيرًا عند الجندريين، فعالمة الاجتماع (أوكلي) تقول: "إنَّ الأمومة خُرافة، ولا يوجد هناك غريزة للأمومة، وإنما ثقافة المجتمع هي التي تصنع هذه الغريزة؛ ولهذا نجد أنَّ الأمومة تعتبر وظيفة اجتماعية وهنا يظهر مصطلح "الصحة الإنجابية" وهو - حسب المنظور الجندري  ليس كالمفهوم العالمي له، والهادف إلى معالجة الإشكاليات الناتِجة من وظيفة المرأة كأمٍّ على مستوى الإنجاب، والتي قد تقف عائقًا أمام ممارستها لدَوْرها الجندري المساوي لدور الرجل، ومِن هذه الإشكاليات الحملُ والرَّضاعة، وغيرها من الوظائف الفسيولوجية للمرأة، كما أنَّ هذا المفهوم أثار ضجَّة على مستوى عِدَّة مؤتمرات بهذا الخصوص، حيث أبدتْ بعض الدول المشارِكة تحفُّظاتٍ عليه، عندما وُجِد بأنَّه يشرع الإجهاض.
وكما جاء في التقرير الذي أعدتْه (لجنة المرأة) التابعة للأمم المتحدة؛ لمناقشته في اجتماعها المنعقِد في 12/مارس / 2004، الذي ناقش محورين خاصَّين باشتراك الرِّجال والصِّبية في تفعيل مساواة النوع Gender Equality ، وأيضًا استخدام اتفاقيات السلام في تفعيل مساواة النوع.
     وقد لوحظ أنَّ الترجمة العربية للتقرير لم تشتملْ على البنود الخاصة بالاعتراف الرسمي بـ(الشذوذ وحماية حقوق الشواذ)؛ بل والسعي لقَبولهم مِن قِبل المجتمع، وتشجيع الشباب على ممارسة الزِّنا والجهر به، واعتبار ذلك تعبيرًا عن (المشاعر)، ودعمًا لتعليم الممارسة الجنسية بمختلف أشكالها الطبيعية و الشاذة.
     انظروا على سبيل المثال كتاب "الأسرة وتحديات المستقبل" من مطبوعات الأمم المتحدة (صفحة: 36 - 42)، وفيه يجد الباحثُ الاجتماعي أنَّ الأسرة يمكن تصنيفها إلى 12 شكلاً و نمطا و منها أسر الجنس الواحد، أي أسر الشواذ.
     وبالتالي فإنَّ ذلك نتاجٌ طبيعي لأنشطة الجندريين التي تهدف إلى إزالة الاختلافات الثقافية، والاجتماعية، والوظيفية، بين الرجل والمرأة، تحتَ شعارات المساواة، وتمكين المرأة، وتمكين الشباب...إلخ.
     هذه الدعوات والبرامج مهما كانت أهدافُها وغاياتها، إلاَّ أنَّها تتنافَى والفطرةَ التي خلق الله عليها الإنسان رجلاً وامرأة، وتصطدم - وبشكل سافر - بعقيدتنا ودِيننا الذي نؤمن به، تلك العقيدة التي ترتكز على أنَّ الإنسان الذي خَلقَه الله ربُّ العالمين مِن زوجين اثنين؛ آدم وحواء - جزءٌ من الثنائية المتناغمة في هذا الكون، والذي يحقِّق بها التوازن، والثبات والأعمار.
