السبت، 10 أغسطس 2019

الوعي القصدي في فلسفة جون روجرز. سيرل


د. علي محمد اليوسف /الموصل


تعريف أولي:
     منذ القرن السابع عشر عصر ديكارت أخذ مبحث (الوعي) في الفلسفة اهتماما استثنائيا في أعقاب إطلاق كوجيتو ديكارت أنا أفكر.... الذي كان قمّة الوعي الذاتي المثالي في جعل الواقع الخارجي وجودا لا أهمية له في امتلاك الوعي الفردي القصدي لمعرفة الذات..
      في أعقاب مجيء فلاسفة عديدين على مراحل زمنية متباعدة ظهر الفيلسوف برينتانو بمقولته (إن اللا وجود القصدي هو ككل هدف قصدي موضوع ومضمون مختلفان) وسنجد تأثير هذه العبارة على سيرل.. ليعقب –برينتانو-  تلميذه هوسرل مستعيرا قصدية الوعي منه في شرح معنى إدراك الذات على أنها إشباع لوعي معرفي هادف في شيء محدد مقصود  سلفا في وجوب الإدراك بلوغه.. وبذلك تأثر تلميذه من بعده، هيدجر في اعتباره الوعي القصدي هو نتاج الواقع المادي الذي لا يكون له معنى ما لم يكن وعيا ديناميكيا في عالم مؤكدا أهمية الوجود المجتمعي ومقصّيا وعي الفردية الذاتية في سلبيتها. وجاء سارتر ليتوّج ذلك في الوجودية أن الوجود سابق على الوعي به ليلتقي بالفهم المادي الماركسي من غير رغبة منه بذلك وإنما مكرها لخلاصه من مثالية ديكارت الذاتية المقفلة في علاقة الأنا بكل من الفكر والوجود.. وخروج سارتر لاحقا على الماركسية نفسها في جوانب فلسفية خلافية عديدة أفادت منها الفلسفة البنيوية كثيرا في نقدها القاسي للماركسية لدى كل من التوسير، وشتراوس، وفوكو، وبياجيه.. وغيرهم.
     الفيلسوف الأمريكي المعاصر جون سيرل ناقش موضوع الوعي والقصدية من منطلق مغاير تماما هو تعالق فعاليات اللغة والعقل والوعي والقصدية وحاسة البصر والإشباع والشخصانية في تحقق تجربة الإدراك بما أطلق عليه فلسفة العقل واللغة وهو مبحث تخصصه الفلسفي.. وكان سيرل أبرز الفلاسفة المعاصرين الذين تناولوا دور القصدية في الوعي وارتباطها مع كل من الإدراك الذاتي واللغة والعقل، وكان في فلسفته قريبا من فينجشتين الذي أعتمده في بعض طروحاته في فلسفة اللغة، مبتعدا عن جاك دريدا الذي فهم اللغة فهما تجريديا جعلها تدور في فلك التقويض غير الهادف لتحقيق فائض المعنى، وأعتبر اللغة على أنها كلمات في ترتيب معيّن مجّرد عن نيّة وقصدية المتكلم، مؤكدا سيرل قدرة العقل على تمّثل الأشياء، وأن جميع الحالات القصدية أنما هي سعي نحو شيء معين نتمّثله إدراكيا.. وبهذا الفهم الوظيفي القصدي للعقل واللغة خرج سيرل تماما على مقولة دريدا الذي يفهم التفكيك اللغوي نظام استراتيجي من التقويض والهدم المستمر في تناول النص اللغوي بمعزل عن أية علاقة له بغيره.. وفي إلغاء دريدا مبدأ الإحالة على أيّا مما أطلق عليها لمرجعيات الميتافيزيقية الثابتة التي يأتي في مقدمتها إلغاء هيمنة العقل باعتباره من سرديات ميتافيزيقا الحداثة الواجب مجاوزته كما بشّرت به ما بعد الحداثة لاحقا لتفتح الطريق واسعا أمام استهداف البنيوية لمرتكزات الحداثة في العقل ومركزية الإنسان وما أطلق عليه السرديات الكبرى من ضمنها الماركسية.. وتبنى دريدا هذه المباحث في التفكيكية بتطرف لغوي لا يزال مثار جدل واسع....
          جون سيرل وقصدية الوعي
     يذهب سيرل أنه استنادا إلى تقليد معرفي في الفلسفة المثالية فرضية خاطئة معتمدة تلك هي أننا لا يمكننا إدراك العالم الحقيقي بصورة مباشرة، وهي تشبه محاولة شخص تطوير علم الرياضيات على افتراض عدم وجود الأرقام[1].
     بضوء ما مر بنا في عبارة سيرل أن إدراك العالم الحقيقي لا يتم عبر الإحساسات المنقولة للدماغ بصدقية يعتمدها الإدراك العقلي المباشر وهو طرح سليم ودقيق، ومن هنا يكون الإدراك العقلي منقوصا ويفقد الواقع الحقيقي كموضوع للإدراك الكثير من مزاياه، هذا من جهة.. من جهة أخرى يتمّثل عدم إمكانية معرفة الواقع على حقيقته في تعّذر الإدراك الحقيقي المباشر له، إن وسيلة العقل الإدراكية للعالم الخارجي تقوم أساسا على تأطير صادرات الإحساسات المنقولة إلى الدماغ بزمن إدراكها الذي يجعلها متعيّنا مكانيا – زمانيا- في بنية واحدة لا تنفصم، وبغير هذه الآلية يتعذّر على الإدراك العقلي أن يكون واقعيا وسليما في إدراكه الأشياء المنّظم  فكريا بعيدا عن الإدراكات الهلاوسية الناقصة، فجوهر الإدراك هو الوعي بموضوع يأتي الدماغ ويستلمه عبر منفذ الحواس، أي بمادة خام يكون مصدرها بالنسبة للعالم الخارجي الحواس والزمن الذي يحتويها وجودا، أو بالنسبة لموضوع الخيال المستمد من الذاكرة تأمليا استرجاعيا في فعالية ذهنية تجريدية لا يكون فيها الموضوع متعّينا وجودا في عالم الأشياء.. وبخلاف هذين الآليتين لا يكون هناك إدراك للواقع الحقيقي سليم يعتمده العقل أو الدماغ تحديدا.. ويبقى الإدراك القصدي ناقصا تماما في تعّذر إدراك العالم الحقيقي مباشرة بفهم يمّكن العقل من معالجته لمواضيع ادراكاته بالمقولات التي تجعل من المدركات مواضيع معرفية وليس مواضيع إشباعات بيولوجية خالصة.. ويوجد فرق بين الإدراك المعرفي والإدراك الغريزي يتضح معنا لاحقا أكثر..
     إننا نفهم الوعي المثالي المتطرف عند كل من بيركلي وهيوم وجون لوك باعتبارهم موضوعات العالم الخارجي ما هي سوى انطباعات في الذهن وأفكار العقل المجردة، وأنكر بيركلي وجود المادة ليتبعه هيوم بتطرف أكثر في إلغائه العقل ونظام السببية معتبرا إياها خبرة متراكمة تجريبية يتعوّدها العقل بالتكرار المستمر ليجعل منها قانونا يحكم نظام الأشياء في العالم الخارجي والطبيعة..
     وينتقد سيرل ديفيد هيوم حول مفهوم السببية بشراسة قائلا: (في الفلسفة التحليلية عانت المناقشات حول مفهوم السببية تقليديا من المفهوم الهيومي–نسبة الى هيوم – القاصر على نحو سخيف، فمن هذا المنظور التقليدي تكون السببية دائما علاقة بين أحداث منفصلة تعمم قانونا، وأما العلاقة السببية وهي العلاقة الضرورية فلا يمكن معايشتها أبدا، هذا الرأي غير كاف فنحن نعيش في بحر من السببية التي نعايشها بصورة واعية، وعلى العكس تماما في كل مرة تدرك فيها أي شيء أو تقوم بأي شيء عن قصد فإنك بذلك تمارس وتشهد علاقة سببية[2])
     والصحيح أيضا أن العقل وتحديدا وسيلته الإدراكية الحواس والدماغ لا يتعامل مع مواضيع مدركاته المادية أو الخيالية إلا بتجريد فكري تصوري ذهني يتم داخل الدماغ، والحقيقة التي لا يجهلها العديدون أن النظرة أو المنهج المثالي هو نفسه ينطبق عليه التفكير المادي بالاحتكام كليهما إلى مرجعية العقل، فالمثالية التجريبية تعطي العقل أرجحية قصوى في الإدراك، ومثلها وربما أكثر تنحو المادية في اعتمادها العقل كمنهج وحيد في المعرفة العلمية والحقيقية... اشتراك كل من الفلسفتين المادية والمثالية في مرجعية العقل في اختلاف جوهري لا يمكن طمسه أو إغفاله، فالمثالية تعتمد العقل في إنتاجه الواقع المجرد فكريا بالذهن, بينما المادية تعتمد العقل انعكاسا للوجود المادي لعالم الأشياء في إنتاجية الفكر جدليا مع الواقع بعرى وثيقة من الديالكتيك متخار جبينهما..ولا وجود مادي مدرك لا ارتباط مع فكر إنساني...
     لكن يبقى العقل في أي نوع من التفكير الإدراكي والمعرفي بحاجة إلى متعّين مادي يكون مادة خام لوعيه الإدراكي يمثّل موضوعه.. وهذا ما تتوفر علية الأشياء في عالم الموجودات الواقعي عبر الحواس أو عالم الموضوعات في وجودها الافتراضي المستمد من الذاكرة التخيلية الاسترجاعية وهذا يقاطع مقولة سيرل (التجربة الواعية ليست موضوعا للإدراك، فهي في الواقع تجربة الإدراك[3]).
     في هذه المقولة نعجز عن فهم محدّد ماذا يعني لنا الوعي، وماذا تعني لنا القصدية، وماذا يعني لنا الإدراك العقلي، وماذا يعني لنا موضوع الإدراك، فجميع هذه الفعاليات الإدراكية وتوابعها تجمعها تلك المقولة في ما أطلق عليه (تجربة)الإدراك.. الوعي الإدراكي القصدي يحتاج إلى إشباع معرفي لمدركاته لا تنفصل عن مواضيعها الإدراكية من خلال التجربة الإدراكية لموضوعات معرفية تختلف تماما عن إشباع القصدية لغرائز إدراكية بيولوجية مثل إشباع العطش والجوع والجنس.. في هذا النوع من الإدراك البيولوجي يكون الإشباع استهلاكيا بمعنى نهاية تجربة الإدراك في الإشباع البيولوجي، بخلاف الإشباع الإدراكي المعرفي فهو يدّخر خزينا استراتيجيا معرفيا في الذاكرة..
