الخميس، 3 مارس 2011

معمر شو


   لا يختلف إثنان كون العقيد القذافي يثير الكثير من الأسئلة و التساؤلات و يسيل الكثير من الحبر بشخصيته الغريبة تصل حد الطرافة في أحيان كثيرة. و لعل ما يعجب له المرء أسلوبه في طرح و معالجة بعض القضايا سواء أكانت سياسية أم فكرية أم اقتصادية أم دينية. و من هذه المفاهيم مفهوم الديمقراطية démocratie التي  حولها إلى معنى ركيك فيه الكثير من السذاجة مما أفقد المصطلح لمعناه  وتعريفه لكلمة démocratie تعني للعقيد البقاء في الكراسي، ذلك أن démo = ديمو دائما و cratie = كراسي فالمعني العام دائما جالسين على الكراسي بالنسبة للمسؤولين.
   و المعنى الحقيقي لهذه الكلمة التي وجدت في العهد الاغريقي تعني سلطة الشعب عن طريق نواب يختارهم ليحكموا العباد و يسيروا البلاد عن طريق قوانين. و هذا يعني أنه منذ ألف عام عرفت هذه الشعوب الديمقراطية و مارستها في حين أن العقيد مازال لم يدرك حقيقتها  وكنهها مدعيا أن الديمقراطية الحقيقية ما يمارس في الجماهيرية  عن طريق سلطة الجماهير التي تتجمع في لجان شعبية تقوم بمؤتمرات تفضي إلى افراز مؤتمر الشعب العام الذي يحدد السياسة الداخلية و الخارجية للبلاد و مرجعية هذه الأدلجة ما سماه القذافي النظرية الثالثة  وحكم الجماهير و قد أودع هذه الأفكار في كتابه " الكتاب الأخضر " و قد حوى نظرته للحكم و الدولة و العمل و الملكية و غيرها من الأفكار التي كانت مزيج من الشيوعية و الرأسمالية و الليبرالية فمن يقرأهذا الكتاب يصاب بالغثيان و التقزز. 
   إن هذ الديكتاتور الذي جثم على صدور إخواننا في ليبيا ما يزيد على أربعين عاما آن له أن يرحل فقد بدد ثروات البلاد في مغامراته وشطحاته المجنونة فمرة تصرف عائدات الشعب الليبي و تنفق لتدعيم ثورات في أمريكا اللاتينية و افريقيا و الجيش الجمهوري في ايرلندا و منظمة ايتا الانفصالية في الباسك. و مرة تنفق ثروات البلاد في تكديس و شراء الأسلحة دون موجب في الوقت الذي قام فيه بافراغ الجيش من قدراته و فاعليته و جاهزيته الحقيقية و كون معه جيشا موازيا مخلصا له و هي اللجان الثورية التي تؤمن بعقيدته  وفكره و كتابه الأخضر و مستعدة عناصرها الموت من أجله.
   خرج القذافي اليوم على العالم في الوقت الذي تتزايد فيه الأصوات مطالبة بتنحيته ليقول بأنه ليس برئيس و لا حاكم و لا ملك و لا سلطان بل سلم السلطة للشعب منذ سنة 1977 و إنما هو قائد ثورة يستلهم الشعب توجهاته من عمق و دقة فكره و بالتالي مسألة التنحي غير واردة لأنه لا يحكم و كأنه يقول إن الشعب هو الذي يحكم هل تريدون تنحية الشعب؟
   مشكلة القذافي مع نفسه فهو يتوهم أشياء و يصدقها و يريد أن تنعكس في أدمغة شعبه و الحقيقة أن هذا الانعكاس الخيالي للتصورات الوهمية للقذافي لم يعد مقبولا من طرف الشعب الليبي بل لم يعد ينطلي عليه هكذا أفكار. و أن الحقيقة أصبحت واضحة براقة و أن الادعاء بقصور الشعب على الفهم و الادراك و التعلم لم تعد مقبولة كذلك لأن الثورة المعلوماتية الكبيرة و وسائل الاتصال و التواصل قد غيرت العقول و أزاحت الغشاوة و استفاد منها الكل إلا العقيد القذافي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جدلية العقل والنقل في الفكر الإسلامي

بسم الله الرحمن الرحيم                                                                                           د.عثمان علي حسن مقد...