     هذه الحقيقة التي أقرَّها الله في شريعته، وأنزلها على أنبيائه الذين علَّموها للبشر، شرائع ونواميس تنظِّم الحياة الإنسانية، وتُحافِظ على إنسانية الإنسان الذي كرَّمه الله، وأمر الملائكة بالسجود له، وتتكفَّل له بطريق الخير والسعادة في الدنيا والآخرة؛ (ُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة: 136
هذا الدِّين الذي نؤمِن به رجالاً ونساءً جَعَل العلاقة بينهما علاقةَ مودة ورحمة وسكن، تُبنَى فيه الأُسرة التي هي النواة الأولى في بناء الفرْد والمجتمع، والدولة والأمَّة، ونؤمِن بأنَّ كل ما جاء به هذا الدِّين هو حقٌّ، وإن لم يكن لنا فيه نفع ظاهر، فإنَّ الله - سبحانه وتعالى - له فيه حِكمة قد لا ندركها كبَشَر في مكانٍ ما وزمان ما؛ قال - سبحانه وتعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) النساء: 34 فهم قوَّامون على النساء، ولكن بضوابط وضَعَها الشرع؛ حفاظًا على هذه المرأة، التي هي مخلوقة من مخلوقات ربِّ العالمين، حالُها كحال الرجل فكيف يظلم الله تعالى مخلوقا خلقه؟
      فإذا كان الرجل قوَّامًا على المرأة، فإنَّ النساء كُرِّمن بسورة خاصَّة بهنّ، فيها من الضوابط والأحكام ما فيه؛ حفاظًا على كرامة المرأة وإنسانيتها، وحقوقها الاقتصادية
و الاجتماعية و الشرعية.
     ما أتمنَّاه لكلِّ امرأة معذَّبة مضللة، تسعى نحو وهمٍ كاذب في الحرية التي فيها عبوديتها وهلاكها حالها حال الفراشة الحائمة حول نور المصباح.
     إنَّ رب العالمين خصَّ مريم بنتَ عمران بتكريم ربَّاني، وتطهير وتزكية، وهي امرأة.
هذا الدِّين الذي أقرَّ الاختلاف ليس تفضيلاً للرجل على المرأة، بل تفضيل لكلٍّ منهما على الآخر في كلِّ مجال من مجالات الاختلاف؛ قال تعالى {وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إنّ الله كان بكل شيء عليما) النساء 32
     هذا الدِّين الذي أقرَّ الاختلافات بين الرِّجال والنساء، ونهانا عنها تربيةً لنا رجالاً ونساء؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (لَعَن الله المتشبهين من الرّجال بالنساء، و المتشبهات من النساء بالرّجال)
     وهذا الدِّين الذي أوصانا بالنِّساء خيرًا، فجعل مَن يكرمهنَّ هو الكريم، وأمرنا بالرِّفق بالقوارير، فقد كان آخِرُ كلام نبينا الحبيب - صلوات الله عليه وسلم: (أوصيكم بالنِّساء خيرًا.)
     فإذا كانت الدعوات الكاذبة لأصحاب الفِكر الفاسد، والقلوب الخَرِبة، والنفسيات المشوهة، ذكورًا وإناثًا، وإن حاولوا أن يُغلِّفوها بغلاف من الزيف، ويُزيِّنوها بدعوات كاذبة، وشعارات رنانة؛ بدعوى السعي للدِّفاع عن حرية المرأة، أو تخليصها مِن ظُلم يقع عليها، أو تفعيل دورها في المجتمع....إلخ، وهي دعواتٌ كاذبة، تُغطَّى بستار من الضلالة، الغاية النهائية للمروِّجين والمروِّجات لأفكار (الجندر) بكل ما يحمل من تقليعات ومسميات من جندرة اللغة، وجندرة السياسة وجندرة الأدب، وجندرة الأُسرة، وجندرة الاقتصاد...إلخ مما أفرزته العقلياتُ المريضة، والنفسيات المشوهة المسيطرة في مؤتمرات بِكين والقاهرة، وصنعاء وروما، من أفكار رفضتها معظمُ الدول المشارِكة في هذه المؤتمرات؛ لأنَّها تتنافَى والفطرة .ونرفضها نحن بقلوبنا، بعقولنا، بألسنتنا، وبكلِّ ما أوتينا من قوَّة؛ لأنها إذا كانت تتنافى مع الفطرة، فهي تصطدم بمعتقداتنا و ديننا الإسلامي، و قيمنا الأصلية.