     التجربة الإدراكية في المعرفة فعالية من فعاليات العقل (الدماغ) لكن موضوع الإدراك هو في كل الأحوال شكل ومضمون (محتوى) لموجود متعّين في عالم الأشياء غير مرتهن وجوده بأهمية الإدراك العقلي له.. ولا يمكن للإدراك القصدي المباشر الفصل بين محتوى الشيء ومضمونه، فالمرتبة الأولى للإدراك هي في معرفة الشيء كوجود فينومينولوجي موّحد بصفاته البائنة الخارجية التي ربما تكون معرفتها هي معرفة ماهيّة الشيء المحتجبة خلفها، وفي نفس المعنى تقريبا فعل منهج الفينامينالوجيا في إدراك الظواهر الخارجية فينومين والماهيات غير المدركة للوجود بذاته (نومين) وجاء هذا التمييز الذي أصبح تقليديا راسخا في فلسفة كانط..
     فإدراكنا وجود كرسي هو إدراك شخصاني انفرادي لموضوع يتألف من شكل ومحتوى متعيّن انطولوجيا، ولا يوجد مضمون من دون شكل يلازمه..كما لا يوجد شكل من دون مضمون يلازمه ويفصح عن ماهيته الانطولوجية كجوهر.. والإدراك يكون قصديا هادفا لإشباع رغبته الفطرية الغريزية أوفي الإشباع المعرفي، فإشباع غرائز فطرية عند الإنسان مثل الجوع والعطش والجنس هي من باب الإشباعات البيولوجية لأهداف الإدراكات القصدية، وهذه القصدية الإدراكية الإشباعية أنما تكون بعفوية بيولوجية تختلف عن قصدية الإدراك المعرفي للأشياء.. فالفعاليات الإدراكية القصدية الغريزية العفوية البيولوجية كما في حالات إشباع العطش والجوع والجنس وغيرها لا يكون العقل المدرك لإشباعها ملزما بتجربة أدراك قصدي هي أبعد من المتحقق الإشباعي البيولوجي لها.. وتكون القصدية هنا شخصانية مكتفية ذاتيا.. وهذه تختلف عن قصدية إشباع الموضوع غير الفطري الغريزي في الإلمام بتفسيره كمعرفة خالصة تبغي معرفة الشيء المدرك بخصائصه البائنة أو ماهيته المحتجبة لما يجعله العقل خزينا معرفيا استراتيجيا في الذاكرة.. ويختلف الوعي بحقائق الموجودات في الإدراك المعرفي عنه في الإشباع البيولوجي وفي هذا النوع من القصدية المعرفية (لا يكون الوعي بالشيء وعيا حقيقيا ألا بمقارنته الشخصانية الفردية بغيره من حالات الوعي الأخرى كجزء من الوعي الشخصاني الكلّي[4]) وهذا لا يتم بغير اعتماد الخزين المعرفي الاستراتيجي في الذاكرة التي هي بنك المعلومات المكتسبة بالخبرة العقلية والتجربة. فقد تكون موضوعات الوعي هي أداكات تتم في الذهن والخيال ألاسترجاعي من الذاكرة ولا يقابلها وجود متعيّن وحضور موضوعي في عالم الأشياء (وتمثل الأحلام شكلا من أشكال الوعي المختلف تماما عنه في حالات اليقظة )(5)أي الإدراك في موضوعات الخيال المستمد من الذاكرة جميعها تعتمد الشعور المسيطر عليه عقليا بينما لا يكون الشعور حاضرا في الأحلام لذا يكون الإدراك الحلمي اللاشعوري تداعيات متقطعة لا ينظمها إدراك تحسّسي مترابط ولا زمن تنظيمي لها..
     سبق لي في غير هذه المقالة أني أشرت بالفارق بين أحلام اليقظة وأحلام المنام أن الأولى تقترن بالشعور المنّظم زمنيا، والثانية هي تداعيات لا شعورية لا يقوم الزمن الإدراكي بتنظيمها.. لذا تكون الإدراكات في أحلام المنام ناقصة فهي تأتي على شكل تداعيات صورية ذهنية متقافزة تتخللها قطوعات تفتقد الزمن الإدراكي المنتظم لها مما يجعلها عسيرة على الفهم القائم على الوضوح الإدراكي المنظّم زمانيا كما في اليقظة..
خصائص الوعي القصدي
-       الوعي حقيقي غير قابل للاختزال[5]. بمعنى غير قابل للقفز من فوق آليات السياق الإدراكي الذي يبدأ بالحواس ولا ينتهي بالدماغ والجملة العصبية..
-       الوعي نوعي بمعنى ( هناك نوعية تجريبية لكل حالة واعية، والوعي شخصاني أنطولوجي لا تتم معايشته ألا من قبل موضوع بشري أو حيواني[6].
-       جميع ملامح الوعي ناتجة من دون استثناء عن عمليات بيولوجية – عصبونية داخل الدماغ ومنظومة الجهاز العصبي[7].
-       الوعي القصدي المعروف الوحيد هو الموجود في الجهاز العصبي للإنسان أو الحيوان..[8]
-       تجربة الوعي الإدراكي القصدية النوعية الشخصانية بكاملها هي جزء من مجال وعي إدراكي كلي[9]. بمعنى اشتراك أكثر من حاسة واحدة في تجربة الإدراك من جهة، وكل تجربة شخصانية تعتبر محدودة بالنسبة لتجارب لا حصر لها من ادراكاته وعي كلي متنوع بتعدد موضوعاته من جوانب أخرى.
-       مضمون الوعي القصدي يفيد معنى شروط الإشباع[10] بمعنى غاية وهدف الإدراك هو إشباع الرغبة في تحريك القصد نحو تحقيق غاية محددة يتوجب بلوغها..والوعي القصدي وعي هادف يتحدد بالذهن سلفا..
مفهوم التجربة الإدراكية
     يأخذ سيرل على الفيلسوف أ.ج. آير صاحب كتاب (أسس المعرفة التجريبية) في معرض بناء حجته على آراء مستمدة من هيوم بأن ما ندركه هو بيانات حسيّة.. ليطرح سيرل بضوء ذلك سؤاله :ما الموضوع الذي نحن واعون به مباشرة في حالة الإدراك إذا لم يكن جزءا من أي شيء مادي[11]؟ طبعا هنا كان تركيز سيرل على الإدراك والوعي القصدي الناتج عن رغبة الإشباع المعرفي التي تفترض سلفا تحقق الوجود الانطولوجي لمواضيع العالم الخارجي للأشياء كمجال إدراكي واقعي، وأغفل أمكانية قيام الإدراك على غير متعيّن مادي يحضر كموضوع كما ألمحنا له سابقا، فالعقل يقوم بفعل الإدراك القصدي في معالجته مواضيع إدراكية غير مادية مستمدة من الذاكرة التخيلية إلى جانب إدراكه مواضيع الواقع المادي, ولا وجود في حالة الإدراك القصدي التخيلي شرطا لموضوع يكون جزءا من شيء مادي كما في رغبة سيرل في عبارته السابقة.. ليس شرطا أن يكون الوعي الإدراكي بموضوع يمّثل جزءا من واقع مادي حصرا، فالخيال الإدراكي يستطيع التعامل مع موضوعات لا وجود لعلاقة أنطولوجية لها تربطها بحواس الإدراك ..
     ويضرب سيرل مثالا: عندما يرى الرجل سرابا في الصحراء فهو بالتالي لا يدرك أي شيء مادي، لأن الواحة التي يعتقد أنّه يراها غير موجودة أصلا[12].. ويأخذ سيرل على (آير) أنه هو وفلاسفة آخرون يقولون مع هذا (أن تلك التجربة في رؤية الواحة ليست تجربة تتعلق بلا شيء ومن هنا فلها مضمون محدد[13]). وبضوء هذا الفهم الإدراكي يتضح معنا أباحة صحة الذهاب إلى أن الإدراك هو معايشة بيانات حسية مستمدة من الذاكرة والذهن كما يرى هيوم، ولا يختلف الحال مع أدراك موضوع ماثل متعّين وجودا أو مع موضوع غير موجود واقعيا حقيقيا.. يكونان سببا في بعث إدراكات الإحساسات، وهو تأويل صحيح في تتبعنا آلية الوعي الإدراكي وليس قصديته...
     من الملاحظ رفض سيرل أن المضمون في حد ذاته يمّثل موضوع التجربة مؤكدا على ما عزاه أنه خطأ (آير) قوله (أن تجربة الواحة للرائي ليس تجربة لا تتعلق بلا  شيء، بل التجربة هنا تتحدد بموضوع محدد[14]).
ولتوضيح هذا الالتباس يذهب سيرل الى (أن المضمون القصدي الذي هو الموضوع في المعنى البنيوي – يقصد في واقع تجربة الإدراك الحقيقي النسقي الكلي– ليس هو ذات الموضوع في المعنى القصدي[15]).
في هذا التفريق يؤكد سيرل وجهة نظره الفلسفية أن تجربة الإدراك إنما تقوم على موضوع يتخذ صفته ومعناه الوجودي – البنيوي في ممارسة تجربة الإدراك الواقعة عليه في وجوده وفي غيابه على السواء.. فالموضوع هو في المحصلة النهائية التي تفرض نفسها هو وجود أنطولوجي مستقل بذاته في حالتي الإدراك المباشر له أو في حالة معاملته كموضوع للإدراك يفتقد الوجود المادي المتعيّن واقعيا..وربما لا ينطبق هذا على مثال سراب الواحة كما أوحى سيرل بذلك..
           هل يتم الوعي القصدي خارج الدماغ؟
     ينقل جون سيرل عن الفيلسوف الأمريكي (الفا نوي) في مقال لهذا الأخير بعنوان (تجربة من دون رأس) إلى أن الوعي الإدراكي القصدي يمكن أن يتم خارج الدماغ ,موضحا قوله (أن تجربتنا في الوعي غير معتمدة فقط على ما يتمّثل في أدمغتنا، بل يعتمد على تفاعلات دينامية بين أقطاب الوعي – الدماغ -  والجسم -  والبيئة[16]).
الوعي القصدي عند سيرل يشمل جميع حالات الذهن ولا ينفك عنها، حتى أنه يرى في تصّور حالة ذهنية غير واعية، عبارة متناقضة ذاتيا، وبحسب رأيه الوجود مادة صماء فمن أين يأتي الوعي؟ ويرى أن الوعي لا بل العقل كله ظاهرة بيولوجية مادية بالكامل وهو المذهب المعروف بالطبيعانية البيولوجية.. نلاحظ للمرة الثانية سيرل يكرر فهمه الفلسفي أن موضوع الإدراك القصدي هو المتعّين انطولوجيا في عالم الأشياء فقط، وقد قمنا توضيح هذه المسألة في سطور سابقة من هذه الورقة البحثية..