     وهو رفضٌ لا يحمل شبهةَ الوقوف في وجه حقوق المرأة؛ بل هو رفضٌ يحافظ على المرأة، ويضعها في المكانة السامية التي اصطفاها لها ربُّ العالمين، بأقدس رسالة، وهي الأمومة التي رفعتْ درجتَها في الدِّين والدنيا ثلاثة أضعاف درجةِ الرجل؛ ((قال: أمك، ثم مَن؟ قال: أمك، ثم مَن؟ قال: أمك، ثم مَن؟ قال: أبوك))، هذا الاصطفاء الذي لم يقف عائقًا في وجه المرأة لأن تكونَ شاعرة وفارسة وممرِّضة، فتحتَ جناح هذا الدِّين ترعرعت النِّساء، وسجلنَ للتاريخ أسمى أمثلة، وفي شتَّى المجالات، في التمريض كانت الصحابية رُفيدة، ونَسِيبة بنت كعب الفارسة، عنها يقول - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما التفتُّ يومَ أُحد يمينًا ولا شِمالاً إلاَّ وأراها تقاتل دوني))، وفي الطبِّ كانت الطبيبة المداوية الشِّفاء بنت عبدالله، وعلى هُدَى القرآن الكريم ودَرْب المصطفى إلى يومِنا هذا، كم مِن نَسيبة بنت كعب، وكم من الشفاء بنت عبدالله، ترعرعن في كنف أُسرة قامتْ على أساس مِنَ السكن والسكينة، وكان بين ركنيها - الرجل والمرأة - المودة والرحمة، وليس الصِّراع القائم على مفاهيمَ تناحرية مِن منطلق اعتقاد المرأة بأنَّ دورها في الأسرة عِبارةٌ عن اضطهاد لها، ويجب أن تُصارِع مضطهدَها؛ لتنتصرَ عليه، وإن لزم الأمرُ تبحث عن القوَّة والتمكين من خارج الأسرة و الجندريون جاهزون.
     الحمد لله الذي أكرمنا بهذا الدِّين، يحترم آدميتَنا، ويُخرجنا من عبادة العِباد إلى عبادة ربِّ العباد، وأكرمنا بأن جعلنا مسلمين موحدين، وشرَّفَنا بأشرف الخَلْق محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - النبي الأمين، وشرَّفنا بالقرآن الكريم؛ حُجَّة على الكافرين والفاسقين إلى يوم الدِّين.
منقول

الأحد، 11 مارس 2012

رأي الشيخ يوسف القرضاوي في النقاب


     بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و بعد:
   فالواقع أن وصف النقاب بأنه بدعة دخيلة، وأنه ليس من الدين ولا من الإسلام في شيء، وأنه إنما دخل على المسلمين في عصور الانحطاط الشديد ـ الواقع أن هذا الوصف غير علمي، وغير موضوعي، وهو تبسيط مُخِلٌّ بجوهر القضية، ومُضَلِّلٌ عن تَبَيُّنِ الموضوع على حقيقته.
فمما لا يُمارِي فيه أحد يَعْرِفُ مصادر العلم وأقوال العلماء: أن القضية خلافية، أعني قضية جواز كشف الوجه أو وجوب تغطيته ـ ومعه الكفان أيضًا.
   وقد اختلف فيها العلماء ـ من فقهاء ومفسرين ومُحدِّثين ـ قديمًا، ولا يزالون مختلفين إلى اليوم.
وسبب الاختلاف يرجع إلى موقفهم من النصوص الواردة في الموضوع ومدى فهمهم لها، حيث لم يَرِدْ فيه نَصٌّ قطعيٌّ الثبوت والدِلالة، ولو وُجِدَ لحُسِمَ الأمر.
فهم مختلفون في تفسير قوله ـ تعالى ـ: (ولا يُبدِينَ زِينتهُنَّ إلا ما ظَهَرَ منها) (النور: 31).