اللغة والعقل في الوعي القصدي
     سعى سيرل إلى اكتشاف طبيعة الارتباط بين اللغة والعقل فهما يتوّجهان إلى أدراك الأشياء معا، فيتمّثل العقل الشيء ويقصده بالتزامن مع استحضار لغة التعبير فيه، تزامنا يكاد يكون آنيا ويطرح سيرل بهذا المعنى سؤالا لمن تكون الأسبقية للعقل أم للغة؟ ويجيب على تساؤله عن الأسبقية للعقل مؤكدا وجهة نظره التي ضمنها مقدمة كتابه (القصدية ) حيث جاء في فلسفة العقل من الكتاب المنشور عام 1983، أن الافتراض الأساسي القائم وراء تناولي لمشكلات اللغة هو أن فلسفة اللغة هي فرع من فلسفة العقل[17].
     ويطلق سيرل على أن الهلوسة الإدراكية (الواعية) لا تمتلك موضوعا من أيّ نوع كان , وتعقيبنا أن هلاوسا الإدراكات غير (واعية) تماما بموضوعها وليس كما ورد أنها (واعية) في امتلاكها مضمونا ولا تمتلك موضوعا، ويتعّذّر التفكير في وعي إدراكي لا يحمل موضوعه المتعيّن كمادة إدراكه الملازمة له، ولا يشترط في موضوع الإدراك أن يكون متعينا انطولوجيا بل من الممكن أن يكون الموضوع مستحدثا من الذاكرة الاسترجاعية، وبخلاف الهلاوس غير المنتجة تكون إدراكات الاسترجاعات التذكرّية واعية تحمل موضوعها معها في ملازمة تخليق الإدراكات المجردة في الذهن.. وحالة الإدراكات الهلاوسية تكون حالة من تداعيات الصور الذهنية المرتبطة الدلالة بغير موضوع واحد محدد، وتجارب الهلوسات الإدراكية التي لا تحمل موضوعها الإدراكي معها بوعي كاف لا تعبّر عن تجربة واقعية من الممكن تصديق حدوثها الواقعي.. وإلا كيف لنا تعليل سلسلة الإدراكات التي يمتزج بها اللاشعور الهلاوسي مع الوعي الشعوري التام بأكثر من موضوع تخيلي كما نجده في معظم الإبداعات الفنية والأدبية وبالتحديد في الشعر؟؟ ففي مثالنا هذا لا نستطيع القطع أن تلك التجارب الإدراكية هي من نوع الهلاوس غير المنتجة التي تفتقد موضوعها..بل هي تمتلك موضوعها بكل جدارة واستحقاق.
تلخيص ختامي
1)   يذهب سيرل أن الوعي الإدراكي القصدي ظاهرة بيولوجية, أي أنه وعي شخصاني نوعي أنطولوجي وهو جزء من مجال وعي كلي شامل[18].
هنا بضوء هذا التعريف يجب التفريق بين موضوع الإدراك المعرفي الذي لا يشترط حسب فهمنا أن يكون إشباعا بيولوجيا كما في مثال الإشباع الغريزي الجنس والجوع والعطش وغيرها، وبين الموضوع المدرك في الوعي القصدي في مجال المعرفة والسعي لاكتسابها.. الذي يكون إدراكا نوعيا يخص بيولوجيا الإنسان كركن أساس تحديدا في اكتسابه المعرفة شخصانيا.. فهو إدراك بيولوجي على مستوى الشخص المدرك للأشياء وليس بيولوجيا على مستوى موضوع إدراكه..ومواضيع الإدراك القصدي نوعين موضوع أدراك معرفي, وموضوع أدراك غريزي فطري.. وكلاهما يشكلان هدفين متمايزين لتجربة الإدراك في إشباعهما...
2)   ينطلق سيرل من نظرة أحادية فينامينالوجية في الإدراك، تقوم على مرتكز محوري أن موضوع الإدراك هو المتعيّن انطولوجيا في عالم الأشياء المادية فقط، ويهمل الإدراكات الفكرية التي يكون منشؤها الذاكرة الاسترجاعية في أدراك موضوعاتها, ولا يناقشها في صفحات كتابه الموسوم (رؤية الأشياء كما هي) كفعالية إدراكية لا يمكن إهمالها.. وعنوان كتابه رؤية الأشياء.. أنما تقوم في تركيزه على المدركات الحسّية في الواقع فقط.. علما أن مدركات مواضيع الإدراك المستمد من الذاكرة أنما تنتج عنها جميع ضروب الإبداع في الأدب والفكر والثقافة والفنون وجميعها إدراكات قصدية حيوية في حياتنا وهكذا..
3)   يحدد سيرل أن محددات أي أدراك قصدي تتألف من ثلاثة عناصر فقط يؤكد عليها هي المدرك (بكسر الراء) أي الشخص، وثانيا موضوعه، أي موضوع الإدراك، وثالثا حاسّة الإبصار العين، التي تكون البداية منها في استقبالها ضوء الشيء المدرك الصادر منه, أي ضوء الموضوع المنبعث منه في تجربة الإدراك الساقط على شبكية العين.. ولا نعرف أهمية الإدراكات الناجمة عن بقية الحواس عند الإنسان كالسمع واللمس والتذوق والشم فجميعها تعتبر مصادر الإحساسات الأولية في عمليات الإدراكات لم يعرها سير لاهتمامه..كما لم يعر انتباها إلى الدماغ ومنظومة الجهاز العصبي الفاعل في أتمام عمليات الإدراكات.. ركّز كثيرا على أهمية العين فقط في تجربة الوعي الإدراكي المادي..وعنونة الكتاب هو (رؤية) بمعنى الإبصار في العين وعلاقتها بالوعي الإدراكي القصدي فقط هو محتوى الكتاب كاملا...
4)   ورد على لسان سيرل أن علاقة الإدراك في الهلوسة لا تنطبق على حالات الإدراك الحقيقي السليم, كون إدراكات الهلاوس لا تمتلك موضوعا حتى وأن امتلكت (وعيا) إدراكيا في مضمون متعيّن إدراكا، وناقشنا هذا الغموض في أسطر سابقة، فالوعي القصدي في إدراكات الهلاوس لا يمتلك وعيا مثمرا لكنه لا يعدم امتلاكه موضوعات إدراكية لا يشترط أن تكون مستمدة انطولوجيا من واقع الأشياء بل يمكن أن تكون مواضيع الإدراك الهلاوس منطلقها تداعيات الفكر الصادر عن الذاكرة... والوعي هو وعي بموضوع يتألف من شكل ومضمون ولا وعي من غير موضوع يدركه، لكن الموضوع المستقل لا يشترط بالوعي ملازما له..
5)   لكي يقوم سيرل في تأكيد رغبته أن إدراكات الهلوسة السيئة لا تمتلك (موضوعا) وقد تمتلك (مضمونا) إلى التفريق بين الموضوع ومضمونه في تجربتي الإدراك الحقيقية والسيئة أي بين تجربة الإدراك السليم وتجربة الهلوسة, وهذا التفريق لا يلغي ولا يلعب دورا حاسما بين التجربتين ويعبّر عن هذه الإشكالية المفتعلة قوله (في التجربتين– يقصد الحقيقية والهلاوسية-   يتكرر لدينا نفس الموضوع القصدي بالضبط ولكن في وجود موضوع قصدي في أحدى الحالتين فقط دون الأخرى[19])
    لا نعتقد العبارة سليمة من ناحية ترابط المعنى في خلوّها من التناقض بمعنى توفر الموضوع القصدي في التجربة الحقيقية وانعدامها في تجربة الهلوسة حتى وأن امتلكت مضمونا وليس موضوعا.. علما أن عبارة سيرل تشي باشتراك التجربتين في إدراكهما موضوعا واحدا....كما لا يمكن استساغة التفريق بين الموضوع ومضمونه في تجربة الإدراك الخطأ الذي زرعته الفينامينالوجيا في تكريسها ثنائية أدراك الظاهراتية هذا واستحالة أدراك النومين ذاك، عندما فصل منهج الفينامينالوجيا أدراك الأشياء في ظاهرياتها البائنة عنها في عدم أمكانية أدراك ومعرفة ماهيتها التي كان رسّخها كانط قبل هوسرل.. وفي العودة إلى علاقة شكل الموضوع مع مضمونه نرى استحالة أدراك مضمون متحرر عن موضوعه في (شكل) أنطولوجي يمكن إدراكه منفصلا غير مرتبط بموضوعه، فالمضمون هو محتوى ملازم لموضوع محدد في شكل..وأدراك موضوع كشكل أنطولوجي لا ينفصل عن مضمونه حتى وأن لم يدرك المضمون مباشرة كماهية أو جوهر..ولا يمكننا تصور إدراك مضمون بلا موضوع يؤطره.. ما يدرك كموضوع يدرك وحدة واحدة شكلا ومحتوى والثالث مرفوع على حد تعبير الفلاسفة..
6)   يطرح سيرل تساؤلا إشكاليا صعبا, يذهب إلى تدعيم صحته وصوابه كلا من فلاسفة الشكيّة التقليديين ديكارت وبيركلي وهيوم ولوك وكانط، هو أن كل ما يمكننا إدراكه هو تمثّلات تجاربنا الشخصية الفردانية صوريا عن الواقع, فهل يمكننا تعميم حقيقة مدركاتنا على الجانب الأخر(مجموع الآخرين[20]).
     لن نأخذ بتفنيد سيرل لهذا الادعاء لأن تفنيده يقوم على حجّة إشكالية قوامها مرتكز حاسة البصر (العين) في التجربة الإدراكية، وهناك إجماع على حقيقة ثابتة لا يمكننا العبور من فوقها هولا تتمكن الحواس من أدراك الأشياء على حقيقتها بصورة كاملة، كما لا يمكن للعقل تكوين أفكاره عن مدركاتنا كحقيقة قاطعة, وتبقى على الدوام إدراكاتنا ناقصة في معرفة العالم .. من جهة أخرى سحب سيرل التساؤل المار ذكره إلى مضمار التعبير اللغوي الالتباسي المعقد كما يطرحه فينجشتين, وهذا ما لا يعتمده فلاسفة الشكيّة الكلاسيكية بدءا من ديكارت وليس انتهاء بفلاسفة التحليلية الانجليزية جورج مور وبراتراندرسل من حيث أن الحواس خادعة ولا تحمل أكثر من نصف الحقيقة على الدوام كما هي اللغة أيضا خادعة ومخاتلة ومعرفة الواقع على حقيقته أمر غير متيّسر لا بالإدراك ولا بتعبير اللغة... كذلك فأن مخاتلة اللغة تنسحب على التعبير عن التجربة الفردية كما تنسحب على تعبير الإدراكات الجماعية أيضا ولا منجاة لأحد مما يعرف بخيانة اللغة...التجربة الحقيقية بالإدراك الشخصاني يمكننا تعميم بعض استنتاجاتها، من حيث أن مواضيع الإدراك في غالبيتها تكون متعّينات إدراكية ثابتة انطولوجيا تقريبا، بينما يكون الإدراك الذاتي متغيّرا ومتعددا بالنسبة لموضوع وجوده في حكم الإدراك الثابت أو ظاهرة تتسم بالثبات النسبي، وكذلك فالإدراك الفردي لا يتوّصل إلى حقائق علمية قاطعة بل الإدراك قسمة مشاعة أمام الجميع في ممارستها ضمن الإمكانيات المتعددة في تنوع الإدراكات الشخصانية في الإشباع القصدي، عليه تكون نتائج الاستدلال الإدراكي لا تلزم غير صاحب التجربة من الأخذ بها لدى أصحاب زوايا رصد متباينة أخرى.. يوجد تفاوت إدراكي بين شخص وآخر لكن لا يوجد تفاوت في إدراكنا حقيقة الوجود يسبق إدراكاتنا الفكرية عنه.. مما يجعل أمكانية الخطأ الجمعي متراجعا في أدراك الموضوع الواحد..
          علي محمد اليوسف /الموصل