فرَوَوا عن ابن مسعود أنه قال: (إلا ما ظهر منها): الثياب والجلباب، أي الثياب الخارجية التي لا يُمكِن إخفاؤها.
ورووا عن ابن عباس أنه فَسَّر: (ما ظهر منها) بالكُحل والخاتَم.
ورُوي مثلُه عن أنس بن مالك.وقريب منه عن عائشة.
وأحيانًا يُضيف ابن عباس إلى الكُحل والخاتم: خِضابُ الكَفِّ، أو المُسْكَة ـ أي السِّوار ـ أو القُرط والقِلادة.
وقد يُعبر عن الزينة بموضعها، فيقول ابن عباس: رُقعة الوجه وباطن الكف، وجاء ذلك عن سعيد بن جبير وعَطاء وغيرهما.وبعضهم جعل بعض الذراع مما ظهر منها.
وفَسَّر ابن عطية ما ظهر منها: أنه ما انكَشفَ لضرورة، كأن كَشَفَتْه الريح أو نحو ذلك (انظر: تفسير الآية عند ابن جرير وابن كثير والقرطبي، والدر المنثور: 5/41، 42، وغيرها.).
وهم مختلفون في تفسير قوله ـ تعالى ـ: (يا أيها النبي قُل لأزواجِك وبناتِك ونِساءِ المؤمنينَ يُدْنينَ عليهنَّ مِن جَلابيبهنَّ، ذلك أَدْنَى أن يُعرفْنَ فلا يُؤذَينَ، وكان اللهُ غفورًا رحيمًا) (الأحزاب: 59).
ما المراد بإدناء الجلابيب في الآية الكريمة؟
فرووا عن ابن عباس نقيضَ ما رُوي عنه في تفسير الآية الأولى!!
ورووا عن بعض التابعين ـ عبيدة السلماني ـ أنه فسر الإدناء تفسيرًا عمليًّا بان غَطَّى وجهَه ورأسه، وأبرز عينه اليسرى!! ومثله عن محمد بن كعب القرظي.
وخالفهما عِكرمة مولى ابن عباس: فقال: تُغطِّي ثغرة نحرها بجلبابها، تُدنيه عليها.
وقال سعيد بن جبير: لا يَحِلُّ لمسلمة أن يراها غريب إلا أن يكون عليها القناع فوق الخمار وقد شَدَّتْ به رأسها ونَحْرَها (انظر:الدر المنثور: 5/221، 222، والمصادر السابقة في تفسير الآية.).
وأنا ممن يُرجِّحون أن الوجه والكفين ليسا بعورة، ولا يَجب على المسلمة تغطيتُهما، وأرى أن أدلة هذا الرأي أقوى من الرأي الآخر.
ومعي في هذا الرأي كثير من علماء هذا العصر، مثل الشيخ ناصر الدين الألباني في كتابه (حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة)، وجمهور علماء الأزهر في مصر، وعلماء الزيتونة في تونس، والقرويين في المغرب، وغير قليل من علماء باكستان والهند وتركيا وغيرها.
ولكن ادِّعاء إجماع علماء العصر على هذا ليس صحيحًا، فمن العلماء في مصر من يعارض هذا القول.
وعلماء السعودية وعدد من بلاد الخليج يُعارضون هذا الرأي، وعلى رأسهم العالم الكبير الشيخ عبد العزيز بن باز.
وكذلك كثير من علماء باكستان والهند، يخالفونه، ويرون أن على المرأة أن تُغطي وجهها.
ومن أشهر الذين قالوا بذلك من كبار علماء باكستان ودُعاتِها: المجدد الإسلامي المعروف الأستاذ أبو الأعلى المودودي في كتابه الشهير: (الحجاب).
ومن المعاصرين الأحياء المنادين بوجوب تغطية الوجه الكاتب الإسلامي السوري المعروف الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، الذي أصدر في ذلك رسالة (إلى كل فتاة تؤمن بالله).