[1] جون روجز سيرل: رؤية الأشياء كما هي، سلسلة عالم المعرفة، ترجمة، إيهاب عبد الرحيم، ص163.
[2] المصدر السابق، ص 34.
[3] ن.م، ص54
[4] ن.م، ص 59.
[5] ن.م، ص 57.
[6] ن.م، ص 57.
[7] ن.م، ص57.
[8] ن.م، ص 59.
[9] ن.م، ص 59.
[10] ن.م، ص 59.
[11] ن.م، ص 94.
[12] ن.م، ص94
[13] ن.م، ص 94.
[14] ن.م، ص 95.
[15] نقلا عن موقع إضاءات
[16] ن.م، ص 97.
[17] ن.م، ص97.
[18] ن.م ، ص 193.
[19] ن.م، ص181.
[20] ن.م، ص 194.

الخميس، 8 أغسطس 2019

مداخلة في التفكير الفلسفي

جدل الفكر والواقع
     نجد في التضاد الجدلي الهيجلي (أن حركة الأفكار هي نفسها حركة الأشياء، وصراع التضاد هو قانون النمو التطوري[1]) قصة الفلسفة ص 379.
     فموجودات الطبيعة ومكوناتها، والوجود والحياة والتاريخ بمجملها، تتداخل معها علاقة الفكر الإنساني وإرادة التغيير القائمة على رصد الفكر لحركة الأشياء في  تضادهما المستمر، ويرتبط الفكر والواقع بعلاقة جدلية متخارجة في التأثير لكليهما.. فالواقع لا يتطور بمعزل عن الفكر ولا الفكر يتطور بمعزل عن الواقع... ومعرفة حقيقة الأشياء تكون بمرجعية مقارنة خصائصها المدركة بما تختزنه الذاكرة في معرفة غيرها من الأشياء بالتجربة والتكرار.. فمعرفة الشيء لا تكون من غير مخزون تجريبي في الذهن يساعد على فهمه وتفسيره بالمقارنة المغايرة بغيره.. بمعنى معرفة الشيء لا تدرك من غير ذخيرة ذهنية مكتسبة ومختزنة بالذاكرة تخص غيره من الأشياء ليجد حضوره المعرفي الخاص به في تلك المقارنة المعرفية.. ولا يكون الدماغ خلوّا من المعارف القبلية الفطرية والمكتسبة في معرفته مواضيع الوعي والإدراك..
     التضاد الجدلي ليس قانونا يحكم الوجود والطبيعة في وجودهما المستقل وحسب.. وإنما هو ناتج تضاد الفكر الإنساني وتقاطعه مع تلك القوانين كعامل موضوعي خارجي يعمل على أنضاج الجدل الذاتي داخل الأشياء في تحقيق طفرات تغيراتها الكمية وتحوّلاتها الكيفية على السواء..والواقع في كل تمظهراته هو مواضيع الفكر والوعي، لكن لا يكون الفكر موضوعا مدركا من الواقع.. الواقع بجميع مكوناته واشتمالاته لا يدرك الفكر كما يدرك الفكر الواقع...
     الفكر يستمد فاعليته وحيويته الجدلية في التغيير من أسبقية أنطولوجيا الموجودات في العالم الخارجي عليه، التي يدخل معها الفكر في تضاد جدلي متخارج كعامل موضوعي مساعد لتطورها الذاتي، والموجودات التي يرصدها الفكر خارجيا أنما هي تحمل جدلها الخاص بها في التناقض الذاتي الداخلي الذي يحدد صفاتها الخارجية مع ماهيتها الذاتية أو جواهرها المحتجبة خلف صفاتها الخارجية البائنة.... مواضيع الإدراك الفكري تحمل تناقضين من الجدل، الأول هو الجدل الذي يعتمل داخل الأشياء ذاتيا ولا يقوى على تغييرها، الثاني هو التناقض الجدلي مع الفكر الخارجي الموضوعي الذي به ومن خلاله وناتجه يحصل التطور والانتقالات التغييرية في الأشياء..
     الأشياء والموجودات الواقعية المادية تدخل في علاقة تضاد خارجي مع الفكر الإنساني وإرادة التغيير المستمر وبذلك تمتلك قدراتها التطورية التي تكون معطلة ذاتيا في الأشياء قبل تداخل الجدل الفكري معها... ويكون ناتج هذه العلاقة الجدلية تطور كل من موجودات الواقع والفكر الإنساني المرتبط معها كليهما أي أن الفكر في الوقت الذي يستهدف الأشياء في التغيير هو الآخر يتغير أيضا في موازاة تغييره الأشياء... كما أن الموجودات والأشياء في العالم الخارجي والطبيعة لا تتغير ذاتيا بفعل التناقض الذي يعتمل داخلها، من غير ما في دخولها من تناقض جدلي مع الفكر الإنساني الذي هو العامل الموضوعي الخارجي في أحداث التطور المطلوب في واقع الأشياء والموجودات كما اشرنا له سابقا....الفكر يقود الموجودات إلى حالات ومراحل متغيرة تطورية مستمرة.. والفكر يقود الواقع ولا يقود الواقع الفكر، ومهمة الفكر تحفيز الجدل الذاتي داخل الأشياء في تحقيقه قفزات من حالة تطورية إلى حالة جديدة تطورية أخرى أكثر تقدما وهكذا..
     إن من المهم الإشارة له إلى أن الواقع لا يتغير ذاتيا ولا يغير الأفكار بقدر إمكانية وقدرات الأفكار تغييرها واقع الأشياء في سيرورتها التطورية... لكن يبقى الفكر ملزما أن يتغير هو أيضا في مواكبته التطور الحاصل في متغيرات الواقع ويكون تطوره سابقا على تطور واقع الأشياء باستمرار دائما.. وحركة التغيير في الواقع لا تستبق حركة التغيير بالفكر وإلا انعدم حضور تأثير وأهمية الفكر في قيادة تغييره الواقع .. وفي الوقت الذي يكون الفكر عاملا موضوعيا في تسريعه الجدل الذاتي التطوري المعتمل داخل الأشياء فهو يستمد من حركة الواقع المتغيرة تطوره هو الآخر في استباقه وتقدمه على حركة التغيير بالأشياء....الفكر يكون على الدوام سابقا حركة الأشياء ويكون في وضع قيادي في سحبه الموجودات وراءه في تطورها الحركي المتغير على الدوام، والفكر ليس انعكاس الواقع على وفق آلية ميكانيكية تفتقد الجدل التنموي بين الأشياء من جهة وتعلق الفكر تنمويا بها من جهة أخرى..
     عليه يمكننا القول أن الواقع بكل مكوناته وموجوداته المادية المستقلة إنما هي تحمل عوامل التضاد والتناقض داخليا لكنها تعجز عن أحداث التغيير المطلوب بقواها الذاتية المجردة عن قيادة الفكر لهذا التناقض بل في وجوب دخول تناقض الأشياء الذاتية مع الفكر الذي يمثل العامل الموضوعي المحرك لجدل التناقض الداخلي وإكسابه التطور المتلاحق على الدوام معه يحقق إرادة التغيير والتطور على مراحل من التجديد المستمر.. الفكر الجدلي التطوري في جوهره إرادة ملزمة في مناشدتها تغيير الواقع، والفكر الذي لا تقوده أرادة تحقيق الهدف يكون فكرا أعزلا من إمكانية قيادة تناقضات الواقع وفي تحقيق التطورات المستمرة فيه..
تعالق الواقع والفكر وبينهما العقل
     (العقل هو جوهر الكون، وتصميم الكون عقلي خالص ومطلق[2]) الفكر نتاج عقلي لا يعمل في غياب الواقع المادي للأشياء أو في غياب الموضوع المتخيل من الذاكرة، بمعنى الفكر لا فاعلية له تذكر في غياب مواضيع تفكيره المادية والخيالية، والفكر قوة مادية يكتسب ماديته من علاقته الجدلية بالواقع في تفاعله مع مواضيعه المدركة.. والفكر من غير مدركات مواضيعه لا قيمة له وغير موجود إذ بالموضوع المدرك وحده في تفاعله الجدلي به هو وحده الذي يحدد قيمة الفكر وأهميته.. الواقع والفكر وجهين لعملة واحدة لا يكتسب احدهما قيمته بمعزل عن الآخر أو في غياب حضور أحدهما المتعلق مع الآخر.. وحضور فاعلية العقل تكون إلى جانب الفكر بعّلة الفكر أنه نتاج عقلي بخلاف الواقع الذي هو وجود مستقل لا علاقة للعقل في إيجاده بل علاقة العقل به في وجوب تغييره.. العقل يكسب الفكر ماديته في تفاعله الجدلي مع الواقع، ويبقى الفكر والواقع وسيلتي إدراك العقل يؤثر بهما ويصوغهما حسب مقولاته العقلية لكنه يحتفظ بمسافة رصد وتخليق تجعل من استقلالية العقل حقيقة مطلقة على العكس من نسبيتي الواقع والفكر، فهما موضوعي إدراك عقلي وليس حقائق مطلقة خارج وصاية العقل عليهما..