وهناك رسائل وفتاوى تظهر بين الحين والحين، تُنَدِّد بكشف الوجه، وتُنادِي الفتيات باسم الدين والإيمان، أن يَلتزِمنَ النقابَ، ولا يَخضَعنَ للعلماء (العصريين) الذين يُريدون أن يُطَوِّعُوا الدين للعصر، ولعلهم يَجعلونَني منهم!!.
فإذا وُجد من بنات المسلمين من تَقتنِعُ بهذا الرأي، وترى أن كشف الوجه حرام، وأن تغطيته فريضة، فكيف نَفرِضُ عليها الرأي الآخر، الذي تراه هي خطأً، ومخالفًا للنص؟
إنما نُنكِر عليها حقًّا إذا رأتْ أن تَفرِضَ هي رأيها على الآخرين أو الأخريات، وأن تَحكُمَ بالإثم أو الفِسْقِِ على كل من عمل بالرأي الآخر، وتَعتبِر هذا منكرًا يَجب محاربتُه، مع اتفاق المُحقِّقين من العلماء على أن لا إنكار في المسائل الاجتهادية الخلافية.
ولو أنكرنا عليها نحن العمل بالرأي الذي يُخالف رأينا ـ وهو رأي مُعتبَر داخل نطاق الفقه الإسلامي الرحب ـ لوقعنا نحن في المحظور، الذي نُقاوِمه وندعو إلى التحرر منه، وهو إلغاء الرأي الآخر، وعدمُ إعطائه حَقَّ الحياة، لمُجرد أنه يُخالفنا أو نُخالفه.
بل لو فُرض أن هذه المسلمة لا تَرى وجوب التغطية للوجه، وإنما تراه أورع وأتقى، خروجًا من الخلاف، وعملاً بالأحوط فقط، فمن ذا الذي يَمنعها من أن تأخذ بالأحوط فقط، فمن ذا الذي يمنعها من أن تأخذ بالأحوط لنفسها ودينها؟ وكيف يُسَوَّغ أن تُلامَ على ذلك ما دام هذا لا يؤذي أحدًا، ولا يَضُرُّ بمصلحة عامة ولا خاصة؟
فلم يقل أحد من علماء المسلمين في القديم أو الحديث بتحريم لبس النقاب على المرأة بصفة عامة، إلا ما جاء في حالة الإحرام فحسْب.
إنما اختلفوا فيه بين القول بالوجوب، والقول بالاستحباب، والقول بالجواز.
أما التحريم، فلا يُتصوَّرُ أن يقول به فقيه، بل ولا الكراهية، وقد عَجِبتُ كُلَّ العجب مما نشره أحد الكتاب من كلمات لبعض الأزهريين الذين قالوا: إن القول بتغطية الوجه تحريم لما أ‍َحَلَّ الله، وهو قولُ مَن ليس له في الكتاب والسنة أو الفقه وأصوله قَدَمٌ راسخة!
ولو كان الأمر مجرد مباح ـ كما هو الرأي الذي أختاره ولم يكن واجبًا ولا مُستَحَبًّا ـ لكان من حق المسلمة أن تُمارِسه، ولم يَجُزْ لأحد أن يَمنعها منه؛ لأنه خالصُ حقها الشخصي، وليس في ممارسته إخلال بواجب، ولا إضرار بأحد.
والدساتير الوضعية نفسها تُقرِّر هذه الحقوق الشخصية، وتحميها، كما تحميها مواثيق حقوق الإنسان.
وكيف نُنكِر على المسلمة المتديِّنَة أن تَلبَس النقاب، مع أن من زميلاتها من طالبات الجامعة، من تلبس الثياب القصيرة ـ والمبالغة في القصر ـ والشَّفَّافَةَ والمُجسِّمَة للمَفاتِن، وتضع من (ألوان المكياج) ما تَضع، ولا يُنكِر عليهن أحد، باعتبار أن هذا من الحرية الشخصية! مع أن هذا اللباس الذي يَشِفُّ أو يَصِفُ، أو لا يُغطِّي ما عدا الوجه واليدين والقدمين من الجسم، مُحَرَّم شرعًا بإجماع المسلمين؟!
ولو مَنع هذا مانع من المسئولين في الجامعة، لأيَّده الشرع والدستور الذي نص على أن دين الدولة (الإسلام)، وأن أحكام الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.
ومع هذا لم يمنعه أحد.
فيا عجبًا كيف تُترَك الحريةُ للكاسيات العاريات، المميلات المائلات، ولا يَتعرَّض لهن أحد ببنتِ شَفَةٍ، كما يقولون، ثم يُصَبُّ جَامُّ السُّخْطِ كله، واللوم كله، على ربَّاتِ النقاب، اللائي يَعتقدن أن ذلك من الدين الذي لا يَجوز التفريط أو التساهل فيه؟
فلِلَّهِ الأمر من قبلُ ومن بعدُ، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
والله أعلم.
الفتوى منشورة في الجزء الثاني من كتاب فتاوى معاصرة للشيخ القرضاوي.



الأحد، 4 مارس 2012

قصة زاهد في القرن الواحد و العشرين

وصلتني رسالة الكترونية من الأخ الفاضل أحمد أبو رتيمة يستعرض بعض الانطباعات خلال زيارته لتونس و التقائه ببعض قياديي حركة النهضة و ما عانه مناضليها في حكم المخلوع بن علي كما كشفت هذه المعاناة الصدق و الصبر و التمسك بالحق و بالإسلام كمنهج حياة أنشر فيما يلي فحوى هذه الرسالة
زرت المغرب وتونس خلال الأسبوع الماضي بغرض التواصل مع شركائنا في مناصرة القضية الفلسطينية للتباحث في سبل مشاركة أقطار المغرب العربي في إنجاح مسيرة القدس العالمية التي ستنظم في 30 من شهر مارس الجاري، فأجريت اتصالات كثيرة والتقيت شخصيات مهمة في البلدين، وكانت تلك اللقاءات مهمة ونافعة كلها، والأشخاص الذين لقيتهم فضلاء محترمون جميعهم، ولكن أقول بلا مبالغة بأنني لم أسمع حديثا هز كياني وبلل مقلتي وانتفعت به نفعا لا يعادله شيء في أسفاري هذه كالحديث الذي سمعته عن الأستاذ صالح بن عبد الله بوغانمي التونسي. كل الذين التقيتهم في البلدين الشقيقين معروفون وقد صاروا اليوم بعد نجاحهم أعلاما، ولكن سي صالح غير معروف عند عموم الناس. ولئن كان الحديث عن أولئك السادة المشهورين مفيدا فإن الحديث عن مثل هذا الرجل المغمور أفيد حتى يعلم الناس بأن في الأمة أخيارا،       وقادة المشروع الإسلامي رجالا تُستمطر بهم الرحمات وينزل بهم النصر و التمكين، لا يعرفهم أحد و لا ينتبه لفضلهم إلا القليل. صالح بن عبد الله بوغانمي قائد من قادة حركة "النهضة" واصل دراسة القانون في أرقى الجامعات الفرنسية ونال فيها أعلى الشهادات، وبعد عودته لتونس صار قاضيا مُبجّلا ومحترما بين أقرانه، وحينما انتبه إليه الحاكم المستبد ألقى عليه القبض وأدخله السجن ولكنه لم يجد قاضيا يحكم عليه الحكم القاسي الذي يريده للهيبة التي كان يتمتع بها الرجل في سلك القضاء وبعد سنة ونيف أُطلِق سراحُه ولكنه حوصر في رزقه فطُرِد من العمل نهائيا ولم يُمكّن من أي وظيفة أخرى تحفظ له كرامته وكرامة أسرته. لقد جعل هذا الظلم صالحا في وضع رجل بطال صالح فقير لا يملك شهادة و لا خبرة عليه أن يتدبر حاله لكي يعيش ... ليأكل و يشرب فحسب.