التاريخ والفكر
      يبقى التاريخ في النهاية مسارا عشوائيا لمختلف الوقائع والأحداث لا تحكمه الضرورة الحتمية في إلزامها تطوره ذاتيا التاريخ لا يتطور تصاعديا بقوى خفية تلهمه التقدم إلى الأمام من غير إرادة إنسانية تقود حوادثه نحو الأفضل أو الأسوأ على السواء تبعا لنوعية الإرادة في تغيير ورسم مساراته الفوضوية التي تدخل عليه الصدف العفوية والصدف المصّنعة.. ولو كان التاريخ حتمية تطورية تحكمها الضرورة لما كانت ولادة العولمة لقيطا بعد انهيار منظومة الاتحاد السوفييتي فالعولمة لم تكن حتمية تحكمها الضرورة بل هي انبجاس تاريخي لقيط ولد من العشوائية والصدفة المصنّعة التي تحكم التاريخ أكثر منها حصيلة وثمرة روحية التاريخ التي كما تذهب له التنظيرات الفلسفية يسير بقوى خفيّة تقود مساره إلى مراحل متقدمة متصاعدة، التاريخ تحقيب زمني بعدي لا قبلي لا سيطرة للإنسان عليه قبل وقوعه وحدوثه ويبقى الاستدلال عليه في التحقيب الزمني له فقط وليس في تحقيبه الانثروبولوجي الذي هو متحفية التاريخ وليس حيوية التاريخ.. التاريخ ملهم.. نعم ملهم.. التاريخ يقود نفسه نحو غايات مرسوم بلوغها له سلفا... لا، معرفتنا للتاريخ هي معرفة الفكر للزمن.. إدراك لأحداث انثروبولوجية ماضية من العبث أن تحكم الأحياء في قانون كان الأجدر أن يحدث هذا ولم يحدث ذاك.. وهذا دليل قاطع على أن ل لتاريخ أخطاء قاتلة نتيجة فوضوية مساراته المتعثرة بالصدف العشوائية على الدوام.. والمسكوت عنه في التاريخ هو نبش والوقوف على فوضوية وعشوائية المسار التاريخي..
     يبقى فهمنا التاريخ أنه قراءة فكرية في النهاية، التاريخ يبقى حضوره كنتاج الفكر الذي يقود وقائع وأحداث التاريخ المتحفية الانثروبولوجية، وتورخة التاريخ في جوهرها عملية فكرية في تنظيم مسار التاريخ، والفكر هو إرادة التغيير الإنساني الهادف بعيدا وبمعزل عن إمكانية التاريخ أن يصنع تطوراته الخطيّة ذاتيا، ومن غير تنظيم الفكر الإنساني لعشوائية مسار التاريخ لا يخرج هذا الأخير من الإعاقة والصدف الطارئة على تشكيل أحداثه ووقائعه، وقائع وأحداث التاريخ هي نظام الأفكار المحكومة بإرادة التغيير المستمر الدائم نحو الأفضل..
المادة والفكر
     علاقة المادة بالفكر تعتبر أهم مبحث فلسفي أستحدث لاحقا بعد مبحثي الانطولوجيا والميتافيزيقا، منذ نشأة الفلسفة في القرن السادس قبل الميلاد، وعلى امتداد قرون طويلة من تاريخ الفلسفات المثالية وصل مبحث علاقة الفكر بالمادة إلى تمفصّل جوهري متميز بمجيء كلا من هيجل وفيورباخ وماركس في القرن التاسع عشر.. وقبل هذا التاريخ كانت الفلسفة بمجمل مباحثها نزعات مثالية صرفة اشتملت على إرهاصات مادية متناثرة لا يعّول عليها كثيرا تمّثلت في نزعات مادية بدائية لدى كل من ديمقريطس في الذرات الذي أخذها عنه لايبنتز في المناداة وهيرقليطس في الحركة والتغيير المستمرين اللذين يحكمان المادة وظواهر الحياة التي أخذها عنه هيجل في الحركة والديالكتيك..
     نستطيع الجزم أن الفلسفات جميعها إلى ما قبل القرن التاسع عشر وقبل مجيء ماركس، كانت فلسفات مثالية محورها الارتكازي هو الفكر التجريدي المحض الذي يعالج الواقع المادي بتصورات عقلية ذهنية تكتفي بتفسير بعض مظاهر الحياة ولا تمت بصلة لمحاولة تغييرها وتبديلها.. وقد ورثت النزعات الفلسفية المثالية الحديثة التي رافقت نشوء الماركسية المادية، أهمية أسبقية وأولوية الفكر على المادة معتبرة الفكر المجرد جوهر مستقل قائم بذاته يستطيع تفسير العالم ولا وجود لشيء أسمه مادة أو واقع خارجي يحتوي مكونات لا حصر لها، ولا وجود حتى لعقل خارج تصورات الذهن الواصلة عبر الحواس.. فقد أنكر بيركلي المادة في وجودها واقعيا في عالم الأشياء معتبرا إياها صورا في الذهن، وذهب ديفيد هيوم في نفس المنحى في إنكاره العقل ومبدأ العليّة السببية، معتبرا أن العلاقات التي تربط العلة بالمعلول هي تجربة تتكرس في الذاكرة بحكم التكرار والتجربة حتى تصبح العادة في حكمنا على الأشياء.. وفي نفس المنحى المثالي ذهبت التجريبية الانكليزية الحديثة والتحليلية عند جورج مور وبيراتر اندرسل مستفيدة من إرث كانط المثالي وبيكون التجريبي إلى إفشاء التفكير المثالي الفلسفي المناوئ للماركسية، كما عمدت الفلسفة البرجماتية الأمريكية في نفس المنحى لدى أقطابها ريتشارد بيرس، وليم جيمس، وجون ديوي.. الذين رفعوا شعارهم المعروف بالمنفعة العملية للأفكار، والأفكار صحيحة ليس باتساقها المنطقي بل بما تحمله من أمكانية تحقيق المنفعة الواقعية في الحياة..
     وبمجيء أقطاب المادية الماركسية الثلاثة هيجل، فيورباخ، وماركس، ظهرت الفلسفة المادية منتصف القرن التاسع عشر وبداية العشرين في أجلى صور التمايز عن المثالية، فقد بعث هيجل مبدأ الديالكتيك أو الجدل في تأكيده أهمية الحركة والتناقض، وذهب معاصره المنشق عنه فيورباخ إلى تبني نزعة مادية أراد تطبيقها تحديدا على نشأة الأديان في ثلاث من أهم مؤلفاته الفلسفية، ليأتي من بعدهما كلا من ماركس وأنجلز ليكملا المسيرة في وضع قوانين المادية الديالكتيكية على صعيد المادة، والمادية التاريخية على صعيد التطور الانثروبولوجي والسوسيولوجي الطبقي.. ومن الجدير الإشارة له في دراسة علاقة الفكر بالمادة التي أشبعت تناولا فكريا وفلسفيا لدى أقطاب فلاسفة المادية الماركسية بدءا من لينين وستالين وتروتسكي وروزا لوكسمبورغ ولوكاتشو غرامشي وعشرات وأكثر غيرهم.. أن علاقة الفكر بالمادة تفرض نوعية الفكر الذي هو حركة دائبة متغيّرة على الدوام في علاقته بالمادة التي تكون في حال من الحركة غير المدركة التي توهم بالسكون والثبات.. من جهة أخرى المادة ليست هي الفكر ولا الفكر هو المادة، فالمادة باعث للفكر وحافز له على تناول مواضيع ادراكاته بالتفسير والتحليل والتأويل والعّلة، والفكر الذي هو في سمته الأساسية المميزة له أنه عقلاني مصدره العقل تقابله المادة في لا عقلانيتها أنها لا تعي ذاتها ولا تدرك ما حولها ولا تفهم علاقاتها بغيرها، فهي وجود انطولوجي لا عقلاني مجرد من الفاعلية الإدراكية.. والمادة وجود لا يمتلك الإدراك لكنها تمثل موضوع الإدراك للفكر، المادة وجود سلبي لا قيمة حقيقية له من غير معالجة الفكر لها.