      قرر سي صالح أن يعمل أي عمل يكسب به شيئا من المال الحلال حتى لا يصبح عالة على الناس يعطونه يوما ويحرمونه يوما، أو ربما لكي لا يتسبب في معاقبة من تسول له نفسه أن يعينه. رضي عالم القانون وخريج الجامعات الأوروبية والقاضي المحترم أن يزاول عملا لا يخطر على البال، أصبح سي صالح يترقب الأسواق حتى تنفض فيعمد إلى جمع ما يتركه الباعة على الأرصفة والطرقات من كراتين وبضائع فاسدة فيفرزها وينظفها ثم يبيعها بما يفتح الله به. وبعد سنوات من الكد في هذا العمل، الذي يفضل كثير من فقراء اليوم أن يتسولوا ويتشردوا ولا يعملونه، استطاع أن يشتري عربة صغيرة تجرها دراجة نارية يحمل عليها خضرا وفواكه يشتريها من أسواق الجملة ويبيعها خفية عن أعين الشرطة المتربصة. لم يكن الحاكم المستبد و شرطته يكترثون لما يفعله القاضي لكي يعيش في بداية الأمر، بل ربما كان الطاغية الساديُّ يتلذذ بذلك... أن حول عالما مرموقا إلى مشتغل في الزبالة وبائع خضر.
     في الوقت الذي كان سي صالح يكابد عناء الظلم والفقر كان أغلب قادة "النهضة" و مناضليها في السجن أو في المهجر، فاتفق من بقي منهم في تونس خارج السجن على تعيينه رئيسا لتنظيمهم السري، وكانت مهمة التنظيم تتعلق خصوصا بالرعاية الاجتماعية لأسر المسجونين والمهجرين وقضايا حقوق الإنسان والاتصالات والعلاقات السياسية الممكنة. تواصلت رئاسة صالح بوغانمي لهذا الإطار التنظيمي من 1991 إلى غاية 2004 دون أن يكشف البوليس السياسي أمره، وكانت تصله أثناء ذلك مساعدات مالية من تنظيم "النهضة" في المهجر ليوزعها على المعنيين بها. كان سي صالح من هؤلاء المعنيين، وكان من حقه أن يأخذ لنفسه قسطا من ذلك المال، بل كان هذا واجبه، فمآسيه كلها بسبب انتمائه وثباته على فكرته، ولو فعل ذلك ما لامه أحد. لم يفعل هذا الأمين الزاهد ذلك، لقد فضل أن يكون فقيرا يعيش من عمل يديه لم تحدثه نفسه بأنه هو ذلك
الدكتور الذي وطئت قدماه الصروح العلمية الراقية، وجلجل صوته في المحاكم و قصور العدالة فكيف يقبل أن يكدح كدح المساكين والمال جار بين يديه، يوزعه على الناس ولا يأخذ منه شيئا.

     كان محدثي عبد الكريم سليمان أحد أعضاء المكتب الجديد في "النهضة" متأثرا جدا وهو يقص علي هذه القصة على مائدة الغداء في مطعم دار الجلد الفاخر الملتصق بمقر رئاسة الحكومة الذي لا تُحكى فيه مثل هذه القصص عادة. لقد كان عبد الكريم رفيق سي صالح في القيادة داخل تونس في تلك الفترة كلها ورأى معاناته وتعففه بنفسه. حاولت أن أهون عليه بأن أخذت منه الكلمة حين تحجرجت الكلمات في حلقه، وبدأت أحدثه عن أهمية هذا النوع من الرجال في تثبيت الفكرة وثبات أهلها وعن الفائدة التربوية لذكر هذه القصص للأجيال، وأخذت أقص عليه قصة أخرى من هذا القبيل في سياق مختلف وبيئة مغايرة، فذكرت له حال رجل فاضل عندنا عيّنه إخوانه في مجلس الأمة دون استشارته فغضب غضبا شديدا، ولما عجز عن تقديم استقالته اعتبر ذلك بلاء نزل عليه من السماء وقرر أن لا يأخذ من راتبه كنائب سوى ما يعادل أجرته العادية كأستاذ جامعي، وبقي يتصدق بالباقي طيلة عهدته وبعدها.حينما سمع صديقي هذه القصة ازداد تأثرا وفاض الدمع في عينيه قائلا: "سأحكي لك ما هو أغرب" قال لي: "اتفقنا ذات يوم في مكتبنا السري بأن نجعل لسي صالح مُرتّبا شهريا على أن يتوقف عن جر عربة الخضار والتنقل بين الأسواق فرفض ذلك، ولما اتُّخِذ القرار بإجماع تام ناقص صوت واحد هو صوته، قال لنا بأنه لا بد أن يستمر في بيع الخضار بطريقة ما لفترة أخرى رغم هذه الأجرة، حتى لا ينتبه البوليس السياسي بأنه قد أضحى يأخذ أجرا من جهة ما فيضايقه وربما يُكشف أمر الجميع فاقتنعنا بذلك، فإذا بنا نكتشف ذات يوم أن ثمة محتاجين آخرين لم يكن هو المكلف بهم تصلهم المساعدات عن طريقه، فلما دققنا في الأمر علمنا بأن الأجر الذي يأخذه لا يستعمل منه شيئا و يعطيه كله لغيره
     في سنة 2004 أُطلِق سراح بعض قيادات حركة "النهضة" فقرر سي صالح أن يسلم لأحدهم المشعل بمبادرة منه، وبعد انتخابات داخلية سرية حل محله حمادي الجبالي -رئيس الحكومة الحالي- على رأس الحركة في داخل تونس، واستمر هو يناضل في القاعدة ويتردد على الأسواق يبيع الخضار للناس ويهب القدوة الصالحة للجميع. وفي يوم من أيام تونس الكالحة بالظلم والعابسة بالطغيان يكون فيها الطاغية قد شعر بشيء ما عن نضاله اعتدت عليه مجموعة من رجال الأمن بالضرب بحجة عمله غير المرخص له، ثم كبُرت القضية فحُكم عليه بست سنوات سجنا في المحكمة الابتدائية، وأثناء استئنافه للقضية وقبل النطق بالحكم النهائي تعرض شاب جامعي من سيدي بوزيد اسمه البوعزيزي لنفس الإهانة في قصة غريبة التشابه مع ما حدث لسي صالح فأحرق نفسه وأذن باندلاع الثورة التونسية و"بن علي هرب" وجرت الانتخابات ونجح المظلومون وصار المهجّرون والمضطهدون والمسجونون هم حكام تونس، وفُتحت دروبُ المجد وصُروحُ الحكم وبهارج السلطة والجاه لسي صالح ليختار منها ما يشاء وهو الأحق بها، لا يزاحمه على أبوابها أحد، ولا يُستغرب من اهتباله لها شيء،      يكون فيها الوزير بلا غرابه أو النائب بكل جدارة.... ولكنه لم يفعل.
     اختار صالح بن عبد الله بوغانمي التونسي أن يعود بكل طواعية للقضاء، وظيفته الأصلية فحسب. ربما يكون سي صالح قد فعل ذلك حبا لوظيفته، أو لتعفف في سجيته، أو ادخارا لأجره كله عند ربه، ولست أدري هل هو الذي حرم نفسه من منصب لم يأخذه أم المنصب الذي لم يأخذه هو المحروم، ولست أدري هل هو يدري بالبعد القيمي الذي أعطاه للعمل السياسي والشهادة التي أقامها على السياسيين من كل الآفاق، والآثار التربوية التي تركها صنيعُه في نفوس العاملين في الحقل الإسلامي في كل الأقطار... إنها الغاية التي كتبت من أجلها هذا المقال.