     أخيرا ما الذي يجعل أي من المذهبين الفلسفيين المادي أم المثالي قادرا على خدمة الإنسان ومواكبة تطور الحياة؟ طبعا هنا يبرز دور العلم في كلمة الفصل، فالعلم بمنجزاته الهائلة لم يعتمد الفلسفات المثالية التي لا تجد في الحياة غير تصورات الذهن المجردة المعزولة، وإنما يعتمد العلم التجربة التي تقوم على أسبقية المادة التي هي الركن الأساس في التفكير المادي والمثالي والعلمي على السواء..
الفكر واللغة
     اللغة والفكر لا يحضران سوّية إلا في محاولة تنفيذ ايعازات مصنع الحيوية العقلية في الأخبار الإدراكي العقلي عن موضوع جرى التفكير به عقليا واكتملت مهمة أعادته من العقل إلى عالم الأشياء كفكر جديد بلغة جديدة وليس كوجود سابق مستقل في عالم الأشياء.
     التساؤل الآن كيف تكون اللغة هي الفكر حسب ما تذهب له جميع نظريات علم اللغة واللسانيات المعاصرة، ولماذا يعجز إدراك العقل للأشياء التفريق بينهما أي بين الفكر واللغة أذا كانا يحملان مدلولين متباينين مختلفين في تعبيرهما عن الموضوع الواحد بأكثر من إدراك وتأويل واحد؟ وهل التفريق بين الفكر واللغة هو لغرض مصطلحي مجازي غير حقيقي ولا واقعي في التطبيق؟
     هنا اللغة والفكر الملازم لها في التعبير ليس بمقدورهما تفسير وجود الأشياء بمعزل أحدهما عن الأخر أي بمعزل اللغة عن الفكر، أو الفكر عن اللغة لأن في ذلك استحالة إدراكية تعجيزية للعقل في امتناع الفكر واللغة التعبير عما يرغب العقل التعبير عنه وجودا مدركا.
     إن في عجز الفلسفة الخروج عن نظرياتها المفترضة شبه الثابتة إن الفكر هو اللغة المعبّرة عنه، أو أن اللغة هي وعاء الفكر حسب دي سوسير، أو أن اللغة هي بيت الوجود كما عند هيدجر... وأن اللغة مبتدأ ومنتهى إدراك وجود الأشياء في العالم الخارجي... جميع هذه التعبيرات الفلسفية تفهم اللغة على إنها فعالية إدراكية عقلية في تحديد الفكرة أو الموضوع في تموقعها خارجيا كي يتم إدراك الشيء ومعرفته من قبل الآخرين من الذوات العقلية المدركة وهو صحيح إلى حد كبير ولا يتوفر مجال دحضه في الاحتكام للعقل وإدراكه الوجود.
     في هذه الحالة حين تكون اللغة هي تعبير عن فكرة متموضعة داخل أو خارج العقل، يستحيل الفصل بين اللغة والفكرة أو الموضوع المعّبر عنه بهما. بهما (الفكر واللغة) أصبح التفكير الذهني العقلي موضوعا ومتعيّنا وجودا في العالم الخارجي بعد تخليقه بمقولات العقل، وفي هذا يكون تفكير العقل خارجيا أو بالأحرى من أجل فهم الوجود الخارجي في مكوناته المستقلة.
     حين نقول تفكير العقل الداخلي المقصود به هو التفكير الصامت، أما تفكير العقل خارجيا فهو عندما يجري تعبير اللغة عن موضوع تفكير العقل واقعيا ماديا... وفي الواقع أن هذا التفريق في تفكير العقل داخليا صمتا وخارجيا بوسيلة اللغة، أنما هما في الأصل تفكير واحد للعقل في موضوع محدد مشترك يتميّز به بمعزل عن كل موجود مادي أو متخيّل مصدره الذاكرة... أي أن العقل واللغة والفكر يجمعهم (وحدة الموضوع) المدرك في زمن واحد... وهكذا هي الحال في تناول أي موضوع أو شيء من العالم الخارجي.
     نذّكر أن علم اللغة واللسانيات تعتبر اللغة والفكر هما وجهين لعملة واحدة ولا تفريق بينهما كما ذكرنا سابقا، فاللغة هي الفكر المعبّر عنه حسب ريكور وفنجشتين ودي سوسير وجومسكي وجميع فلاسفة وعلماء اللغة... باعتبار اللغة هي فعالية العقل في تعيين إدركاته للموجودات والأشياء الخارجية.
     نأتي الآن إلى معالجة أصل إمكانية فصل الفكر عن اللغة، على أنها استحالة إدراكية في فهم الأشياء والمواضيع في حال وجودها في العالم الخارجي في استقلالية عن الإنسان سواء كانت مواضيع تناولها العقل بالإدراك وأعادها باللغة والفكر ثانية إلى عالم الواقع من جديد بعد تخليقها عقليا، أو لم يدركها في وجودها المستقل التي أيضا تستطيع الحواس واللغة التعبير عنها.
     وطالما كانت اللغة والتفكير معطّلان كوظيفة نقل ما يقترحه العقل عليهما نقله إلى العالم الخارجي، أي بقاء العقل يفكر ذاتيا صمتا بمعزل عن نقل ما يفكر به لغويا، فأن العقل وسيلة تفكيره هو الفكر ذاته فقط ولا يحتاج اللغة إلا على أنها جزء من الفكر وملازمة له خارج الدماغ أو العقل في وجود الأشياء، وتفكير العقل وتخليقه لموضوعه، فلا يدرك خارجيا من غيره إلا بواسطة اللغة فقط الناقلة للفكر من داخل العقل(الدماغ) إلى واقع الوجود في عالم الأشياء.
     وعندما يتجسد ويتعين الموضوع في عالم الأشياء الخارجي بالتعبير عنه لغويا أو بأية وسيلة تعبير غير اللغة الصوتية أو المكتوبة، فهنا لا يصبح فصل الفكر عن اللغة ذات أهمية كبيرة، ولكن تبقى اللغة في أثناء عملية تفكير العقل (صمتا) في مرتبة ثانوية بعد الفكر في مقارنتها بأولويتها في التعبير عن الموجودات الخارجية في العالم الخارجي والطبيعة خارج هيمنة إدراك الحس والعقل لها بعد تخليقها، عندما تكون اللغة جزءا لا ينفصل عن موضوعها الذي عبّرت عنه في عالم الأشياء والموجودات في العالم الخارجي.
     وحتى في هذه الحالة فالفكر وتعبير اللغة يبقيان قاصرين عن التعبير عن الموجودات المستقلة من دون إدراك العقل لها وتحديده نوعية الفكر ونوعية اللغة المعبّرة عنها. ويكون وعي الذات هي كينونة متشّكلة من الوجود المدرك، بالمحسوسات، ومن العقل، وأيضا من الفكر واللغة.
     لذا عندما يكون تفكير العقل صمتا داخليّا، يصبح التفكير بالشيء سابق على لغة التعبير عنه خارجيا... فالموضوع المفكّر به صمتا من غير تعبير لغوي يبقى حبيس ووصاية العقل في التفكير به قبل أهمية انشغال العقل في التعبير اللغوي عنه.
     إن اللغة أثناء زمانية تفكير العقل بموضوعه صمتا داخليا، تكون ملازمة لعملية تفكير العقل ذاتيا، لكنها لا تتقدم تفكير العقل... فليس كل تفكير داخل العقل صمتا يلزم حضور اللغة معه لكنه يلزم حضور الفكر وحده، ولكن التفكير داخل العقل الصامت لا يستطيع التفكير من غير صور لغوية وهذه إشكالية تؤكد استحالة فصل الفكر عن اللغة بالمطلق والاستحالة القطعية لا في تعبير العقل عن موضوعات إدراكه الخارجية ولا في تعبيره عنها بالفكر داخله...
                                            علي محمد اليوسف /الموصل


[1] قصة الفلسفة: ويل ديوارت، ترجمة أحمد الشيباني، نشر مكتبة المعارف، بيروت، ص 379.
[2] ن.م،ص 379.

الاثنين، 5 أغسطس 2019

الطبيعة ونزعة التدّين البدائي


 د. علي محمد اليوسف /الموصل

يقول أحد الفلاسفة المعاصرين  في معرض حديثه عن تعاليق الدين واللغة عند الفيلسوف بروديكوس،( إن الإنسان البدائي والذي بدأ له أن كثيرا من الظواهر الطبيعية معادية له، ومع ذلك كان معجبا جدا بالهبات التي تزوده بها الطبيعة لتسهيل حياته ورفاهيته[1]). وفي تعبير ظريف ليوربيدوس: إن الأرض يجب أن تثمر شيئا لإطعام قطيعي سواء أكانت الطبيعة راضية أن تفعل ذلك أم لا.
     هذه الطبيعة المادية في مجموع تكويناتها وتنوعاتها الأرضية، لم تكن طبيعة جامدة (روحيا) بمعنى الثبات والسكون الفيزيقي الذي يعدم تساؤلات ما وراءها، تساؤلات الإنسان الكائن النوعي في ذكائه المتفرد به عن باقي المخلوقات والكائنات، (عقليا - روحيا) خياليا تأمليا ميتافيزيقيا في ما وراء ظواهر الطبيعة المادية. (إن مصير الإنسان هو إرادته وتفكيره، وبمجرد أن يتخطى المرحلة البدائية، ويصبح كائنا يقرر مصيره على أسس وقوانين تتسم بالحكمة والعقل، عندئذ تظهر له الطبيعة والعالم كشيء يعتمد على فكره وإرادته وتأثره بهما[2]).
     وبحسب فيورباخ: حين يرتقي الإنسان بفكره وأداته فوق الطبيعة، فانه يصبح خارقا للطبيعة، ويصبح إلها أيضا خارقا للطبيعة[3]. هنا يجب التنبيه إلى أن لا الخالق الغيبي في السماء، ولا الإله الإنساني مجسدا بالإنسان نفسه في محاولته تسيّد الطبيعة، بحيث يستطيع خرق قوانين الطبيعة لتلبية رغائب الإنسان، ماعدا ما جاء كمعجزات منسوبة على أيدي الأنبياء لتدعيم إيمان الناس بهم. أما الإنسان العادي الذي لا يمتلك معجزة أو معجزات فانه سيكون محكوما بقوانين الطبيعة في الزمان والمكان ولا يقوى على خرقها منذ بدء الخليقة.
     وليس بمقدور الطبيعة خرق قوانينها أيضا من أجل تلبية حاجات الإنسان،  فهي من جهة لا تعي ذاتها ومن جهة أخرى لا تعي وجود الإنسان المميز عنها، لكن بمقدور الإنسان منفردا خرق قوانين الطبيعة من اجل رغائبه وإشباع حاجاته وملذاته، إذا ما توفرت له صفات الألوهية كما خلعها عليه فيورباخ من خلال علوّه واعلائه الإنسان على الطبيعة وتنصيبه إلها عليها. وهذا لا يتم إلا في وعي الإنسان لذاته كائنا مميّزا عن كائنات الطبيعة الأخرى من حوله، وكونه جزءا من الطبيعة متمايزا عنها متعاليا عليها ولئن لا ينقاد لها بل يقودها.
     أن  انتقال الإنسان من الحالة الحيوانية الانقيادية للطبيعة، هو انتقال نوعي مفارق عن علاقة تكيّف وانقياد الحيوان لها، فحين يعلو الإنسان فوق الطبيعة فبماذا؟ وكيف؟ فهو يعلو عليها بخاصيتي الذكاء والتخيّل اللتين لا يمتلكهما الحيوان في علاقته المتكيّفة مع الطبيعة المهادنة لها. وبهذا يتسيّد الإنسان الطبيعة، ويكون تعامله معها غير متكيّف سلبيا انقياديا لها كما عند الحيوان، لذا نجد الإنسان في علاقة رأسية احتدامية متصارعة مع الطبيعة.
     وبهذا النوع من العلاقة نجد الإنسان يعلو على الطبيعة ولا تعلو هي عليه. رغم ضآلة وجوده الكياني وقدراته المحدودة أمام لا محدودية الطبيعة في متخيّله الأرضي لها وفي امتلاكها من موجودات حياتيّة متنوعة لا حصر لها مذهلة.
     وإنه لمن المهم أن الإنسان في مراحل تاريخية متقدمة في وجوده الانثروبولوجي تمكن من اختراع اللغة في اعتلائه ظهر الطبيعة. فأصبح متمايزا عن الطبيعة في كونه يعي ذاته ويعي الموجودات فيها من حوله، وكونه كائنا مفكرا لا تجاريه الطبيعة بها أيضا، وكونه أي الإنسان متمايزا عن الطبيعة بالخيال الذي تفتقده الطبيعة والكائنات الأخرى من حيوان ونبات وجماد، والصفة المتمايزة الأخيرة للإنسان والتي لا تمتلكها الطبيعة وكل موجوداتها أنه كائن ناطق يتواصل مع غيره بها.
     وأكثر مما ذكرناه فإن فيورباخ يصف الآلهة والتوحيد الديني قائلا ما معناه أن التأليه أو التوحيد لإنسانية الطبيعة الإلهية بمعنى انتساب الطبيعة للإنسان وليس انتسابه هو وتبعيته لها. إنما ينبعان فقط من ربط الإنسان الطبيعة بذاته، لأن الطبيعة تخضع نفسها للإنسان دون إرادة ولا وعي منها[4]. بعكس الحيوان الذي ينقاد للطبيعة من دون وعيه بها أو هي تعيه، ما إن الطبيعة غير ملزمة، ولا تعي أهمية تنفيذها لرغائب الإنسان وتلبية احتياجاته منها، كما وليس  بمقدور الطبيعة خرق قوانينها التي تحكم الوجود الطبيعي رغما عنها أو دون دراية منها، وفي استقلالية عن الإنسان، من أجل تحقيق ما يحتاجه الإنسان منها كما اشرنا سابقا، لسبب يجهله كما تجهله هي الطبيعة أيضا.
     الإنسان يعيش الطبيعة من أجل تلبية غذائه وإدامة بقائه دونما وعي منها، وكذا الحال مع الحيوان في علاقته بالطبيعة.
      إن الإنسان البدائي القديم لا يدرك أن الطبيعة تختلف عنه جوهريا في أنها لا تعي ذاتها ولا تعي وجود وظواهر الأشياء من حولها بخلاف الإنسان عن الطبيعة في وعي الإنسان ذاته ووعيه المحيط والموجودات من حوله.
     ومن منطلق تجاهل الجدل الحاصل في أن الطبيعة خالقة لنفسها وقوانينها على وفق الانتخاب الطبيعي الدارويني والتطور البيولوجي الانثروبولوجي للإنسان والطبيعة، أو إذا اعتمدنا المنحى الإيماني الديني بأن الله هو خالق الطبيعة ومنظّم قوانينها بإحكام لا تدركه الطبيعة ذاتها ولا الإنسان أيضا، فالطبيعة تبقى (أم) الإنسان في رضاعته منها، وكذلك أم الحيوان والكائنات الأخرى في تأمين بقائها وفي توفيرها الغذاء والبيئة، في إدامتها بقاء الإنسان والكائنات الأخرى وحمايتها لهم من الانقراض.
     نجد من المهم التذكير بان الطبيعة التي تنتج وتسود قوانينها التي تحكمها هي والإنسان معا، لكن الطبيعة لا تصنع تلك القوانين في إدراك أهميتها للإنسان وإشباع رغائبه واحتياجاته، أي أن قوانين الطبيعة التي تعمل بمعزل عن إرادة الإنسان في توفيرها وسائل بقائه وتلبية احتياجاته المعيشية له وللحيوانات معه كافة، هي أيضا لا دخل لعدم وعي الطبيعة بها أو بصنعها ووجودها، تلك القوانين التي تحكم الإنسان والطبيعة وحتى الكوني أيضا.
     وفي الوقت الذي يندهش الإنسان بالطبيعة، في تساؤله من أوجدها وكيف؟ فالطبيعة لا تمتلك جوابها لأنها لا تعي كيف وجدت ومن أوجدها. كما إن الإنسان لا يقوى حل لغز حياته هو في وجوده الأرضي في تعايشه مع الطبيعة والكائنات الأخرى منذ بدء الخليقة والى يومنا هذا.
     وبحسب فيور باخ أيضا: (فان الآلهة قادرة على فعل ما يرغب الإنسان، بمعنى أنها تطيع وتلبّي قوانين (قلب) الإنسان، فعلاقته بروحه، تعادل علاقة الآلهة بالعالم المحسوس[5]). هذه العبارة مشبّعة برؤى ميتافيزيقية ولا تقول أكثر من أن الإنسان مبتدأ ومنتهى الدين، فكلتا العلاقتين علاقة الإنسان بروحه، وعلاقة الإنسان بالآلهة هي علاقة افتراضية خيالية معدومة التحقق ولا فارق بين العلاقتين لان مصدر خلقهما هو الإنسان فقط في وعيه ذاته والطبيعة من حوله. وبالتالي هي علاقة الإنسان مع نفسه فقط ولا وجود لآلهة تعلو الإنسان إلا تلك التي وضعها هو في موقع الإله المقدس المعبود.
     وتأكيدا لما ذهبنا له من جهة ثانية فعلاقة الإنسان بروحه علاقة وجدانية ذاتية نفسية لا وجود حسّي أو إدراكي مادي عقلي لها، لذا هي تعادل علاقة الآلهة الافتراضية بالمحسوسات والماديات والطبيعة والعالم التي أيضا هي غير موجودة سوى في مخيّلة وتفكير الإنسان فقط. فالإنسان يعبد ما يتخيّله هو فقط حسب حاجته الروحية أو المادية، ويؤمن بمعبوده بروحه المجردة وليس بعقله في كل ما يصنعه له خياله.
     إذا ما علمنا إن فيور باخ فيلسوف وشاعر أيضا، أدركنا مدى قدرته الفكرية وقابليته الساحرة على تطويع لغة الفلسفة بألفاظ تعبيرية شفافة موحية تتوارى خلفها المعاني. فقد وضع فيور باخ نزعة التدين عند الإنسان مستودعها (القلب) وليس العقل ولا تزال هذه الحقيقة مسّلم بها دينيا في جميع لاهوت و ثيولوجيا الأديان والأساطير والفلسفة.
     فالعقل بمدلولاته الإدراكية والحسّية والخيالية الذهنية، لا يتوسّله الإنسان في محاولة الاستدلال المنطقي ولا الحسي التجريبي في إشباعه نزعة التدّين عنده، وإنما يستعمل عقله في التساؤل التأملي التجريدي الخيالي في ترسيخ إيمانه الغيبي فقط، ولا زالت هذه الفرضية تغلب على تديّن أكثر الموحدين لله، إن الإيمان الديني مصدره القلب وعجز العقل في الاستدلال على تثبيت الإيمان الروحاني ببراهين عقلية أو سببية عليّة.
     فالإنسان يعمل عقله حسّيا وخياليا بعكس الحيوان الذي يدرك الطبيعة عقليا محدودا جدا، وحسّيا مباشرا في تامين الطبيعة ما يحتاجه في غذائه فقط، ولا يمتلك الحيوان قابلية ولا قدرة إعمال العقل خياليا تجريديا حتى في حالة تعطيل اللغة عنده..
     لذا الإنسان يمتاز عن الحيوان بأنه كائن ديني أو متديّن كونه كائن عقلي مفكر وكائن خيالي في وقت واحد. أي هنا الإنسان يدرك مفهوم الزمن والمكان من خلال إعمال مخيلته في التفكير الخيالي في استقرائه بعض ملامح مستقبله.
     لنمعن النظر جيدا في العبارة التالية لفيور باخ( إن الإنسان يفعل من خلال الله، ما يفعله الله حقيقة بنفسه[6]). هذه العبارة المكتنزة فلسفيا لا تحمل أكثر من تأويل واحد وحيد يمثل معنى، كان بدأه فيور باخ في بداية كتابه اصل الدين، من أن الآلهة مصنّعة خياليا من قبل الإنسان، وليس هناك من وجود إلهي من غير تأمل الإنسان وإعمال عقله الخيالي في ما وراء الطبيعة، وإيمانه بتخليق ما كان قد ابتدعه خياله انطولوجيا، في تحميل معبوده جميع الصفات الذاتية التي يخلعها الإنسان عليه، على إلهه المصنوع خيالا ميتافيزيقيا من قبله.
     إن عبارة فيور باخ هذه في تأويلها بمنهجية علوم اللغة في المسكوت عنه الذي يتخّفى فائض المعنى فيها دائما خلف المفردات اللغوية، تلخيصها يكون بأن الإله والإنسان هما وجود انطولوجيا واحد هو الإنسان فقط في معايشة خياله في علاقته بكل من الطبيعة والميتافيزيقيا. ولا يختلفان إلا بأهمية الخيال الإنساني في البحث عن الأمان الروحي في الدين في حين لا تحتاج الآلهة ذلك.
     أن جميع المصادر البحثية في نشأة الدين تذهب إلى بداياته حتى مراحل الوثنية قبل الأديان السماوية تشير إلى شرق العراق السومري والبابلي ومصر الفرعونية والهند والصين وفلسطين، ثم انتقلت الأديان الوثنية والميثولوجية والأسطورية والسحرية إلى بلاد اليونان والرومان والقرطاجيين والفينيقيين إلى ما قبل ظهور اليهودية والمسيحية عن طريق فتوحات الإسكندر المقدوني للشرق حوالي 320 قبل الميلاد.
     فعلى لسان هيرودوتس يذكر فيور باخ (انه في الشرق يقلل الإنسان من قيمة نفسه إلى مستوى الحيوان كي يثبت ولاءه الديني، أما عند الإغريق والرومان فأن تأكيد الإنسان لكرامته تضعه في مصاف الآلهة[7]).
     طبعا في هذا مغالطة آرية عنصرية عرقية، إذ إلى وقت ليس ببعيد تاريخيا فأن الإغريق كانوا يضّحون بالأطفال قرابين للآلهة زيوس أو جوبتير كما كان بفعل (آخيل) أو غيره من وثنيي الأرباب ولم تكن تحسب تلك حيوانية دينية.
          فيور باخ ووعي الذات
     لقّب فوير باخ بأنه صاحب منهج فلسفي مادي تصوفي أو تأملي ذاتي، البعض ينعت فوير باخ فيلسوف الذات فهو عالج موضوع اغتراب الذات فلسفيا في سبق فلسفي يحسب له.  ومن الماركسيين المحدثين الذين ينكرون التأثير المادي لفوير باخ على ماركس، بنفس معيار إنكارهم الجدل الهيجلي على اعتباره هو الآخر مثاليا تجريديا تأمليا، علما ان جميع دارسي وباحثي الماركسية يذهبون إلى أن المادية الفويرباخية والجدل أو الديالكتيك الهيجلي كانتا دعامتا الديالكتيكية المادية الماركسية، والجدل المادي التاريخي الذي اعتمدهما ماركس في صياغته قوانين تطور المادة والتاريخ، بعد تخليصه مادية فوير باخ من تصوّفها التأملي الديني، وتخليص الجدل الهيجلي من مثاليته المقلوبة.
     لكن لا يمكن لأحد نكران أن المعارف والفلسفات وحتى العلوم الإنسانية هي تراكم معرفي وحضاري تاريخي محكوم بالكم والكيف، في تقادم زمني لا يلغي تماما جهد السابقين على اللاحقين تاريخيا، مهما شابت تلك المسيرة من النقد والمراجعة والحذف والتفسير والتفنيد ..الخ. كما يتعذر ولادة معارف علمية أو فلسفية من فراغ سابق عليهما.
     وإذا سمحنا لأنفسنا إسقاط الفهم الحداثي وما بعد الحداثي على إي نص مكتوب، فهو بحسب رولان بارت في مقولته الشهيرة موت المؤلف، في ردّه كل نص إلى تناصه  المتعلق مع سابقاته من النصوص من جهة، ومن جهة أخرى فإن النص بعد كتابته و نشره يصبح ملكا صرفا للقارئ المتلقي أو بالأحرى المتلقين الآخرين في تعدد وتنوع قراءاتهم للنص في ملاحقتهم ما يسمى فائض المعنى المتبقي بعد كل قراءة جديدة. وهو ما ينطبق على كل نص تداولي مكتوب سواء في الثقافة أو المعارف أو الفلسفة أو السرديات الكبرى كالايدولوجيا والتاريخ الخ.
     ويؤكد البرتو ايكو هذا المعنى لدى بارت قائلا: إن بارت يقوم بتفريق هام بين نص القراءة، الذي يستهلكه القارئ، والذي يمنح نفسه للقارئ بلا مشّقة، ومن ثم يقوم بترسيخ العادة والمألوف، وبين نص الكتابة الذي يقوم القارئ بكتابته مرة أخرى، ومرات عديدة في كل قراءة أخرى جديدة له.

                                                         علي محمد اليوسف /الموصل



[1] فيورباخ: أصل الدين، ترجمة وتقديم أحمد عبد العليم عطية، طبع المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، لبنان، طبعة أولى 1991، ص 12.
[2] ن.م، ص 17.
[3] ن.م، ص 22
[4] ن.م، ص 34.
[5] ن.م، ص56.
[6] ن.م، ص 96.
[7] ن.م، ص 100،.